أ . د . عبد الواحد محمد : كاف التشبيه في “صمت الأكواخ” (ملف/51)

abdulwahed mohamadإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :

كاف التشبيه في ” صمت الأكواخ “
………………………..

أ . د . عبد الواحد محمد
كلية اللغات – جامعة بغداد – أستاذ علم اللغة الإنكليزية

ترمي هذه المداخلة النقدية إلى قراءة قصائد ” صمت الأكواخ ” للشاعر عيسى حسن الياسري و إجراء فحص لغوي .. دلالي و أسلوبي .. لجانب معين في الجمل الشعرية ، ألا و هو التشبيه. فقد اجتذب انتباهي أن الشاعر أكثر من استخدام التشبيه .. و التشبيه بـ ” الكاف ” بصورة خاصة في مواقع متعددة من قصائده. وهذا النوع من التشبيه هو ما سأسلط الضوء عليه لأنه ورد أكثر من غيره. وسيكون تسليط الضوء على تراكيب التشبيه من الناحية اللغوية و الأسلوبية وعلى الأغراض التي رمى إليها الشاعر. وقبل أن أتناول هذه المسألة تناولا تطبيقيا لا بأس أن أشير إلى ما جاء في كتب البيان من أن التشبيه أسلوب من أساليب البيان الذي يثبت صفة لموصوف أو وجها من المبالغة بعقد مماثلة بين المشبه و المشبه به وبيان وجه الشبه باستخدام أداة تشبيه. وأداة التشبيه هي كل لفظ يدل على المماثلة.. كالكاف و كأن ومثل وشبه وحاكى و شابه ويضارع ويماثل ومن المعروف انه يجوز في التشبيه حذف الأداة أو وجه الشبه أو حذفهما معا، وان الأصل في الكاف أن يليها المشبه به. وهذا ما فعله الشاعر باستخدامه الكاف.. فقد جاء المشبه به بعدها في جميع الأمثلة. أما بصدد حذف وجه الشبه فأكاد اجزم انه فعل ذلك في جميع الأمثلة :
البنى اللغوية:
وتأتي هذه التشبيهات من ناحية البناء اللغوي بعد عزلها عن الكيانات اللغوية الكاملة على النحو الآتي:
التشبيهات المؤلفة من اسمين متتابعين ” مضاف ومضاف إليه ” مثل : كورق الصفصاف 29 ، كقطعة غيم 37، كفراشات الحقل 39، كمساء شتاءات 59، كزوار الليل 65، كبذار الكلمات 66، كأكواخ العشاق 66، كقطرات ندى 68، كجباه(قدامى) الفلاحين 59، كغرغرة نزع الموت (الرقم غير واضح) ، كأنين الوديان 78.aisa alyasiri 8
التشبيهات المؤلفة من أسماء و صفات مثل:
كخيوط بيض 17، كستائر داكنة 18، كرياح مغتربة 72، كأصوات مباركة 74 ، كالريح الشتوية 78 ، كقبرة خائفة.
التشبيهات المؤلفة من اسمين متتابعين وصفة مثل:
كزوار الليل الثقلاء 65، كأكواخ العشاق السريّة 66 ، كمساء شتاءات غائم 59،
التشبيهات المؤلفة من أسماء أو “أسماء + صفات ” متبوعة بعبارات مجرورة مثل:
كورق الصفصاف في ايلول29 ، كقطيع في مرعى اجرد 37 ، كأكواخ العشاق السرية في يوم .. ما 66، ومن حولك يتردد .. وكأصوات مباركة .. رغاء الأبقار 74 ، كقطيع من أحمال 89.
