رمزي العبيدي: مع الأستاذة “حياة الياقوت” في كتابها “من ذا الذي قدد البيان”

*كاتب عراقي مقيم في دمشق

        في البداية لا بُدَّ من الإشادة بالمجهود الذي بذلته الأستاذة الكاتبة والأديبة الكويتية حياة الياقوت في إعداد كتابها ( مَن ذا الذي قدَّد البيان ؟ ـ أخطاء وخطايا لغوية مصوَّرة ) ، وقد اطلعْتُ عليه من خلال الموقع الالكتروني الذي ترأس تحريره هي نفسها ، وهو موقع ( دار ناشري للنشر الالكتروني ) ، وقد عرفْتُ من النسخة الالكترونية التي بينَ يدي والمنشورة على الموقع ذاك في نيسان من العام 2009م ، أنَّ هذا الكتاب مطبوع طباعة ورقية بدولة الكويت في تموز من العام 2006م ، دون الإشارة إلى الجهة أو دار النشر التي طبعته ، وقد تكون الأستاذة حياة طبعته على نفقتها الخاصة مشكورة ، وهذا ديدَنُ الأدباء والمثقفينَ في هذه الأيَّام .

        قسَّمَتْ الأستاذة حياة كتابها إلى ثلاثة فصول بعد المقدَّمة التي عبَّرَتْ فيها أو شرحَتْ نواياها ومقاصدها أو دوافعها التي دفعتها لإعداد هذا الكتاب ، وأكَّدَتْ أنَّ الأمر أكبر من سعيها لانتقاد مَن شملهم نقدها أو تعرَّضتْ لهم في كتابتها ، وبدأتْ مقـدِّمـتها التي عنونتها : ( ثمَّة رسالة ) بالعبارة التالية : (( خذوا حذركم وانفروا!  ، فثمة فتاة مزعِجة تجوب البلد لتلتقط أخطاءنا اللغوية )) ، والحقيقة أنَّها ليسَتْ مزعِجة ، لكنَّها مزعَجة ومنزعِجة من هذا اللحن والخطأ الذي سجلته ورصدته بكامرتها الفوتوغرافية ، وقد بيَّنَتْ ذلك في تلك المقدِّمة ، فهي منزعِجة من هذا القذى اللغوي الذي يهاجم أعيننا ليلَ نهار دون رقيب ـ على حد تعبيرها ـ وقد حاولَتْ أنْ تكونَ هي هذا الرقيب ! ، ولا ضير في ذلك ، لكن كان عليها أنْ تكونَ أكثر دقةً وتمحيصًا وبحثًا وهي تكتب في هذا الموضوع الخطير ، فقد تصَّدَتْ له من باب حرصها وغيرتها على لغة الضاد ، لكنَّها وقعَتْ في زلات وأخطاء جديدة أخرى أثناء محاولتها تصحيح الأخطاء المرصودة ، وسأبيِّن ذلك فيما بعد ؛ وقد حاولَتْ الأستاذة الياقوت في مقدِّمتها الاستظراف والتلطف مع مَن نقدَتْ إعلاناتهم التي صوَّرتها بنفسها ، وطلبَتْ منهم أنْ ينظروا إلى الأمر من زاوية مختلفة ، ونوَّهَتْ لهم أنَّها تقدِّم إعلانًا مجانيًا لمنتجاتهم ، وقالت أنَّها لو لم تكنْ تستعمل أو تهتم بهذه المنتجات والأماكن الواردة في كتابها ، لما وقعَتْ تحت طائلة عدستها .

        قلتُ : تضمَّن الكتاب ثلاثة فصول ، الأوَّل : ( مختار الأخطاء ) ، والثاني : ( أخطاء إملائية ) ، والثالث : ( الترقيم والتقسيم ) ؛ وقد تذكرْتُ أثناء قراءتي لهذه الفصول تجربة الراحل الخالد العلامة الدكتور مصطفى جواد في ( قل ولا تقل ) ، ذلك البرنامج الإذاعي الذي لم أدركه في ستينيات القرن الفائت على إذاعة بغداد ، فلم أكن قد جئْتُ إلى هذه الدنيا ، وقد طُبِعَ في بغداد كتابٌ بنفس العنوان ( قل ولا تقل ) بجزأينِ ، وفي العام 1988م ، أي بعد رحيل مؤلفه بثمانية عشر عامًا ، تضمَّنَ معظم ما تناوله الدكتور مصطفى جواد في برنامجه ، وقد أعادَتْ دار المدى بدمشق ـ لصاحبها فخري كريم ـ طبعه بجزأيه في العام 2001م ، ضمن سلسلة الكتاب للجميع ( 17 ـ 18 ) ؛ وربَّما كانتْ لهذا الكتاب طبعة أولى في حياة مؤلِّفه ؛ ومن هنا تكون الريادة ويكون السبق في هذا المجال للدكتور مصطفى جواد ، والتكملة والإضافة للأستاذة الياقوت التي لا أستطيع أنْ أبخسَ أو لا يستطيع أحدٌ يبخس مجهودها ومثابرتها ونشاطها وهمَّتها في إعداد كتابها هذا ، وقد زادَتْ على ما جاء به العلامة مصطفى جواد أنَّها استخدَمَتْ الكاميرا الفوتوغرافية في تصوير الأخطاء اللغوية في دولتها الكويتْ ، إلا إنَّ ما جاء به العلامة مصطفى جواد أكثر وأدق وأغنى ، وهذا الموضوع لا يمكن إنكاره أو جحده ، فالجديد الذي جاءَتْ به الأستاذة الياقوت قد بيَّنتهُ في فيما تقدَّم ، ولم أستطع أنْ أجد ولم يستطع غيري أنْ يجد في ما كتب الدكتور مصطفى جواد زلةً أو خطأ أو نقصًا أو عيبًا لغويًا أو نحويًا ، وقد استطعْتُ ذلك عند قراءتي لما كتبَتْ الأستاذة حياة .

        وقسمًا : إنَّني لم أرد بمقالتي هذه التقليل من شأن الأستاذة حياة الياقوت ، ولم أرد بنقدي هذا لكتابها نسف جهدها أو التعريض به ، بل العكس عنيْتُ وأردْتُ ، فنيَّتي كَنِيَّتها التي ذكرتها في مقدِّمتها ، ولا داعي هنا للتكرار والشرح الطويل ، فالأمر أكبر من السعي لانتقادها أو النيل منها ؛ وقد نبَّه الأستاذ الدكتور نعمة رحيم العزاوي الأستاذ السابق لمادة النحو والعربي بكلية التربية في جامعة بغداد ـ في يومٍ ما ـ إلى أنَّ النحو العربي يجب أنْ يكون في خدمة المجتمع والناس ، لا أنْ يبقى محفوظًا في صفحات الكتب التي تحتويه ، فيجب في رأيه أنْ يقوم المختصونَ به بتوعية الجمهور وإطلاعه على قواعده الصحيحة ، والابتعاد عن الشاذ والغريب والحوشي في الصيغ والتراكيب اللغوية المستخدمة في حياة الناس .

وقد سجَّلتُ أثناء قراءتي لكتاب : ( مَن ذا الذي قدَّد البيان ؟ ـ أخطاء وخطايا لغوية مصوَّرة ) ، الملاحظات التالية :

الفصل الأول

( مختار الأخطاء )

1. جاء في عنوان الكتاب العبارة التالية : ( أخطاء وخطايا لغوية ) ، ويأتي اعتراضي هنا على استخدامها لكلمة ( خطايا ) ، فهي جمع ( الخطيئة ) أو ( الخطيَّة ) ، وهي الذنب ، وقيل المتعمَّد منه ؛ وقد ذكرتْ الأستاذة حياة في مقدِّمتها أنَّ الأخطاء المرصودة هي أخطاء نأتيها سهوًا بدون قصد ، والخطايا نجترحها مع سبق الجهل وغياب المبالاة ، والجهل وغياب المبالاة هنا لا يشترطان فيهما التعمُّد ، ومن هنا لا يصحُّ استخدام مفردة ( خطـايا ) في العنوان .

2. جاء في الإهداء ما يلي : (( إلى سيّد ولد آدم ، إلى أفصح العرب ، رسولنا محمد عليه صلوات ربي وسلامه )) ، وليس عندي اعتراض على تعبير ( سيِّد ولد آدم ) ، فقد قرأتُ ما يشبهه في رسالة أبي جعفر المنصور إلى النفس الزكية[1] ، وقد جاء في تلك الرسالة تعبير للمنصور عن النبي محمد هو : ( خير ولد آدم ) ؛ لكنَّ اعتراضي على كونه أفصح العرب ، وليس الغرض من اعتراضي المسَّ بشخصه ، لكنَّ النحاة استشهدوا بالقرآن ولم يستشهدوا بحديثه ، لا لعيبٍ فيه ، بل لأنَّهم وجدوا الكثير من الأحاديث موضوعة على لسانه ، وفي بعضها كثير من الأغاليط والزلات ، لذا ابتعدوا عن الاستشهاد بها ، ولم يدِّعِ هو نفسه أنَّه أفصح العرب .

3. وردَتْ في المقدِّمة ( ثمَّة رسالة ) عبارة : (( ظاهرة فاشية وفاشيِّة )) ، العبارة مكتوبة بالنص نقلا عن الكتاب ، وهنا أقول : إنَّ ( فاشية ) هي جمع فواشٍ ، والفواشي : ما انتشر من المواشي ، فكان الأولى بالأستاذة حياة أنْ تقول : ( منتشرة ) لا ( فاشية ) ؛ وأقول عن : ( فاشيِّة ) إنْ تقصد نسبتها إلى ( الفاشيَّة ) الإيطالية ، فيجب أنْ تكون الفتحة فوق الشدَّة وليس تحتها كما وردَتْ فيما نقلته نصًا عن الكتاب ، فتُكتَبُ كما يلي : ( فاشيَّة ) .

4. ذكرَتْ في المقدِّمة أيضًا عبارة : (( أنا هنا أقدّم إعلانا ًمجانيًا لمنتجاتكم )) ، وأودُّ التوضيح أنَّه لا يوجد في الدنيا شيءٌ اسمه ( إعلان مجاني ) ، وإنْ كان ما تقدِّمه الأستاذة حياة لهم مجانيًا فهو ليس إعلانًا ، وإنَّما دعاية ، وهذا هو الفرق بين الدعاية والإعلان ؛ ولا حاجة لقولك : (( مجانية )) بعد الدعاية ، فالدعاية مجانية حتمًا ، ويرد خطأ شائع على شاشات بعض الفضائيات العربية عندما يكتبونَ : (( إعـلان مدفوع الثمن )) ، ولا داعي لـ (( مدفوع الثمن )) هذه ، فالإعلان مدفوع الثمن حتمًا .

5. في الصفحة (16) ، وتحت عنوان : ( انتبه ! فهناك من يشوي جينزك ) ، كتبَتْ العبارة التالية : (( لم يخبرنا أصحاب الإعلان إذا ما كان الجينز الذي قاموا بشيِّه قميص جينز أم تنورة أم غير ذينك ! )) ، ليس عند اعتراض على التصويب الذي صوَّبته الأستاذة ، لكنَّ اعتراضي يأتي على طريقة كتابة العبارة المنقولة ، فكان يجب عليها أنْ تكتبها كما يلي : (( لم يخبرنا أصحاب هذا الإعلان إذا ما كان ( الجينز ) الذي قاموا بشيِّه قميص أم تنورة أم غير ذينك ! )) ، فلا داعي لتكرار كلمة ( جينز ) الأعجمية ، وكان يجب عليها وضع الأولى بين قوسينِ ، وإضافة هذا قبل الإعلان لتجميل العبارة .

6. في الصفحة (20) ، وتحت عنوان ( يا للكرم ) ، وفي تصويبها لعبارة : (( دوف كريم مركز )) ، وجعلها : (( كريم ” دوف ” المركز )) ، مراعاة لاختلاف التراكيب بين اللغتينِ : العربية والأجنبية ، والابتعاد عن الحرفية في الترجمة ، وهذا كلُّه صحيح ؛ ولكن يمكن جعل الترجمة الحرفية صحيحة إذا وضعنا أقواسًا نحيط بها كلمة ( دوف ) ، وكما يلي : (( ” دوف ” كريم مركز )) ؛ ويصحُّ ذلك على ما ورد في الصفحة ( 19 ) ، وتحت عنوان ( المثلجات المقلوبة ) ، فيمكن أنْ نقول : (( ” نعناع ” آيس كريم )) ، كذلك يصح قولنا : (( ” فطر ” شرائح )) وهو ما جاء في الصفحة ( 21 ) وتحت عنوان ( انفطار الأساليب ) ؛  وبذا تصحُّ الترجمة الحرفية لذلك كلِّه .

7. جاء في الصفحة (27) ، وتحت عنوان ( مجزرة حروف الجر ) ، ما نصُّه : (( الخطأ:  يعتذر عن المحاضرة . الصواب:  يعتذر عن عدم تقديمه المحاضرة ، ” يعتذر عن المحاضرة ” تعطي انطباعًا بأنَّ الأستاذ يعتذر بالنيابة عن المحاضرة ! ، في حين أنَّه يعتذر عن عدم تقديمه المحاضرة )) ، وجاء في الصورة المرافقة لهذا في نفس الصفحة ما نصُّه : (( يعتذر الدكتور ……. عن محاضرة الساعة 12 لمدَّة يوم )) .

        وفي هذا أقول : إنَّ العبارة (( يعتذر عن المحاضرة )) صحيحة لا لبس فيها ، ولا داعي لما ذهبَتْ له الأستاذة حياة من تفسير وتأويل ، لسببينِ ، أولهما : أنَّ اللغة العربية تميل إلى الإيجاز والاختصار ، ولا تميل إلى الإطناب والإطالة ، فنحنُ نقول : (( نعتذر عن القدوم إلى الحفلة )) ، ولا داعي لقولنا : (( نعتذر عن القيام أو قيامنا بالقدوم إلى الحفلة )) ، وثانيهما : إنَّ : ( محاضرة ) أو ( المحاضرة ) هي اسم لغير العاقل ، فلا لبس حاصل في قولـنـا : (( يعتذر فلان عن المحاضرة ، أو محاضرة الساعة 12 )) ، فالعاقل يتميَّز عن غير العاقل ولا يلتبس معه ، ويلتبس العاقل مع العاقل ، كما في قولنا : (( ضرب موسى عيسى )) ، وقولنا : (( ضرب عيسى موسى )) ، فلا يعرف هنا من الفاعل ومَن المفعول ، وقد ذهب جمهور النحاة إلى أنَّ المتقدِّم هو الفاعل والمتأخر هو المفعول ، هذا مثال على اللبس ، أما في حالتنا هذه فاللبس غير موجود .

8. في الصفحة (30) ، وتحت عنوان ( شيئًا من العطف ! ) ، نلاحظ أنَّها نصبَتْ كلمة ( شيء ) ، ولم أجد تخريجًا لهذا النصب ، لذا كان الأصحَّ أنْ تقول : (( شيءٌ من العطف )) ، فـ ( شيء ) خبر لمبتدأ محذوف جوازًا تقديره ( هذا ) ، ولا يصُحُّ إعراب ( شيئًا ) مفعولا به لفعل محذوف تقديره ( أعطِ ) أو ( أعطني ) ، فلا يجوز هنا حذف الفعل للالتباس في التقدير  ؛ وقد وردَتْ غلطة مطبعية مرَّتينِ في نفس الصفحة ، وذلك عـنـد كتابة كـلـمـة ( نمو ) ، فقد كُتِبَتْ ( منو ) .

9. جاء في الصفحة (36) ، وتحت عنوان الآية (86) من سـورة يوسف ،  العبارة التالية : (( هذا فضلا عن كتابة ” اشتري ” والصحـيح هـو:  ” اشترِ ” ، إذ إنَّه فعل أمر مجزوم بحذف حرف العلَّة )) ، وهذا غير صحيح ، ففعل الأمر لا يجزم ، بل يبنى على ما يجزم به مضارعه ، والفعل هنا مبني على حذف حرف العلة .

10. جاء في الصفحة (39) ، وتحت عنوان ( هذان توأمان يعانيان ) ، وفي تصويب الأستاذة حياة لإعلان ( عربة توأم ) ، ما يلي : (( لا يصِحُ قولنا : ” زيد وعبيد توأم  ” ، والصحيح هو :  ” توأمان ” ، والواحد منهما ” توأم ” )) ؛ وهذا تصويب خاطئ فالتوأم يستخدم  للواحـد والاثنين ، وعلى ذلك فالإعلان صحيح لا خطأ فيه ، والمثال الذي جاءَتْ به ( زيـد وعبيد توأم ) وقالتْ أنَّه خطأ لا يصحُّ ، هو صحيح أيضًا ، والخطأ هنا جاء في تصويبها ، ولا علاقة لكلمة ( توأم ) بكلمة ( زوج ) ، ولا مبرِّر لما ذهبتْ إليه الأستاذة في المقارنة بين الكلمتينِ .

11. جاء في الصفحة (46) ، وتحت عنوان ( جبنٌ في سياحة ) ، ما يلي : (( رغم أنَّ للكلمة العاميَّة ” سائح ” علاقة بالسيولة بشكل أو بآخر ، حيث يقال ماء سائح أي ماء جارٍ ، لكنَّ الصواب قولنا جبن ذائب )) ، إنَّ هذا التصويب صحيح فيما يخصُّ ( الجبن ) ، لكنَّ الخطأ فيه هو اعتبار كلمة ( سائح ) عاميَّةً ، فهي كلمة فصيحة ، ولا غبار على فصاحتها ، وهي تجمع على ( سُيَّاح وسائحونَ ) ، ويقول العامة مخطئينَ ( سُوَّاح ) ، وربَّما أرادَت الأستاذة حياة أنَّها كلمة فصيحة استُخدِمَتْ استخدامًا عاميًا ، لكنَّ المثال الذي ذكرته فصيحٌ أيضًا ، وهو ( ماءٌ سائح ) ، ومن هنا لا أدري كيف اعتبرتها عاميَّةً .

12. جاء في الصفحة (61) وتحت عنوان ( الاسم المغدور ) ، وعنَتْ الكاتبة به الاسم المنقوص ، لأنَّه في رأيها أكثر الأسماء التي يُنتَقَص من حقِّها في الإعلانات ، وفي تصويبها لإعلان ( لوشن مطّري للجسم ) ، العبارة منقولة من الإعلان المنشور في الصفحة نصًا ، قلتُ : جاء في تصويبها ما نصُّه : (( من يقرأ هذه العبارة للوهلة الأولى يُخيَّل له أنّ هذا المنتج معدٌّ من ماء المطر ، وكيف لا ، إذ إنّ ال ” مطريّ ” هو المنسوب إلى المطر ! ، أمَّا إذا كان القصد هو التطرية والتليين ، فالكلمة الصحيحة هي” مُطَرٍ ” )) ، وليلْـحَـظ القـارئ كـلـمة ( مطّري ) هكذا كُتِبَتْ في الإعلان ، ولكنَّ الكاتبة نقلتها ( مطريّ ) في تصويبها ، فالخطأ الأساسي يكمن في وضع ( الشدَّة ) على الطاء أولا ، ثمَّ عدم حذف ياء الاسم المنقوص ثانيًا ، ومن هنا لا يصحُّ تأويل الأستاذة حياة في كون هذا المنتج معدٌّ أو مصنوع من ماء المطر ، فالخطأ أكبر وأعمق ، لكنَّ تصوبيها الأخير حول كون المقصود بالكلمة هو التطرية والتليين وأنَّها يجب أنْ تكتب ( مُطَرٍ ) هو صحيح تمامًا ، لكنَّها لم تنتبه إلى موقع ( الشدَّة ) في الإعلان فذهبتْ إلى هذا التأويل الخاطئ .

13. جاء في الصفحة (62) ، وتحت عنوان ( أبو الصعوبة ) ، ما يلي : (( الخطأ:  خليفة أبو مصعب الزرقاوي  ، الصواب:  خليفة أبي مصعب الزرقاوي  )) ، وهذا تصويب صحيح ودقيق ، وجاء بعد هذا التصويب الدقيق شرح عن الأسماء الخمسة ، وأنا أعرف المختصينَ أو المتصدينَ لتأليف كتابٍ ككتاب الأستاذة الياقوت لا يقفونَ على هذه الأسماء فيسمونها الأسماء الخمسة ، بل يسمونها الأسماء الستة ، معيدينَ لها الاسم السادس الذي اختزله مُيَسِّرو النحو العربي تسهيلاً على الدارسينَ في مراحل ما قبل الجامعة ، وهذه الأسماء هي : ( أبو ، أخو ، حمو ، ذو ، وهنو ) ، وقد ذهب جمهور النحاة إلى أنَّ لغة النقص ( هنُ ) في هذا الأخير هي أحسن وأفضل . وقد وجدْتُ الأستاذة تكرر تعبير ( الأسماء الخمسة ) في مواضع أخرى من كتابها كالصفحة (99) ، ولن أكرر التعليق عليها .

        ويمكن أنْ تكون عبارة المثال صحيحة إذا اعتبرنا ( أبو مصعب الزرقاوي ) تركيبًا مبنيًا على الحكاية ، كتركيب ( سُرَّ مَن رأى ) وهو الاسم القديم لمدينة سامراء العراقية ، ولكن يجب وضع التركيب أو الجملة المبنية على الحكاية بينَ قوسينِ ، كما وضعتها ، فيُقَال : ذهبتُ إلى ( سرَّ مَنْ رأى ) ، وفي عبارة المثال يصحٌّ قولنا بعد وضع التركيب بين قوسين : قالتْ واشنطن إنَّ هوية خليفة ( أبو مصعب الزرقاوي ) زعيم …. .

الفصل الثاني

( أخطاء إملائية )

14. صدقوني … إنَّني قرأتُ كثيرًا في حياتي عن قواعد كتابة الهمزة في كتبٍ مختلفة قديمة وحديثة ، واستطعْتُ أنْ أتعلَّم أو أفقه هذه القواعد وأضبطها وأتمكَّنَ منها في كتاباتي وحياتي ، لكنَّني صدقًا وأمانةً وبعيدًا عن المجاملة أو الإطراء على الأستاذة حياة الياقوت أقول : إنَّني لم أقرأ عن قواعد كتابة الهمزة فصلا كالذي كتبته هذه الكاتبة ، فالقاعدة معروفة يمكن صياغتها بأيِّ أسلوبٍ نقلا عن الكتب ـ مصادر أو مراجع ـ باستخدام التقديم والتأخير في العبارات أو تسلسل القواعد ، وهذا أمر طبيعي ومألوف ، لكن غير المألوف وغير الطبيعي ولنقل الجديد ـ إنصافًا لهذه الكاتبة ـ أنْ يُكتَبَ عن الهمزة بهذا الأسلوب الرشيق العلمي المنطقي باستخدام عباراتٍ ومفرداتٍ وتراكيب لغوية لم أقرأ مثلها قبلا ، ولا أدري ما أقول عنها ، فالمديح قليلٌ بحق الأسلوب ، والثناء قاصر بحق العبارات والمفردات والتراكيب التي استخدمتها الأستاذة في كتابتها عن الهمزة ؛ ولنكن صريحينَ ومنطقيينَ ومنصفينَ عندما نقول : إنَّ قراءة قواعد اللغة ترهق القارئ ـ وخاصةً القارئ العادي غير المختص ـ وتوصله إلى الممل سريعًا ، لكنَّ مَن يقرأ ما كتبَتْ هذه الكاتبة عن الهمزة لا ينال منه الإرهاق ولا يتسرَّب إليه الملل مهما طالَ عليه وقتُ قراءة هذه القواعد ، وحتى لو أعاداها مرَّاتٍ ، فلسْتُ أدري من أين جاءَتْ بكلماتها ، وكيف صاغَتْ أسلوبها ، أنا لا أحسدها بل أغار منها ! ، وليس في الغيرة عيبٌ في رأيي الذي أنا حرٌ فيه .

        وعندي ملاحظتانِ بسيطتانِ على كلِّ ما كتبَتْ ، الأولى : إنَّها اختصرَتْ في كتابتها عن قاعدة التفريق بين همزة الوصل وهمزة القطع ، ولم تذكر في كتابتها إلا طريقة واحدة سهلة وبسيطة ، وكنْتُ أتمنَّى عليها أنْ تفصِّل أكثر بنفس الأسلوب الرشيق الراقي الذي كتبَتْ به ؛ والثانية : هي قلة أمثلتها التي دونتها .

ولا أعتقد أنَّ في هاتينِ الملاحظتينِ عيبًا تُعَابُ به ، فقد غطَّى أسلوبها ورشاقته على كلِّ شيء ، وأسكتَتْ عبارتها الجزلة لساني أو جفَّفتْ قلمي ، وأجبرني كلُّ ذلك على مدحها والثناء عليها .

15. في الصفحة (90) ، وتحت عنوان ( هذا ما جنته ” كراهة التوالي  ” ) ، أقول للكاتبة إنَّ كلَّ ما كتبتِهِ صحيحٌ وعلى عيني ورأسي ، إلا ما كتبْتِ عن ( داوود ) ، وقد كتبتها بواوينِ طبقًا لرأيك واعتقادك ، والصحيح أنَّها تكتب بواوٍ واحدة ( داود ) ، وإليكِ هذه القصة الطريفة عن ( واو داود ) الثانية التي تطالبينَ بها :

جاء أحد النحويينَ إلى أحد الولاة وكان هذا الوالي واسمه ( داود ) يكره هذا النحويَّ ، قلتُ جاء النحوي إلى الوالي داود يطلب عطيةً أو معونةً منه لتعينه على تصريف شؤون حياته وإطعام عياله ، فقال له الوالي لن أعطيك شيئًا ، وسأقطع رأسك إنْ لم تخبرني لماذا تستخدمونَ في أمثلتكم أيُّها النحويونَ جملة ( ضرب زيدٌ عَمْرًا ) ، ولا تكتبونَ أبدًا ( ضرب عمرٌو زيدًا ) ؟ ، ثمَّ قلْ لي ما ذنب هذا المسكين زيد وما جريرته ؟ ، فأطرق النحوي قليلا ، ثمَّ أجاب بذكاء : قد جعلنا زيداً يضرب عمرًا ، لأنَّه سرق واوًا من اسمك .

16. في الصفحة (100) ، وتحت عنوان ( معضلة التنوين ) ، ذكرَتِ الأستاذة حياة الياقوت ملاحظة أو نقلَتْ رأيًا خطيرًا ومهمًا جدًا ، حول موضع التنوين وذكرتْ ما نصُّه : (( الخطأ: وضع تنوين الفتح على الألف المبدلة من تنوين الفتح . الصواب : وضعه على الحرف السابق للألف لأنَّه المعني بالتنوين )) ، وذكرتْ أيضًا في شرحها أنَّ هناك رأيان في هذا الموضوع ، وقد رجَّحتْ هي نفسها أحدهما ، وقدَّمَتْ أدلة على صحَّته ، سأناقشها فيها بعد أنْ أقول لها أنَّه كان عليها تقديم الأدلة صحَّة على الرأي الآخر التي جزمَتْ بخطئه متسرِّعة ، وأنا أرى أنَّ من حقِّها ترجيح أحد الرأيينِ على الآخر ، ولكن ليس من حقِّها الجزم بخطأ الرأي الآخر دون دراسة الأدلة على صحَّته ، لأناقش الأدلة التي قدَّمتها الأستاذة الكاتبة قبل أنْ أقدِّم أدلة صحة الرأي الآخر الذي خطَّأته ، ومناقشتي لأدلَّتها ليسَتْ من باب تفنيدها ، لكنَّها من باب البحث عن الحقيقة ، فهي طلبت من القرَّاء أنْ يراجعوا المصحف بالرسم العثماني ، وهنا أسألها متى وُضِع الرسم العثماني للمصحف ؟ ، ومتى وُضِعَتْ النقاط والحركات على الحروف ؟ ، وكيف قرأ نافع بن عبد الرحمن الكوفي الفعل ( تشابَهُ ) بدلا ( تشابَهَ ) في القراءة المعروفة للآية (70) من سورة البقرة ؟ ، وهنا لابُدَّ أنْ نتعرَّف أولا متى وُضِعَتْ النقاط والحركات على الحروف ؟ ، قبل أنْ نعرف متى وُضِع الرسم العثماني للمصحف ، وهنا أقول : إنَّ الكتابة العربية كانَتْ بدون نقاط وحركات ـ ومنها التنوين ـ إلى زمن خلافة علي بن أبي طالب ، وإنَّ مَن وضع النقاط والحركات على الحروف هو العالم اللغوي أبو الأسود الدؤلي ، بعد أنْ قالت له ابنته قولها له : ( يا أبَتِ ما أجملَ السماءُ ) ، فأجاب : ( النجوم ) ، فقالتْ : ( يا أبتِ ما أردْتُ أنْ أسأل ، ولكن أردْتُ أنْ أتعجَّب ) ، قال الدؤلي لها : ( إذن قولي : ما أجملَ السماءَ ) ، فلمَّا رأى أنَّ اللحنَ قد دخلَ بيته وهو عالم اللغة ، ذهب شاكيًا ذلك إلى علي بن أبي طالب ، فقال له الأخير : ( اذهب اكتب قواعد اللغة ) ، فكتبها على نحو ما أمره علي ، وسُمِّي إلى يومنا الحاضر بـ : ( علم النحو ) ، والمراد به علم بأواخر الكلمة وما يطرأ عليها من إعرابٍ أو بناء ، وعند كتابته لقواعد اللغة وجد أنَّ هناك علمًا آخر هو علم بأبنية الكلمة وما يطرأ عليها ممَّا ليس بإعراب أو بناء ، عُرفَ فيما بعد بـ ( علم الصرف ) أو ( علم التصريف ) عند المحدثينَ وأخصُّ منهم العراقيينَ ، وواجَهَتْ أبا الأسود عند كتابته لهذه القواعد مشكلة هي : إنَّ الحروف العربية كانتْ بدون نقاط وحركاتْ ، ففكَّر كيف يكتبُ القواعد ، لذا قرَّر وضع النقاط والحركات على الحروف ، ومن هنا يتبيَّن لنا كيف قرأ نافع الفعل الماضي ( تشابَهَ ) بصيغة ( تشابَهُ ) ، فلمَّا وجده بدون نقاط وحركات اعتبره فعلا مضارعًا ، حُذفتْ منه تاء المضارعة تخفيفًا فأصله ( تتشابَهُ ) ، وبذا صحَّتْ قراءته ، وصحَّتْ كذلك القراءاتْ القرآنية له ولغيره والمعروفة بـ ( القراءات السبعة ) ، وبعد أنْ وضع أبو الأسود الدؤلي النقاط والحركات على الحروف توقَّفَتِ القراءات السبعة ، وبذا يكون الرسم العثماني للمصحف قد وُضِعَ بعد زمن عثمان بن عفان الذي تمَّ في زمنه الجمع الرابع والأخير للمصحف ، فالمصحف الذي بين أيدينا هو مصحف عثمان ، ولا علاقة للرسم العثماني بعثمان بن عفان ، وليس هناك قاعدة تقول أنَّ الرسم العثماني هو قاعدة للكتابة العربية ، فنحنُ والكاتبة نكتب اسمها هكذا ( حياة ) ، لا كما كُتِبَ في الرســــم العثماني (  حيوة   ) ، فقد خلطَتْ الأستاذة الياقوت بين الأمرينِ ، وقد فهمْتُ أو أدركْتُ هذا الخلط من طريقة عرضها لدليلها ، فهي لم تدرك أنَّ الرسم العثماني قد وُضِع في زمن متأخِّر وهو زمن الدولة العثمانية أو الخلافة العثمانية كما يسمُّونها .

        أمَّا عن وظيفة الألف التي تبدأ في حال الوقف ، حيث لا ننطق التنوين وننطق الألف عوضًا عنه ، كما ذكرتْ الأستاذة حياة وتساءَلَتْ كيف نضع التنوين عليها وهي تحل محلَّه ، كما تساءَلتْ أيضًا عن كيف نضع عليها الحركات وهي حرف ساكن لا يقبل الحركات ؛ وفي هذا أقول : إنَّ هذه الألف يسمونها في الشعر ( ألف الإطلاق ) أي إطلاق التنوين أو ألف التنوين ، ومن هنا جاز وضع التنوين عليها في الشعر والنثر أيضًا .

وليلحظ القارئ أنَّني في مقالتي هذه جاملتُ الأستاذة حياة الياقوت ، فوضعْتُ التنوينَ على كلماتي كما أرادَتْ ، وليس في مجاملتي هذه قصدٌ غير أنْ أشير إلى صحة ما ذهبَتْ إليه من رأيٍ ، لكنَّني أقول لها أنَّ الرأي الآخر صحيح أيضًا ، فضعي التنوين يا عزيزتي أينما تريدين ولا تخافي فالأمر سيان ، لكنَّ المسألة فيها كلامٌ كثير غير ما قدَّما وأشرنا له في مقالتنا هذه ، وأكتفي بهذا القدر حتى لا يتسبَّب الممل إلى القارئ .

17. في الصفحة (102) تذكرني الكاتبة الياقوت بصاحبنا الذي عرَّفَ الماء بعد الجهد بالمـاء ! ، كما تذكرني بقول الشاعر :

كأنَّنا والماءُ مِن حَوْلِنَا        قَوْمٌ جُلُوْسٌ حولهم ماء

………………

        ولا تزعلي عليَّ من هذه الملاطفة ، فلم يرق لي أسلوبك هنا ، ولا طريقة عرضك للموضوع ، ولم توَّفقي بأسلوبك الساخر هذه المرَّة ، فكان مَن كتبَ على صواب وكنْتِ على خطأ .

        أقول ذكرتْ الأستاذة الياقوت في الصفحة (102) ، وتحت عنوان : ( لغة الضاد مع وقف التنفيذ ) ما نصُّه : (( الخطأ : حفظات الأطفال ، الصواب : حفاضات الأطفال )) ، وذكرَتْ أيضًا : (( يُقال حفِضَت الأرض أي يبسَتْ ، ومن هنا اشتقتْ  “حِفَاض”  وجمعها حِفَاضَات.  أمَّا الحفاظات أو الحفاظات ، فتُستخدم في اللهجات العامية الخليجية ، وقد تكون مشتقة من الفعل “حَفِظ”  ، لكنَّ بقية العرب ينطقون الكلمة بالضاد لا بالظاء ، ممَّا يدلُّ أنَّ الأمر ليس إلا خلطًا بين الضاد والظاء وهو أمر شائع بفداحة )) ، ولا أدري من أين جاءَتْ الكاتبة بكلِّ هذا الكلام وكلِّ هذه التأويلات ، ولا أدري من أين أبدأ لأرُدَّ كلَّ ذلك عليها ، لقد وردَتْ كلمة ( حفاظات ) بهذا الشكل في الصورة الفوتوغرافية التي صورتها الكاتبة بدون تحريك ، وتوهمتها الكاتبة نفسها ( حِفاظات ) بكسر الحاء ، ومن هنا بنت تصويبها الخاطئ ، والصحيح هو تحريكها بالشكل التالي ( حَفَّاظات ) بفتح الحاء وتشديد الفاء وهي بذا مشتقة من الفـعـل ( حَفِظ ) ، فحَفِظَ الشيء : منعه من الضياع والتلف ، أو صانه من الابتذال ، وحَفِظَ السرَّ كتمه ، هذا هو الصحيح وليس ما ذهبَتْ إليه الأستاذة حياة من أنَّها مشتقة من الفعل ( حَفِضَ ) ـ الذي لا أصل له في اشتقاقات اللغة كما أعرف ـ على هيئة ( حِفاض ) ، فـ ( حِفاض ) هو : جمع الحَفَض ، وهو جولق فيه متاع القوم أو متاع البيت إذا هُيِّئ للحمل ، و ( الحَفَض ، وحِفاض ) أيضًا مشتقان من الفعل ( حَفَّضَ ) ، وحَفَّضَ الأرضَ يبَّسها ، وعليه لا يصحُّ كذلك مثال الكاتبة التي بدأتْ تعليقها به وهو : ( حفِضَت الأرض أي يبسَتْ ) هكذا كتبَتْ ، والصحيح أنْ تكتب : ( حُـفِّـضَـت الأرض أي يُبِّسَتْ ) ، وهنا لا بُدَّ لي أنْ أطلب من الكاتبة التأنِّي والتدقيق والتمحيص في المستقبل قبل التسرُّع في إطلاق الأحكام .

        وقد وردَتْ غلطة طباعيَّة أو مطبعيَّة في الصفحة ذاتها فقد كُتِبَتْ كلمة ( يدّل ) بهذا الشكل ، وقد صوبتها عند نقلي للنص .

18. في الصفحة (103) رأتِ الأستاذة الياقوت أنَّ الحلَّ للتفريق بين الضاد والظاء هو عند الحريري ، عندما نقلتْ عنه المقامة الحلبية التي نظمها والتي جاء في جزء منها جمع الكلمات التي تحتوي على حرف الظاء ، وبالتالي ما عداها يكون بالضاد ، وطعنَتْ هي نفسها بهذا الحل الذي وجدته ، عندما ذكرَتْ أنُّه لم يذكر كلَّ اشتقاق الكلمات التي أوردها ، وذكرَتْ مثالا واحدًا هو ( حُفَّاظ ) ، وقالتْ أنَّه يمكن أنْ نشتقَّ منها كلمات أخرى مثل : حافظ ، استحفظ حفيظ وغيرها ؛ ولم اسمع في حياتي وأكيد أنَّه لن أسمع في المستقبل أنَّ عالمًا لغويًا من الكوفيينَ أو البصريينَ أهلي علوم اللغة من الأقدمينَ ، قد بنى اشتقاقاته من صيغة المبالغة من مثل ( حُفَّاظ ) ، فالكوفيونَ يروْنَ أنَّ الفعل هو الأصل وعندهم أدلة على ذلك ، والبصريونَ يروْنَ أنَّ المصدر هو الأصل وعندهم أدلة على ذلك ؛ ومن الفعل على رأي الكوفيينَ ومن المصدر على رأي البصريينَ ، يتمُّ الاشتقاق ؛ ولم أسمع بذلك من المحدثينَ أيضًا ؛ وناقَضَتِ الكاتبة نفسها مرَّة أخرى عندما ذكرَتْ أنَّ هناك كلمات تكتب بالضاد والظاء بحسب المعنى المُراد من كلِّ منها ، وذكرَتْ أمثلة عنها أو عليها .

        وهنا أقول أنا : إنَّ الحريري عنده أو كان عنده بعض الحلِّ لا كلّّّّّه ، والحلُّ كلُّ الحلِّ عند أبي القاسم سعد بن علي الزجاج ت (471) هـ ، في كتابيه : ( الفرق بين الضـاد والظاء ) و ( معرفة ما يكتب بين الضاد والظاء ) ، والمطبوعان بمطبعة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ـ بغداد 1983م ، بتحقيق أستاذي الراحل العظيم الأستاذ الدكتور موسى بناي علوان العليلي رحمه وطيَّب ثراه .

19. في الصفحة (106) ، وتحت عنوان ( قس وقص ) ، خطَّأَتِ الأستاذة الياقوت قول البعض ( قصطرة ) ورأتْ أنَّ الصحيح هو ( قسطرة ) ، بغض النظر عن كون الكلمة من أصل أجنبي ! ـ على حد تعبيرها ، وهنا أقول : إنَّني أعرف أنَّ هناك مَن يترجم هذه الكلمة حرفيًا من أصولها الأمريكية بـ ( قثطرة ) ، وحتى لا ندخل في إشكال أو جدل يمكن اعتبار ( قصطرة ، وقسطرة ، وقثطرة ) صحيحة لأنَّ الكلمة من أصل أجنبي ، ولا علاقة للأمثلة التي ذكرتها الكاتبة عن نطق السين صادًا في موضوع هذه الكلمة .

20. في الصفحات ( 111 , و 112 ، و 113 ) ، وتحت عنوان ( ما كلُّ ما يكتبه المرء ينطقه ) ، ذكرَتْ الأستاذة الياقوت قواعد لغوية كلّها صحيحة ، وليس عندي اعتراض على ما كتبتْ أو نقلتْ من هذه القواعد ، ولكنَّني اعترض على اجتهادها ودعوتها للثورة على هـذه القواعد ، فأنا أرى أنَّ ذلك ليس من حقِّها لأسباب كثيرة ، أبرزها تميُّز لغتنا بهذه القواعد عن اللغات الأخرى ، وقد أبقى علماء النحو الأقدمونَ والمحدثونَ على هذه القواعد بعد وضع النقاط والحركات على الحروف حفاظًا على إرث اللغة وتمييزًا لها عن اللغات الأخرى ، فلا مبرِّر ولا داعٍ لهذه الثورة المزعومة التي تدعو لها الكاتبة ، ولسُتُ أنا مسؤولا وليسَتْ هي مسؤولة عمَّن يخطأ أو يخلط أو يحرِّف هذه القواعد ، لكنَّ مسؤوليتينا تنحصر في التصويب والتنبيه ، لا بالثورة على القواعد كما زعَمَتِ الكاتبة ، والتي ذكرَتْ في بداية تعليقها في صفحة (111) مــا يلي : (( كثيرًا ما نتفاخر بأنَّنا نكتب كما ننطق )) ، وهنا أسألها : مَن هذا الذي يتفاخر ؟ ، أو بمعنىً أصح أو أدق مَن هؤلاء الذينَ يتفاخرونَ ؟ ، فأنا وعن نفسي فقط لم أتفاخر بذلك يومًا ، ويأتي اعتراضي هنا على إطلاق العموميات بدون دراية وتدقيق ، أمَّا موضوع ( داوود وطاووس ) الذي ورد في الصفحة (113) فالصحيح ما ذكرنا سابقًا : ( داود ، وطاووس ) .

21. في الصفحة (114) وتحت عنوان : ( بين بين ) وردَتْ غلطة مطبعية وهي : ( وليس الإمراة ) ، والصواب : ( وليس الإمرأة ) ؛ وكان الأفضل أنْ تضيف الكاتبة عبارة ( ثانيهما مشدَّدة ) بعد قولها : (( نكتفي بلامينِ )) ، وأقول كان الأفضل لأنَّها وضعَتِ الشدَّة على كلمة المثال التي أوردته وهو ( للّيل ) .

الفصل الثالث

الترقيم والقسيم

22. سيدتي الكريمة لأناقش معك أولا مقدِّمة هذا الفصل الثالث المعنونة ( حتى لا يصير التقسيم ترقيمًا ) في الصفحتينِ ( 118 , و 119 ) ، فقد رأيْتُ فيها بعض المغالطات ، وأقول المغالطات لأنَّني لا أدري أتفقهينَ هنا ما كتبْتِ أم لا ، وأنا افترضك تفقهينَ ، لكنَّك وقعتِ في الزلل والخطأ ، وسأبيِّن لك ذلك ، فاصبري عليَّ ولا تتعجَّلي ؛ فأنتِ تريْنَ أولا أنَّ هناك كثيرًا من الجرائم الترقيمية تقترف كلَّ دقيقة في الكتابة الإلكترونية ، وتريْنَ أنَّ علامات الترقيم موجودة في القرآن بشكل مختلف ، وترفضينَ الحجَّة بأنَّ علامات الترقيم الحالية قد أخذناها من الأوربيينَ ، وتقولينَ عن الحكمة أنَّها ضالة المؤمن ، هذه هي حججك أليس كذلك ؟ ، هنا أسألك ما علاقة هذا كلّه بالمثالينِ أو الجملتينِ اللتانِ استشهدْتِ بهما وطلبْتِ من القرَّاء تأملهما ، وهما كما كتبتهما بدون حركات :  ( ما ارخص الأسعار لديكم ! ) , و ( ما أرخص الأسعار لديكم ؟ ) ، وقد افترَضتِ غياب التشكيل ، ولا أدري لماذا غاب ، فبوجود التشكيل الذي يجب أنْ لا يغيب تنتفي الحاجة لعلامات الترقيم المأخوذة من الأوربيينَ ! ، فتكون حركة الفعل ( أرخص ) بالفتحة في الجملة الأولى جملة التعجُّب ، وتكون بالضمة في الجملة الثانية جملة الاستفهام ؛ وإذا كانتْ علامات الترقيم موجودة في القرآن بشكل مختلف كما تقولينَ ـ وهو صحيح ـ لماذا تقحمين القرآن في الموضوع ؟ ، وما علاقة الحكمة التي هي ضالة المؤمن المزعوم بالموضوع أيضًا ، لم أفهم النية والقصد من هذا التعبير ؛ أمَّا الحجَّة التي ترفضينها فهي حجتي وحجَّة غيري من غير المؤمنينَ ، لذا أقول أنْ لا قاعدة ثابتة أو متفق عليها في علامات الترقيم فكلُّها اجتهادات وآراء .

        ورأيتُ مصيبةً في أمثلتك التالية : ( ذهب رغم أني قلت له ألاّ يفعل . ) ، ( ذهب رغم أني قلت له ألاّ يفعل ؟ ) ، ( ذهب رغم أني قلت له ألاّ يفعل ؟! ) ، وتعجَّبْتُ من افتراضاتك وتحليلاتك ، وهنا لا يمكن التمييز من التشكيل معك حق ، لكن يمكن التمييز من الصوت كما ذكرْتِ ، ولنترك موضوع الصوت ، ففي الجملة الأولى التي قلتِ عنها أنَّها ( جملة إخبارية ) ، فالتعبير الصحيح الذي أعرفه في علم ( البيان ) أحد علوم البلاغة العربية ، هو : ( جملة خبرية ) لا ( إخبارية ) ، والفرق كبير لأنَّ المصطلح العلمي هو : ( جملة خبرية ) ، فلم أقرأ عند أحد البلغاء قبلا مصطلح ( إخبارية ) ، لكنِّني قرأته عندَكِ وحدَكِ ! ، أمَّا مثاليكِ الثاني والثالث فهما بعيدان عن الصواب ، فلا يجوز حذف همزة الاستفهام فيهما ، فهمزة الاستفهام يجوز حذفها من الكلام تخفيفًا بشرط وجود حرف العطف ( أم ) المعادلة معها ، وفي غير ذلك لا يجوز حذفها مطلقًا ، وهنا أسألك أينَ ذهبْتِ بها ؟ ، وبذا لا يَصُحُّ اعتبار الجملتينِِ الثانية والثالثة استفهاميتان ، وقد أتيْتِ هنا أيضًا بمصطلح جديد وغريبٍ عليَّ لا أعرفه هو ( استفسارية ) ، وكذا أقول مثلما قلتُ سابقاً : إنَّ المصطلح العلمي الذي أعرفه وأحيط به من علم ( البيان ) ، هو : ( جملة استفهامية ) ، كذلك لم أفهم قولك عن المثال الثالث : (( جملة استفسارية استنكارية )) ، فموضوع ( استفسارية ) قد بينته لك ، أمَّا ( استنكارية ) فهذا لا أعرفه ولم أسمع به إلا منكِ وحدكِ أيضًا ، لكنَّني أعرف أنَّ الاستفهام نوعان : حقيقي ، ومجازي ؛ وللأخير أغراضه ومقاصده أو أنواعه ، ومنها استفهام مجازيٌّ غرضه ( الإنكار ) ، لا ( الاستنكار ) هذا المصلح الجديد والغير العلمي الذي لا أدري من أينَ جئتِ به ؛ وقد قدَّمْتُ لكِ فيما قدَّمْتُ المصطلحات العلمية كما تعلمتها من أستاذي طيِّب الذكر الدكتور فائز طه عمر ، فحذارِ حذارِ ثمَّ حذارِ يا عزيزتي من مصطلحات البلاغة العربية ، فأنتِ هنا مَن قدَّد البيان .

        وبناءً على ما تقدَّم لن أناقش مع الأستاذة الفاضلة حياة الياقوت القواعد التي ذكرتها عن علامات الترقيم ، لأنَّني اعتقد كما قدَّمْتُ سابقًا أنْ لا قاعدة ثابتة أو متفق عليها في علامات الترقيم فكلُّها اجتهادات وآراء  ، وأنَّني ككاتب لا ألتزم بأكثرها وأنا حرٌ وليس لأحد عندي شيء ، فلي رأيي وقناعاتي .

خاتمة

        لم أعتد في كتاباتي السابقة ومقالاتي أنْ أكتب كلمة ( خاتمة ) في آخرها ، ولكنَّني اليوم أكتبها لما تقتضيها من ضرورة .

        إنَّ تصويبات الأستاذة حياة الياقوت في كتابها ( مَن ذا الذي قدَّد البيان ؟ ـ أخطاء وخطايا لغوية مصوَّرة ) ، والتي لم أعلِّق عليها أو أشر إليها هي صحيحة تمامًا ، وما ملاحظاتي التي دونتها إلا عن صفحات معدودة من هذا الكتاب القيِّم الممتاز ، والذي أشكر للكاتبة جهدها ومثابرتها فيه ، وأرجو منها وأتمنَّى عليها أنْ تأخذ تعليقاتي وتصويباتي مأخذ الجد والاهتمام  في طبعتها الثانية أو الثالثة لهذا الكتاب ، وتصوِّبَ أيضًا ما فاتني وغفلتُ عنه ، فأنا لسْتُ إلاهًا ، أنا أخطأ وأصيب ، وأنسى وأسهو ، وأغفل وأتغافل ، لكنَّني لا أجامل ولا أتملَّق ، وأسمِّي الأشياء بمسمَّياتها ، فهذا طبعي وهذا ديدني .

        عذرًا على الإطناب والإطالة ، لكنَّهما ممَّا يقتضيه أو يتطلَّبه المقام هنا . والسلام ختام .

للتواصل مع الكاتب يرجى الكتابة إلى :

Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com

Ramzee_Alobadi@Hotmail.Com

[1] . النفس الزكية : هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، خرج على المنصور بالمدينة وغلب عليها ، فوجَّه المنصور جيشًا لقتاله بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى ، فكانتْ الغلبة لجيش المنصور ، وقُتِلَ النفس الزكية وحُمِلَ رأسهُ إلى المنصور سنه 145هـ .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *