شكيب كاظم : عبدالستار ناصر: طارده الفقر والوسامة والخوف وتمسك بالكتابة والنساء والسفر (ملف/12)

shakeb kadum 2إشارة :
رحل المبدع الكبير “عبد الستار ناصر” في الغربة ودُفن هناك .. ومرّت ذكراه شبه يتيمة بلا ذكرى .. وبلا احتفاء ومراجعة تليق بقامته الإبداعية الشامخة .. أسرة موقع الناقد العراقي تقدّم هذا الملف إحياء لذكرى عبد الستار ناصر واحتفاء بمنجزه الإبداعي الفذّ. وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع . تحية للمبدع الكبير عبد الستار ناصر.

المقالة : 
فِي محاضرته التي ألقاها في أمسية من أماسي اتحاد الادباء سنة 1986، ونشرتها مجلة (الاقلام) في عددها الصادر في كانون الثاني في سنة 1987والموسومة بـ(الدخول في بيت الماضي) وهي موجز لتجربته في الكتابة، تحدث عبدالستار ناصر عن ثلاث صفات كانت تطارده ومنذ طفولته: الفقر، والوسامة، والخوف، كما تحدث عن ثلاث اشياء جعلته يتمسك بالحياة هي: الكتابة، والنساء، والسفر. هذه المحاضرة التي مثلت الاسس في الحياة الابداعية لعبدالستار ناصر والتي سيزيدها توضيحا في كتابه الذي اصدره بعد مغادرته العراق وعنوانه (حياتي في قصصي)، وعنوانه يفصح عما يحتويه الكتاب، يحدثنا عن تجربة الكتابة في العراق والوطن العربي التي تعاني نقصا أو شرخا مريرا، هو نقصان (الحرية)، وإذا حاول الكاتب اختراق هذا النقص فسيجد نفسه قابعا في الغرف الانفرادية وقعر السجون، ويضحك عليه اسافل الناس، لذا فأنّ أدبنا العربي لا يصل الى الناس إلا عن طريق الغربة والهجرة، أو المخاطرة والمغامرة بالنفس امام جبروت الرقابة التي تلبس ثوب المساومة والبيع والشراء، وتلك – لَعَمْري – جرأة ما بعدها جرأة أن يقول عبدالستار ناصر هذا القول سنة 1986 وامام ملأ من الناس، لذا اختار عبدالستار ناصر الهجرة والرحيل في أول فرصة سانحة، يوم كان السفر ممنوعا، ليحط رحاله في الاردن، سنة 1998، البلد الذي رآه وزاره الى جانب الجزائر والكويت والبحرين، ولم يفكر بالرجوع الى هذه البلدان، فقد سحبته وارشو ولوزان ولشبونة، ولم يكن ثمة من احب باريس ولندن مثله، وصار السفر الى مصر شهيقه الذي به يعيش، وذهب اليها عشرين مرة، فضلا على مدريد وبرشلونة وموجات نابولي، وبارات روما وفينيسيا وميلانو التي غرق فيها وايقظه مجانينها، لقد ترك السفر الى هذه الاصقاع أثره الرائع والمدوي في فنه القصصي، ولطالما ساءَلتُ نفسي وأنا اقرأ قصصه: هل كان بإمكان عبدالستار ناصر، ان يقدم لنا كل هذا القص الجميل لو لا السفر؟
لكن ليس السفر وحده، بل الموهبة التي حباه الله بها، هذا الموهوب المشاكس الذي يلعب باللغة،كما يلعب الحواة، يرقصها ويلاعبها ثم يعيدها الى مكمنها، بعد أن يكون قد قدم لنا كل ما يُمتع ويؤنس ويفيد.abdulsattar naser
كثيرون هم الكاتبون، لكن قلّة هم الذين يتمعون ويؤنسون ويفيدون، او كما يقول: ان التجارب لا تشترى ولا تباع، وان افتعال العيش في التجربة – كما فعلت أنا في رومة – قد ينفع القاصرين عن الموهبة، ذلك ان ما يأتي من السفر من تجارب انسانية لابد أن يأتي عفو الخاطر من غير صناعة مُسبقة، ومن غير تخطيط مسبق، تماما مثل اكتشافات الطفل الذي يدهشه كل شيء يراه أول مرة. تجربة عبدالستار ناصر مع الاصدقاء من الكتاب مريرة وقاسية، فهذا الموهوب الذي يحلم الاخرون بالحصول على عشر معشار موهبته وتفوقه وألقه واكتنازه، أوغر عليه صدور الحاسدين والشانئين الذين لا يعملون، والذين يكرهون العاملين المبدعين لسبب واضح وجلي انهم غير موهوبين، واتوا الكتابة من شبابيكها لا أبوابها، لذا كانت شجونه مع الاصدقاء، الناتجة عن شجن الكتابة، لا حدود لها، وقد حذف من مذكراته وذاكرته اسماء ليست قليلة، إذ لا يستحق الغراب الاسود ان يكون بين عصافير حديقته، هذا الامر، شجنه المؤسي مع اصدقائه الذين يقتربون من (بروتس) الذي وجه طعنته الى يوليوس قيصر، سيعود اليه مرة اخرى في كتابه الموسوم بـ(سوق الوراقين – كتابات في القصة القصيرة والرواية والشعر) الصادرة طبعته الاولى سنة 2007، اذ يقول: حين فتحت باب غرفتي قلت لهم: أهلا، لكن الطعنة جاءت من خلفي، ولم أحزن، ولم أرد الطعنة بطعنة، بل كررت أهلا وسهلا، وأبقيت بابي مفتوحا حتى شروق الشمس(…) أما أشنات الثقافة وطحالب الكتابة فهم (حالة) طارئة قد يستفيد منها المبدع في المقارنة بين الباطل والبطل، وبين ملامح المنهار وملامح النهار، ثم انهم لابد منهم في حياتنا، اذ كيف يمكن ان تشير الى الرجل الصحيح، اذا لم يكن مرضى ومعوقون؟kh abdulsattar 3
لكنه يذكر بكل المودة والمحبة صديقه الاديب المغترب فوزي كريم.
واذ كانت تجربة عبدالستار ناصر، قاسية ومؤلمة مع اصدقائه، ولاسيما الكتاب! فقد كانت اقسى مع النقاد، ولعل الذي جلب اليه هذه القسوة، النرجسية المتعالية التي كان عليها، والثقة الزائدة بالنفس وبمواهبها وابداعها، واذا كان هذا مقبولا ، أي قسوه زملائه الكتاب وحسدهم له، بوصفهم اصحاب مهنة واحدة، وإن المعاصرة حجاب، فستكون القسوة أشد وطأة وأمرّ إن صدرت من النقاد، الذين ساروا – كما يقول – مع مقولة: انا مع كل ماهو (ضد)، وضد كل ماهو (مع)، أو مع مقولة من قال: اتفقنا على ان لانتفق! لكن هذا التجاهل النقدي وهذا الحسد، الذي اسميه تجوزا، الحسد الكتابي، كان دافعا له الى مزيد من الابداع والتألق والكتابة، ما احبطته هذه الشتائم العابرة والجاهزة والمدروسة والمنتقاة والمشتراة،لا بل حتى الشتيمة التي يصفها عبدالستار ناصر بـ (الشتيمة المخمرة) أي التي تكتب حتى قبل نشر القصة التي يكتبها! لذا هو يشكر هؤلاء الحاسدين حين قامروا وراهنوا على خسارته وكسر قلمه، فقد دخل السباق – مسلحا بالموهبة والابداع ونظرية قل كلمتك وامش ِ ولا تلتفت الى سخائم نفوسهم واسوداد قلوبهم – دخل السباق ضدهم جميعا وبقي هو، اما النوع الخائب الذي حاول ان يسد الطريق بوجهه، فقد نسيناه وضاعت اسماؤهم من ذاكرتنا وذاكرته، وبقينا نتذكر هذا الذي قدم لنا كل هذا الجمال وهذا الابداع. لقد كانت المرأة حاضرة في كتابات عبدالستار ناصر، هو القائل: انا لا افهم كيف تكون الحياة بلا نساء؟ سواء تلك المستوحاة من البيئة العراقية، وهو ما افاض فيه في مجموعته القصصية وعنوانها (السفر الى الحب) او رسائله التي احتواها كتاباه الموسومان بـ(أوراق امرأة عاشقة) و(أوراق رجل عاشق) التي تحكي عن اسفار ومدن عاش فيها كل واحد منهما المرأة والرجل، أو قصصه التي استوحاها من سياحاته المطولة في دينا الله الواسعة. ومع كل هذا البوح النسائي يعترف بأنه من اكثر الناس خوفا عند الحديث عن النساء! تـُرى لو كان لايخاف الحديث عنهن ماذا سيكتب عنهن؟!kh naser 14
لقد كان عبدالستار ناصر صادقا مع ذاته ونفسه وقرائه، الذي في قلبه يظهر على لسانه، على عكس ذلك الشاعر الذي كان يدعي النفي والغربة، لقد امضى عقودا في البارات واحضان المعشوقات، والسرقات الشعرية، في حين ظل النقد المراوغ يكيل المدح له، لأنه كان يحسبه على جهة ما، هو الذي لا يحسب نفسه الا على نفسه! ألم يقدم تبرأته بين يدي الناقد المصري غالي شكري، خلال مقابلة اجراها معه، ونشرتها مجلة (دراسات عربية) الرائعة سنة 1971 المحتجبة عن الصدور؟!.
في محاضرته التي اشرت اليها في صدر حديثي قال عبدالستار ناصر: اني رجل ما زلت ابحث عن سفر بلا نهايات معقولة، أنا لا احب النهايات المعقولة مطلقا.
ترى أكان عبدالستار ناصر يحدس نهايته غير المعقولة في كندا البرد والصقيع؟!.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.