ايمان عبد الحسين : الشاعر محفوظ داود سلمان: صورة بغداد في اللوحة بأكملها (ملف/10)

mahfoz dawod 2ينبغي الاتفاق ابتداء ان أي عنوان لاي منتج ادبي ومنها المنتج الشعري الذي نحن هنا بصدد قراءته حتما يقود متلقيه صوب الثيمة الاساسية، التي يسعى كاتبها الوصول اليها ويعلن عنها في نصه، و حينما يتكرر العنوان في اكثر من قصيدة داخل المجموعة تكون هذه خير مثال على وحدة الموضوع ضمن الرؤية الكلية، كما هو الحال هنا في موقف الشاعر محفوظ داود سلمان ( من صورة بغداد) في المجموعة الشعرية الصادرة بالقطع المتوسط عن دار الشؤون الثقافية العامة المعنونة اللوحة بأكملها) ،التي تشكل خصوصية فريدة لديه جعلته يكررها في عنوان اكثر من قصيدة، وما دام العنوان بناء تتحرك فيه صورة بغداد فان الذي يلي العنوان حتما لا بد ان يتمفصل في النص، وينظويٍ تحت رؤية هذا المـــكان الاثــــير لدى الشاعر، وذلـــك حسب جريـــــفل) العنوان قرين نصه وانـــــه يحيل الى مرجعية النص ويتواشج مــــعه). وهكذا فان ايراد كلمة بغداد في عناوين القصائد ثلاث مرات والتي سنتوقف عند القصائد التي هي كالتالي: قصيدة احبك بغداد)، قصيدة مدينة اسمها بغداد )، وقصيدة بغداد ضيعها البريد) وان هذه الصورة المباشرة تتضح في عناوين هذه القصائد كما انها تتضح وتتحدد بين ثنايا اغلب القصائد الاخرى وتبدو في عناوين فصيدة اوروك) وقصيدة مقهى الشابندر) والمتنبي محترقا ) واضحة وهذا ما يسوغ لنا ما سنذهب إليه من قراءة.ان الشاعر محفوظ داود سلمان) العليم بكل ما يحيط به في تأكيده على مفردة بغداد على ضوء ما هو متشكل في الملفوظ الشعري لديه تاتي حتما من رغبته في تبيان جغرافية شاعريته المنتمية إلى هذا البلد الجميل بغداد ومن خلال انضوائها تحت مسمياتها التي تفصح عنه المحتوى الشعري بعنواناته المتكررة التي حملتها قصائد المجموعة التي كان الشاعر ليس منشغلا بتكرار المفردة التي نهضت عليها عناوينه وهي تنقاد إلى اسم بغداد ومحتواها الدلالي فحسب بل وفي جغرافية تواجدها بين القصائد الاخرى في تلك المجموعة، فهي الاطار والمرجعية والتي تتّضح جليَّةً في جميع المفردات التي تشتمل على التدليل وفي حصيلة لقاء في القواسم المشتركة في ما بين مفرداتها، وأياً كانت دوافع الشاعر فانه حين جعل الركون إلى فاعلية التكرار نهجاً له في العنونة بدى كأنه يحاول التاكيد على دلالات الحب إلى هذه المدينة التي يحمل الشاعر لها بين طيات قصائدة حنيناً وحبا غامرا ولأماكنها وناسها، بغداد التي كتب عنها وتغنى الشعراء الكثير فيها ولكن الامر الذي جعل من هذا العمل عملا متميزا ان الشاعر هنا من الشعراء الذين تحدثوا عن بغداد بمثل هذا الوضوح والتاكيد حتى لتبدو اللوحة باكملها صورة لهذا الوطن، وهذا ما نستدل عليه من العنوان الرئيسي ومن لوحة الغلاف التي تمثل الوطن في رموزه الواضحة، إنَّ قراءة متانية للمجموعة تبين لنا مدى العلاقة الحميمة للذات الشعرية التي جعلت بغداد المكان الفريد والفسحة المميزة بامتدادها kh mahfodh dawodالإنساني التي تحتوي المكان والزمان ، والتي تتبلور المجموعة كلها ضمن هذا المنظور الذي يبرع فيه الشاعر في نقل اضافة الى احاسيس الحب والشوق نقل الصورة المؤلمة التي تحكي ما آل إليه حال هذا البلد، من وضع مؤلم في ظل الحروب والارهاب،وان وجود هذه العلامات المتشكلة داخل النص الشعري يعني ان الشاعر يرغب في منح متلقيه تفسيرا لأسباب التي ادت الى هذه الصورة المأساوية، وان كثرة الإشارات الى هذه الصور عبر المفردات المتناثرة في اغلب القصائد ما هو الا عن إعلان عن تدمير جميع دلالات الامن والسلام التي ينقلها احساس الشاعر بالقلق والغربة والخوف بكل ما ترسله المفردات من معانٍ وما تخلقه من فضاءات التي تحيل كلها على المعطى الخارجي الارهاب)، وهذا ما جعل الشاعر يعيش حالة اغترابية ووحدة ، فهو يعشق بغداد لأنها المكان الذي رافق مسيرة حياته ، ولكن بغداد اليوم أصبحت مصدراً للوحشة والتشظي ، فالشاعر لا يمل من ادانة الارهاب بوصفه اصل المشكلة فالجسور فيها مقطوعة والحواجز مقامة ، وهكذا فهي تشكل مصدراً من مصادر اغترابه والمه وقد نجح الشاعر في توظيف تقنية التيه ليضعنا امام استلابه الذي وقع هو به،وهذه الصورة التي تتكرر في اغلب القصائد جميعها تعرف القاريء بالأرضية التي يسير الشاعر عليها، فالخطاب الشعري هنا يمثل خطاباً يحدد للقاريء مساره من خلال اشتراك القارئ مع الشاعر في الخطوط العريضة ورسم الإحداثيات العامة والخلفية الأساسية للفضاء الشعري الذي ينتقل الشاعر فيه بين الاماكن والشخوص مستيعدا، الذكريات الكامنة في أعماقه لهذه الاماكن التي انابها التدمير جراء الحروب والارهاب بوصفهما الفاعل الحقيقي على ما نراه في قصيدة احبك بغداد):ان الفضاءات ملغومة في المساء- وقد تزرعين القذائف-اعرف انك معروضة في المزاد تباعين اجزاء منثورة في بلاد جزاة انت في السوق ) وفي قصيدة مدينة اسمها بغداد)الحزن في عينيك يزهريا حبيبة والنخل nقد قطعوك على الصحاف ووزعوا دمك الشهي على كؤؤس من حجار) وقصيدة بغداد ضيعها البريد) الدروب اليك قطعها الغزاة فلا رحيل ولا قرار – ما زلت ابحث عنك في حنايا المرايا يازهرة محروقة ومنارة مكسورة ) .
وتاسيسا لما سبق نرى ان هيمنة هذا الوطن على وجدان الشاعر وذاكرته ياتي حتما وفق مقاصد الشاعر و يلقي الضوء على الذات الشعرية التي تعد ألاماكن والشخوص التي يجري ذكرها هذه هي ابرز المفتاح الذي يستطيع القارئ فيها النفاذ إلى وجدان الذات الشعرية ويلخص مسيرته التي تعتمد كما هو واضح في قلقه وحيرته ، ويتخذ من الصور وسيلة للتعبير عما يعتلج في قلبه من مشاعر وهذا ما نراه في اعترافه في هذا الحب منذ العنوان قصيدة احبك بغداد) احبك بغداد اعرف ان الطريق /ل باب المعظم مقطوعة والجسور -فهل جعفر ما يزال على الجسر/هل ساحة الشهداء -تمر البساطيل فيها عيون المها -وهل ثم سوق تبيع القصائد في شارع الخلفاء-وجيكور هل غادرت شارع النهر-احبك بغداد اعرف انك لا -تسمعين الكلام /وكلكامش غاب يبحث عن عشبة-سرقتها الافاعي بليل القتام -ودلمون قد رحلت في البحار/واروك غابت وراء الصحارى -وتموز قد جرح الخصب اعراقه -احبك بغداد هل كهرمانة لما تزال -تسكب الماء فوق الجرار -وهل لا يزال الرصافي مغتربا -فوق لائحة الانتظار/احذية الجند ، والعابرون -بمقهى الزهاوي) لقد عكس الشاعر على نحوٍ صادق بما تتصف به البلد من تيهة وضياع الذي انتهى إلى تتيه هو ذاته ،وهذا من اعترافه في قصيدة مدينة اسمها بغداد)؛ حيران بين الكرخ او باب /المعظم سائرا في نومه/حيران بين الشيخ معروف وباب الشيخ. وفي قصيدة مدينة اسمها بغداد) نرى ان تكرار كل مفردة فيها يقدم تصعيداً دلالياً مهما وليس إقحاماً على سبيل الإيضاح العابر وإنما حضوراً اساسي عبر الزمان والمكان في ساحة الشهداء عاد/الشعر يقطر من نجيع /ومن المحارق جعفر /قد كان يبحث عن ربيع/حيران بين الكرخ او باب المعظم سائرا في نومه/هل ثم من حان تبيع الحلم؟/او نغم شريد من مقهى حزن عجمي سالتك ان تجيء/نطل عبر زجاجها البالي/ونبصر عابرين الى الرشيد/حيران بين الشيخ معروف/وباب الشيخ/حيران بين الكرخ او باب المعظم) وان بغداد الرمز البالغ الخصوصية والتميز والتي غدت تعكس تشظي الحياة وتمزقها نراه ايضا في قصيدة بغداد ضيعها البريد) التي توضح بذات المفردات والصور تشتت الشاعر من خلال أزمنة سقوط وتشتت البلد وهذه الصيغة صيغة التيه والتشظي والحزن نراها لصيقة في اغلب القصائد قياثر القصب الجميل تئن في اوروك/تنشج والجرار ومتى سنبصر فيك الهة على الاسوار /تبحث عن خلود/ومتى سينزف جرح تموز وتزدهر /السنابل والورود/مازلت ابحث عنك في حنايا المرايا/مثل كاس ارهقت فوق الحجر/وسالت في مقهى حسن عجمي لعل بقية /من الف ليلة ما تزال/في شارع الخلفاء هل تاتين في/قفص الجرائد كطائر ما زال يبحث عن سماء). وتلخيصا لما سبق يتبين للقارئ من خلال القراءة السريعة ان المتتبع يلاحظ بوضوح الفارق بين الاطارين التي يضعنا الشاعر في صورة ازمته لنصل من خلال المقارنة بين الاطارين إن القصائد الثلاث لا تختلف عن بعضها من خلال طرح انكسارات الشاعر ومن خلال إيقاع شعري واحد، ومن تجارب لشاعر عاش التجربة في المناخ ذاته، وقد اعتمد الشاعر على الاعتناء بالمفردات حتى تضافرت جميعها في انتاج الدلالة وإذا استرجعنا هذه الصلة وجدناها تتراوح ويتم تقديمها ضمن اطارين:
الأول: صلة الحب والعشق لبغداد بوصفها المركز و العنصر المشع للدلالة ورغبة الشاعر في الحفاظ على هذه الصلة من خلال تكرار الاماكن والشخوص على طول القصائد.
المحور الثاني: يشكل هذا المحور نقداً، وجانباً سلبياً للمحور الأول التي تنقل إلينا تجربته الشعرية وأسلوبه الذي الذي يتشابه في الموضوع والفكرة والصورة والتي تخضع للمعيار الفني ذاته من خلال تكرار البؤرة التي ينبثق منها اختلاف المعنى التي تحيل إلى نتيجة مفادها ان جميع التراكيب والبنى والصور يجمعها ميراث الحرب والارهاب الذي يعد الجذر المشترك لكل دال يحيل على الدمار، بوصفها الاساس في تحطيم االاستقرار وتقويضه وتحويل كل شيء إلى سلبي ويبين المحورين معا تقع الموازنة بين الحب والألم ، اذن قارئ مجموعة اللوحة باكملها يكون داخل حركة تتجاذبها طرفان: من جانب الذكريات الجميلة لبغداد ومن جانب آخراخر الصورة الأليمة للهوة والشرخ الذي وقعت به بحضور الحروب والارهـــاب.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.