التشبيهات المؤلفة من جميع العناصر الآنفة و بعضها متبوعة بفعل مثل:
كخيوط بيض تعلق 17 كستائر داكنة ” إني” أبعدها 18 كرغيف ينتظر 28 كزنبقة جرفها 37 كقطعة غيم اختطفتها 37 كعصفور ألجأه 37 نطاردها كفراشات الحقل 39 كزوار الليل الثقلاء سيأتي 65 كأكواخ العشاق السرية / في يوم .. ما/ ستفتح 66 كقطرات ندى تنزلق 68 يعول ندمي كرياح مغتربة 72 وكيتيمين أعاد 73 يتردد – وكأصوات مباركة 74 كالريح الشتوية يعول 78 كأنين الوديان تئن 78 كحلم أدركه 88 كقبرة خائفة هجرتني 88 كقطيع من أحمال ترمح 89.
التشبيهات المؤلفة من عناصر لغوية مختلفة أخرى بأعداد قليلة، لان من الضروري التطرق إليها.
ومن الممكن إعادة أبنية التشبيه الآنفة بصيغ قواعدية كالآتي:
الكاف + اسم أول ” اختصارا – أ1 “+ اسم ثان ” اختصارا- أ2″ ك+أ1+أ2″ تمثل هذه القاعدة جزءا من قاعدة شاملة ”
الكاف + اسم + صفة ” اختصارا – ص ”
ك + أ + ص” تمثل هذه القاعدة جزءا من قاعدة شاملة ”
الكاف + اسم أول + اسم ثان + صفة
ك + أ1+أ2+ص ” تمثل هذه القاعدة جزءا من قاعدة شاملة ”
الكاف + اسم أول+ اسم ثان +عبارة مجرورة ” اختصارا: ع م ”
ك+ أ1 + أ2 +ع م ” تمثل هذه القاعدة جزءا من قاعدة شاملة ”
الكاف + اسم + فعل ” اختصارا – ف ”
آ. ك + أ + ف ” تقترب هذه القاعدة من القاعدة الشاملة ”
ب. ك + أ1 + أ2 + ف ” تقترب هذه القاعدة من القاعدة الشاملة ”
ج. ك + أ + ص + ف ” تقترب هذه القاعدة من القاعدة الشاملة ”
د. ك + أ1 + أ2 + ص + ع م + ف ” هذه القاعدة وجه من القاعدة الشاملة “.
ب . الأغراض :
للتشبيه أغراض متفق عليها : منها بيان حال المشبه حينما يكون غير معروف الصفة ومقدار حال المشبه وتشبيه الأمور المعنوية بأخرى تدرك بالحس لتقدير حال المشبه في ذهن السامع و تزيين المشبه وتقبيح المشبه وتوضيح المعنى الخفي و تقريب البعيد و تأييد المعنى أو تقويته . و يبلغ التشبيه حد البلاغة عندما يحقق ما أريد من توضيح أو تقريب ، وقد يجيء جميلا لما فيه من طرافة ورسم بديع للصور.
وعند إجراء عرض عام لعبارات التشبيه الواردة في الفقرة آ ، نلاحظ أنها – في معظمها – وفت بهذه الأغراض جميعها ، و لو أن جزءاً منها التزم بأداء أغراض معينة على نحو متكرر مع العلم أن بعض النماذج تمثل أكثر من غرض في آن واحد، أما لأنها كذلك، وأما لأن تأويلات القارئ تختلف فيما بينها ، ولتوضيح ذلك نقتطف الأمثلة الآتية :
1- كورق الصفصاف في أيلول ” بيان حال التشبيه حينما يكون غير معروف ”
” إذ يركع للريح الخريفية – الصفة ومقدار حال المشبه ”
” انحني أمام حزنك الجليل ”
2- أ. و الأحلام تتغضن كجباه قدامى الفلاحين ” تشبيه أمر معنوي بمدرك حسي ”
ب. ” الكلمة المعشوقة
نطاردها كفراشات الحقل ْ ”
3-” ومن حولك يتردد – و كأصوات مباركة ” – ” تزيين المشبه) رغاء الأبقار ” تزيين
المشبه ” .
4- الأيام بدون وسادة شعرك ” تقبيح المشبه ”
تنفق كقطيع في مرعى اجرد ” تقبيح المشبه ”
5- تلك السنوات تظلل نافذتي ” تقوية المعنى ”
كستائر داكنة ” تقوية المعنى “kh aisa 11
ج- التحليل اللغوي / الأسلوبي :
عند تفحص قواعد بنى التشبيه نلاحظ أن كاف التشبيه و الاسم المشبه به يظهران في جميع هذه القواعد مترابطين ، وإذا أردنا تطبيق قاعدة الحركة عليهما وجب تحريك العنصرين معا وليس بصورة منفصلة. وان ظهور اسمين يرد في القواعد 2 و 3 و 5ج، 5د . وان الفعل يرد في القاعدة 5 بفروعها الأربعة . ومن الممكن وضع قاعدة شاملة واحدة تضم جميع عناصر القواعد الأخرى ” وكذلك من الممكن إدخال جمل أو عبارات اعتراضية ” ، مع بيان جواز حذف أو تقديم أو تأخير بعض العناصر بحصرها بين قوسين كالآتي :
(ك+أ1) +(أ2)+(ص)+(ع م)+(ف).
ومن المهم أن نشير إلى أن استخدام الاسم الأول مع كاف التشبيه يشكل قاعدة إجبارية، أما استخدام العناصر الأخرى فقاعدة اختيارية. فإذا أردنا أن نعرف مكامن إبداع الشاعر في هذه الناحية، وجب أن نغض الطرف عن استخدام القواعد الإجبارية وان نتابع الشاعر في طريقة استخدامه القواعد الاختيارية، وان نقارن تراكيبه المختارة ، بمثيلاتها غير المختارة ، غير غافلين الجانب الدلالي للمفردات المستخدمة الذي يصعّد أو يخفض من قيمة التراكيب النحوية الإبداعية ، وما ينشأ عن ذلك كله من صور وموجات ذهنية عاطفية تتسرب إلى عقل القارئ ” أو السامع ” وقلبه ، وتثير في نفسه استجابات متفاوتة في درجاتها : عنفا أو استرخاء ً ونوعا أو متعة وما ينتج عن ذلك من أحكام جمالية.
وهذه هي الحالة التي تتشكل فيها صورة الإبداع. كذلك من الضروري أن نشير إلى أن بعض هذه العناصر اللغوية لها قابلية على التحرك وتغيير مواقعها، و الشاعر المبدع هو الذي يستفيد من هذه الخاصية، مقدّما أو مؤخّرا أو حاذفا ً، هذا العنصر أو ذاك ببراعة ، تضفى على بنى التشبيه ألوانا ًجذابة . وفي ضوء قاعدة الحركة مثلا يجدر بنا أن نعيد النظر في الأمثلة (1،2،3،4،5) الواردة في الفقرة (ب) كالآتي:
1- كورق الصفصاف في أيلول /انحني
ك+أ1+أ2+ع م +ف ” لا ينقص هذه القاعدة سوى ص ”
ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة لنحصل على ما يلي :
كورق الصفصاف انحني في أيلول
ك+،‏أ1+أ2+ف+ع م
انحني كورق الصفصاف في أيلول
ف+ك+أ1+أ2+ع م
في أيلول انحني كورق الصفصاف
ع م +ك+أ1+أ2+ف
في أيلول كورق الصفصاف انحني
ع م + ك + أ1+ أ2
2-أ . (و الأحلام* تتغضن كجباه قدامى الفلاحين ” بغض النظر عن حالة الفاعل ”
ف+ك+أ1+ص+أ2+ف ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة كالآتي:
* (و الأحلام) كجباه قدامى الفلاحين تتغضن
ك+أ1+ص+أ2+ف
* كجباه قدامى الفلاحين تتغضن ” الأحلام ”
ك+أ1+ص+أ2+ف
* كجباه فلاحين” الفلاحين” قدامى ” القدامى ” تتغضن” الأحلام ”
ك+أ1+أ2+ص+ف
ب. ” الكلمة المعشوقة ”
نطارد” ها ” كفراشات الحقل
ف+ك+أ1+أ2 ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة كالآتي:
* نطارد ” الكلمة المعشوقة ” كفراشات الحقل
ف+ك+أ1+أ2
* كفراشات الحقل نطارد ” الكلمة المعشوقة ”
ك+أ1+أ2+ف
3- ” و ” من حولك يتردد – ” و ” كأصوات مباركة-” رغاء الأبقار ”
ع م+ف+ك+أ+ص
ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة كالآتي:
* يتردد.. كأصوات مباركة من حولك
ف+ك+أ+ص+ع م
* كأصوات مباركة من حولك يتردد
ك+أ+ص+ع م +ف
4- ” الأيام بدون وسادة شعرك ”
تنفق في مرعى اجرد
ف+ك+أ+ع م
ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة كالآتي:
* كقطيع تنفق ” الأيام ” في مرعى اجرد
ك+أ+ف+ع م
* كقطيع في مرعى اجرد تنفق ” الأيام ”
ك+أ+ع م +ف
5- ” تلك السنوات “- تظلل – ” نافذتي ”
كستائر داكنة
ف+ك+أ+ص
ومن الممكن تطبيق قاعدة الحركة كالآتي:
* تظلل” تلك السنوات” – ” نافذتي ” كستائر داكنة
ف+ك+أ+ص
* كستائر داكنة تظلل” تلك السنوات نافذتي ”
ك+أ+ص+ف …الخ
وبملاحظة هذه البنى اللغوية المختلفة في تكوينات جمل التشبيه ، نستطيع أن نلتفت إلى الأساليب اللغوية المتنوعة و المحتملة للتعبير عن شيء واحد أو فكرة واحدة كما نستطيع أن ننتبه إلى الخاصية الفردية التي يتفرد بها الشاعر المبدع في العدول عن البنى المألوفة وربما المبتذلة ليصوغ لنا تكوينات لغوية شعرية أو إيقاعية تدل على البراعة و الحذق . واعتقد أن تحليلنا اللغوي هذا يساعد في إبداء الرأي القريب من الصواب في تقويم هذا الشعر ، لأنه يستند إلى أدلة ملموسة ويبتعد بوضوح عن الانطباعية التي تعتمد على الذائقة الفردية و الذاتية في أحكامها.
د. التحليل الدلالي:
لنعد الآن إلى الأمثلة الخمسة ونحللها دلاليا ,. ولنبدأ بالمثال الأول: في الواقع توجد أشجار عديدة لكن الشاعر يختار من بينها جميعا شجرة الصفصاف. هل أن هذه الشجرة تمثل النوع السائد من الأشجار في بيئته ؟ لنقل ربما. هل للشاعر ذكريات خاصة تربطه بهذه الشجرة ؟ لنقل ربما ، هل لأوراق هذه الشجرة خواص تختلف بها عن أوراق الأشجار الأخرى؟ اعتقد أن هذا صحيح . فأوراق الصفصاف عريضة ومتينة وصقيلة . وربما أراد الشاعر أن يصور لنا كيف أن هذه الأوراق القوية ” ولنلاحظ أنه استخدم صيغة الجمع – ورق- وليس ورقة ” والعنيدة تركع للريح .. أي تنحني .. برغم قوتها و اجتماعها .. لكنها تركع لنوع من الريح .. هي الريح الخريفية ذات الصفير . و هذه الأوراق ” المشبه بها ” تشبه ” المشبه ” من حيث قوة عوده و استقامة جذعه.. لكنه لا يستطيع إلا أن ينحني أمام حزنها الجميل.. وهذا الحزن كالريح قوة لأنه جعله ينحني. كما أنه جعل من الحزن .. هذا الاسم المعنوي أو التجريدي مدركا حسيا. ومما تجدر ملاحظته أن الشاعر في كل مقطع شعري تقريبا يحاول أن يتدرج في صوره الفنية لتبلغ في نهايتها ذروة الدهشة كما يحصل في هذا المقطع.
وفي المثال الثاني بنموذجيه ” أ.ب ” يكون التشبيه المعنوي بالحسي. ففي أ نجد كلمة الأحلام ، وفي ب نقرأ الكلمة المعشوقة . و لأجل إكمال صورة النموذج أ لنأخذ المقطع كاملا هكذا:
التجاعيد غزت القلب
و الأحلام تتغضن كجباه قدامى
الفلاحين
هنا حاول الشاعر أن يضفي على الأحلام خاصية تشخيصية ، أي خاصية حسية وان يبين لنا الزمن الرديء الذي أصاب أحلامه بتقادم العمر فطالها منه ما طال قدامى الفلاحين حتى غدت تلك الأحلام متغضنة . و لا ريب أن القلب هو مرتع الأحلام ، وإذا غزت التجاعيد القلب ، فالغضون تغزو الأحلام.
ولكي يصور لنا الشاعر مآل هذه الأحلام الشابة وبلوغها خريف العمر ، ماثلها بإمارات الشيخوخة التي تظهر على جباه الفلاحين بصورة تجاعيد أو غضون.
أما النموذج ب فيشبه النموذج أ من ناحية تمثيله المعنوي بالحسي فالشاعر يشبه ” الكلمة المعشوقة ” بفراشة الحقل المحلقة أو المرفرفة بأجنحتها الملونة في فضاء الحقل الرحيب ، ناعمة بجمال الحقل و بحرية التحليق، وبشعورها الواثق أنها ليست مثل أية كلمة أخرى . إنها كلمة معشوقة متميزة تدل على الأخريات بفتنتها و انطلاقها و صدقها . وما اسعد من يطاردونها، لأن في هذه المطاردة شبهها بمطاردة الفراشات في عالم اخضر .. عالم تزهو به نباتات الحقل بسنابلها أو أوراقها أو غصونها . ويضيف الشاعر:
” متى نمسكها
تقضم دفء أصابعنا ”
أي أننا حين نفلح أن نمسك ” الكلمة المعشوقة ” تسبب لنا أذى يبدأ بقضم ” دفء ” أصابعنا . وهنا تظهر دلالة ” أو دلالات ” معنوية أخرى خاضعة لتأويلات القراء المختلفة.
و في المثال الثالث يخاطب الشاعر ” أعبيد بن عنبر) الذي كان راعيا في الزمن الغابر ، ولما أفل نجم الريف في الجنوب احتضن والد الشاعر ” أعبيد ” هذا وجاء به معه إلى بغداد. وبعد وفاة
والد الشاعر احتضنه الشاعر نفسه ورعاه. وبعد أن وافى الأجل ” أعبيد ” وهو في بيت الشاعر قبل حوالي عامين ونيف ، نظم الشاعر عنه قصيدة ” رحيل آخر الرعاة ” مخاطبا إياه :
” ومن حولك يتردد – وكأصوات مباركة :
رغاء الأبقار ِ.. نعيب البط ِ .. وحمحمة فرس أبي
ونهيق ” حمارتك خضرة ” .
و الآن بعد أن عرفنا الشخص المخاطب وما يثيره في نفس الشاعر من ذكريات متعلقة بحيوانات الحقل لا سيما وان ” أعبيد ” راع و علاقته بالحيوانات أكثر من علاقته برموز الحقل الأخرى، نلاحظ أن الشاعر يصف أصوات هذه الحيوانات بكلمة – مباركة- لكنه يتحوط ويضع –وكأصوات مباركة – بين خطين ويجعلها عبارة اعتراضية .يبدو لنا أن الشاعر يخاطب أعبيد الراقد في فراش الموت ويتذكر أصوات حيوانات الحقل المرتبطة بشخص هذا الراعي وبالمكان كله .. ويرى من المناسب أن يصفها بكلمة – مباركة- في حضرة الموت أو لأنه من شدة حبه لها ولذكرياته عنها بالغ في نعت أصواتها بهذه الصورة ، مع أن من المعروف أن صوت الحمار مثلا من أنكر الأصوات.
وفي المثال الرابع شبّه الشاعر الأيام بقطيع من الأغنام و الأبقار في مرعى جفت أرضه ويبست أعشابه حتى مسها الجوع ونفقت . إن الأيام خالية من شعرها الذي يتخذه وسادة يرخي عليها رأسه ويستمد منه الإحساس بالدفء و الليونة و الدغدغة الناعمة التي تتحول إلى مزيج من قوت الروح ، لأشبه ما تكون بقطيع في مرعى اجرد ، خال من الأعشاب ” المماثلة للشعر” التي يسد بها القطيع رمقه. هذه الأيام بدلالتها التجريدية اكتسبت خواص حسية حيوانية تمثلها القطعان في المراعي الجرد. و القطعان في الحالة الطبيعية كالأيام في الحالة الطبيعية .. تتميز بالحركة و الحيوية و النشاط . إنك لتراها قافزة .. راكضة .. صائتة .. تملأ المكان ضجة بأصواتها , وبهاءً بألوان أصوافها أو شعرها.. أما مشهد القطعان النافقة ..المطروحة على الأرض بجلود متعفنة ونظرات كامدة فيبعث الشعور بالتقزز . وبالطبع أن الشاعر يعي هذه الحقيقة المرة لأنه ابن الريف و القرية وهو أدرى بمصير القطعان في المراعي الجرد أكثر من غيره . فما أقبح الأيام التي لا يسعفه الحظ فيها أن يتوسد شعر حبيبته ! إن مصيرها ” أي الأيام من هذا النوع” مصير القطعان الجائعة النافقة .. وأخيرا نتناول المثال الخامس بعد أن نضعه في إطاره الكامل هكذا:
” تلك السنوات تظلل نافذتي ..كستائر داكنة ..إني أبعدها بعض الشيء .. لأراك ِ ”
إن ما فعله الشاعر بـ ” الأيام ” قد فعله بـ ” السنوات “، أي أنه حول التجريدي إلى المحسوس . وهذا المحسوس يتمثل بقماش سميك تصنع منه الستائر ، إن اسم الإشارة ” تلك ” يحدد هوية السنوات التي يشير إليها الشاعر. وهي على الأرجح تلك السنوات المتعاقبة بعد سنوات السعادة . لقد انجد لت خيوط تلك السنوات وصارت سميكة .. داكنة اللون.. منسدلة على النافذة.. وملقية بظلالها الثقيلة عليها. لكن أية نافذة؟ إنها – كما يبدو – نافذة الروح . ولعل قارئا آخر يرى أن هذه السنوات لا تعدو أن تكون سنوات الذكريات مع الحبيبة التي تحولت بمرور الزمن إلى ستائر داكنة تظلل نافذة الروح وتمنع عنها أن تطل على مشهد الحب البهيج ، حيث كان يمشط شعر حبيبته بأصابع كفه. وحين يقول ” إني أبعدها بعض الشيء ” يحس المرء بلذة الإزاحة وما تنطوي عليه من وعد ممتع .. بأن يراها.. من نافذة الروح الخالدة .
إن ّ نافذة تظللها ستائر من هذا الطراز .. لهي نافذة خاصة بشاعر أصيل يعرف –حقا- معنى الرسم بالكلمات.
………………………………
” مجلة آفاق عربية تموز-آب 1997 السنة الثانية والعشرون “

 

شاهد أيضاً

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *