شوقي كريم حسن : صمت الأكواخ .. وحقيقة الشعر (ملف/50)

shawki karim 3إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
بعد تجربة أخذت استقرارها منذ صدور المجموعة الأولى للشاعر ” عيسى حسن الياسري ” التي تحمل عنوان ” العبور إلى مدن الفرح ” عام 1973 , وامتدت عبر ستة دواوين كان آخرها ” صمت الأكواخ ” لابد وأن يؤشر الشاعر صوره الشعرية بمكونات خاصة , محسوسة ومعقولة ,لكنها ترتكز إلى وعي يحتفظ وبشدة بإرثيته الجمعية , وانفعالاته الذاتية , وتمرده الذي يحاول أن يخلق نسقاً معرفيا ًمايلبث أن ينزل إلى أعماق المجتمع مغذيا ً ديمومة الشعر , وجاعلا ً من التاريخ الخالق الأول للقصيدة .
واليا سري ..الشاعر .. يتلمس في ” صمت الأكواخ ” أرض اللغة تلمسا ً يجعل منها فعلا ًممكنا ً,قادرا ًعلى إظهار ما خفي داخل الصورة الشعرية ذاتها , وتسحب القصيدة ظلالها على الماضي سحبا ًيشبه النفي , ويؤسس زمنا ًمايلبث أن يصبح ماضيا ًهو الآخر , ففي قصيدة ” المحطة الخمسون ” وللعنوان دلالات واضحة تشكل المقاطع الأربعة عشر هاجسا ًما ضويا ًينعكس على روح الحاضر , فهو يذكر ملاعب طفولته الموشاة بالحنين والدموع وبجلال الحلم , لأن الماضي داخل الصورة الشعرية إنما يريد الاستعارة لأنها تحتوي على قدر واسع من الحرية , ولا يمكن أن تنبني الصورة الشعرية لدى الياسري دون ثالوث صار أساسا ًلكل ما أنتج من شعر القرية – الوطن – الماضي – الحنين لشيء ما لا تفصح عنه القصيدة ولا يفصح عنه الشاعر , وهذا الثالوث يؤسس لحلم جعل الشاعر ينتظر خريف كهولته , ولكنه انتظار مصحوب ببعض الابتهاج والإحساس بأن القصيدة ” تصنع أرضا ًلا منفى فيها ” وعالما ً ” مأهولا ًبالحنين إلى المعشوقات .. والخبز .. وأقراط الفضة , ونسيطر فكرة النفي سيطرة روحية يحسها المتلقي وكأنها غيبوبة , أو عشق استوطن الروح ففكك روابطها , ومنح كل ما دياتها المشدودة إلى الواقع حلم تطابق الأفكار وجسدها معنى استلهم بقاءه من الواقع ذاته .aisa alyasiri 6
والحلم داخل القصيدة يرتبط بفكرة المنفى ذاتها ,فهو يتطابق ورؤية الشاعر , ويشكل وجوده الإنساني العام , وفكرة الوجود هنا تأخذ شكلا ًمعرفيا ًوتمتلئ بصفات نادرة لا تستجيب لغير منابعها الأولى , والتي أسهمت في تأسيس العمق الإنساني لدى الشاعر نفسه , الذي ما لبث أن أحس بالتعب وهو ” يجري خلف المياه النظيفة ” وهذا ما يجعله يسعى إلى توكيد الرموز لإيصال المعاني , واستثارة أرثية المتلقي الذي صار يعرف إشارات الياسري ومكوناته الفكرية والفلسفية
إن هذا الماضي إنما يجيء ليجسد فكرة الأمل المستحيل , فالحياة تؤسس لكنها مرفوضة باعتبارها الآخذة الأولى , والدافعة بخطى الشاعر إلى مجاهل مربكة , وتبدو محاولة الاكتشاف قائمة , و كذلك خوفه ليظل ملتزما ًبالأمل ,مفتشا ً بين ” أوراقه الذابلة ..وبقايا العشب اليابس ..وخريف الحقل ..وبراري القلب ” عن سنوات تظل فيها ” النوافذ مشرعة ” , لكن القصية تشعر بالخوف ويشعر الشاعر بالوحشة , ويتوسل الأيام ” لكي لا تتدحرج من قمتها حتى السفح .. حتى لا ينحدر معها ” , لقد بدأ الشاعر ” يتسرب كقطرات ندى ” ولا يسمع غير أغنية غامضة ويظل يتوسل ” لو يهدأ صخب هذا العالم ليصغي لعذوبتها ” .kh aisa 7kh aisa 11
وتبدو الأيام ودودة ما دام الخطاب الشعري مستمرا ً, وثمة من يتلقى ” أنت ِ..وأنا زمنان ودودان” , لأن فيه أماسي تشبه العشب , ولها ” جسد يحمل رائحة الطين ” ولشفتيها طعم يسترجع الشاعر من خلاله حقوله الخضر , وأيامه التي غدت منفى ورحيلاً ,
وصار الحلم يؤلمه لأنه يرحل ” وتظل جدائل شعر حبيبته في فوضى تدين المدينة المحركة الأحداث .
لكن الماضي يظل ملونا ً, براقا ً, وهو الوحيد القادر على إزالة آثار الخيبة والانكسار , الماضي هو المانح الأول للحبيبة التي غدت فعلا ًمستحيلا ً , لأنها شكلت الإرثية ورحلت تاركة الحسرة والألم بينما ظلت الأبواب موصدة ً” سوى باب الحلم ” لأنه المنقذ المانح للحظة الحنين .
إن ّ رموز الطفولة تشكل جزءا ًمن توحد الشاعر , وتفرده , لأنه يواجه هذا الارتباك اليومي بحلم أغناه المناخ العام للقصيدة وتصاعدها النفسي , والتجربة الخالية من لحظات اليأس رغم توسل الشاعر نفسه , وإحساسه بقيمة الضياع , وسؤاله المستمر :
” ماذا لو أكتب شيئا ً فرحا ً ” .

………………………………

جريدة القادسية البغدادية .. ثقافة .. 11-11- 1996

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *