شوقي يوسف بهنام : من هموم سافو (النص رقم واحد) (1)

shawki  5*مدرّس مادة علم النفس في كلية التربية/ جامعة الموصل
ابسط تعريف للوصية هي ” تبرعٌ من الإنسان في حالِ حياته إلى إنسان آخر أو جهةِ خيرٍ على أن ينفَّذَ بعد موته. ” (1) . وليس من شأننا هنا ان ندخل في التفاصيل القانونية والفقهية لها . وعلى ضوء هذا التعريف يمكن ان ندخل النص الاول من نصوص سافو في باب الوصايا . لأن نص سافو هذا دعوة الى جميع قراءه ليعلم هؤلاء القراء من هي سافو وماذا تريد . وليس من شأننا كذلك ان نحدد كيف واين وضعت نصها هذا او قل ، ان صحت العبارة ، اين نقشته ، فهذه كلها امور تخص جامعي النص وموثقيه ومحققيه قبل ان تكون مسؤولية محلليه (2) . وعلى الرغم من ان هذه المسؤولية لا تعني ، بشكل ما ، اعفاء المحلل او تملصه ، إن صحت العبارة ، من اشكالية التحقيق لئلا يقع في دائرة ضياع هوية صاحب النص ، قدر ما تكون مسألة التوثيق لا تدخل من دائرة اهتمام المحلل او اختصاصه على اقل تقدير . المهم هو ان المحلل ينشغل بالنص وحسب . وحتى لا نتشتت في دوائر التحقيق والجمع والتوثيق والتحليل ، لنبدأ بالاقتراب من النص والوقوف على همومه وكوامنه ولا وعيه . لقد انشغل مؤسس التحليل النفسي كثيرا بموضوع الزلات اللسانية والكتابية لأنها ، في نظره ، تعد مدخلا الى اللاوعي شأنها الاحلام والاعراض التي تتمظهر على مسرح السلوك . النص من وجهة النظر هذه يمكن ان يعد زلة لسان او حلما او عرضا بشكل او بآخر إذن . تقول سافو في وصيتها (النص رقم 1) ما يلي :-
ليعلم الجميع
أنني اليوم والآن
سأغني غناء ً بديعا
كي أبهج صديقاتي
(الديوان ، ص 9) (3)
******************
ذلك إذن هو اعلان سافو . ايان كان مكان العبارة الذي نقشت او كتبت عليه فهذا أمر لا شان لنا به . المهم هو انه على لسان سافو . انه اعتراف صريح للجميع ، دون خوف او تردد او حتى خجل !! . انه اعلان عن سلوك تعيشه او تقوم به وينبغي ان يدركه الجميع . النفَس النرجسي جلي في العبارة . تقارن سافو ذاته مع الجميع . فهو اذن شكل من اشكال التحدي . ان غنائها .. اي شعرها هو البديع بعينه . ان لم يك البديع على وجه الاطلاق !! . ليس هناك ما هو ابدع منه . ولما يكون على هذه الشاكلة ؟ . ليست غاية سافو او غرضها امتاع الاخرين ، ذكورا او اناث بل فقط صديقاتها . التركيز على زمانية النص جلي في العبارة . انه نوع من التأكيد والاصرار واللارجوع منه . نجد اعتبار عالي للذات واعتداد بها لديها . ليس من شعر او غناء ما هو ابدع من شعر او غناء سافو . ان الميول السحاقية واضحة في النص . وعلى الرغم من ان مترجمي (4) النص لم يكونا متحمسين لمثل هذا التشخيص الذي ، روجوه حتى معاصرو سافو ، وغيرهم من المعاصرين امثال الحفني في موسوعته النفسية الجنسية (5) والذي نتبناه هنا . ابهاج الصديقات اذن هو الهدف الرئيسي والاساسي عند سافو . وهذا ما نلمسه في هذه العبارة التي توقفنا عند تخومها . ولم تغني في الماضي بل ستغني وسوف تستمر في ذلك الغناء . وهذا يعني ان رغبتها هذه او هذه الميول التي تحترق بين جوانحها ستبقى رهن الاحتراق وستبقى ما دامت على قيد الحياة . نؤكد ، هنا ، حقيقة مهمة من خصائص النص قد لا ينتبه عليها الكثيرين وهي ان لا سلطة تفرض على الناص ان يكتب ما كتبه . النص هو محض حرية ومحض ارادة . خصوصا عندما لا يكون مقترنا يظرف ما او زمان ما او مكان او سبب ما . مثل هذا الاقتران يدفعنا الى التشكيك او الوقوف بحذر عند نوايا هذا النص او ذاك . وسافو هنا نجد على النقيض من هذا التصور ، اي انها هي التي تعلن وتؤكد وتصر وتشهر عن رغباتها تلك بل وحتى تتحدى او تتباهى بذلك . ومثل هذا التباهي انما هو دالة الحرية واللارضوخ .
الهوامش :-
1- راجع هذا التعريف في مادة الوصية في موسوعة الويكيبيديا على شبكة الانترتيت .
2- نميل الى الاعتقاد ان هناك تباين في مهام جامعي النصوص ؛ اي نصوص ، وموثقيه وبين من يقوم على تحليلها . المحلل يأخذ النص جاهزا انطلاقا من نظرية موت المؤلف ، على الاقل من وجهة نظر كاتب هذه السطور .
3- سافو ، 2008 ، لا العسل تشتهيه نفسي ولا النحل ، ترجمة : طاهر رياض – د. أمنية أمين ، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ، دمشق ، سورية ، ط1 .
4- سبق لأستاذنا الدكتور عبد الغفار مكاوي ان قام بترجمة لطائفة من نصوصها وتحليله في كتابه الذي لم نظفر به بعد ، والذي لم يروق لمترجمي الطبعة الحالية بل اتهماه بالحرفية ، الديوان الحالي ، ص 8 ، وكان بعنوان ” سافو شاعرة الحب والجمال ، ص 8 .
5- د. الحفني ، عبد المنعم ، 2004 ، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، ص 28 وصفحات اخرى في نفس الموسوعة .

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *