نوزاد حسن : رموز جمعة اللامي (ملف/13)

naozad hasanإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير القاص والروائي المجدّد “جمعة اللامي”، الذي طبع بصمته السردية الفريدة على الخارطة السردية العربية من خلال منجزه السردي الفذّ. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء كافة للمساهمة في هذا الملف، بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات ووثائق وصور وغيرها، بما يُثري الملف ويُغنيه. تحية للمبدع الكبير جمعة اللامي.

المقالة :
لو قلت ان جمعة اللامي هو اكثر قاص استخدم الرموز من بين القصصاصين العراقيين لم ابتعد عن الصواب.وهو في هذا يشبه السياب لان الاخير استخدم الرموز في شعره الى درجة جعلته محل نقد.ولكن الفارق بين رموز القاص جمعة اللامي ورموز السياب يكمن في ان الشاعر الراحل خلط بين الرمز الماخوذ من التراث وبين الرمز الماخوذ من الثقافة الغربية.واعطى اهتماما اكبر للرموز الغربية على خلاف محاولات جمعة اللامي التي ارادت ان تقدم الحاضر من خلال اسلوب التوازي او التناظر بين لحظتين تكشف كل منهما درجة فظاعتها وكأن الماضي مراة للحاضر او العكس.
كل رموز جمعة اللامي رموز دينية يغلب عليها طابع الوجد الصوفي.نلاحظ هذا واضحا في مجموعة “من قتل حمة الشامي”.فكل قصة هي محاولة تقديم الواقع على انه واقع فيه نقص ومنتهك.لذا يكون الرمز محاولة تعويض او تنبيه الى هشاشة الواقع واخطائه الكثيرة.
لو كان السياب افرط كما قال البعض باستخدم الرموز وخاصة اعتماده على شخصيات ورموز اسطورية يونانية فهذا يقودنا الى طرح تساؤل مهم وهو:لماذا فعل السياب هذا..؟سيقال انه تاثر بالشعر الغربي وخاصة اليوت.لكن هذا التفسير السطحي غير نافع في فهم قصائد الشاعر.وفي الجهة المقابلة تجعلنا نصوص جمعة اللامي حذرين جدا لاننا لا بد ان نتوقف قليلا لنفهم ما فائدة الرمز الشعري المستخدم في القصة والرواية.وما هي وظيفته الفنية..؟اذن للرمز وظيفة فنية محددة ومعبرة يريد القاص من خلالها ان ينبهنا الى ما يريد ان يقوله ويؤمن به.لنضرب مثلا بسيطا يوضح ما نقوله.ان الصليب المعقوف هو رمز نازي بامتياز.لنقل هو ابتكار هتلري وقد سخر العقاد من تفاهته وفراغه من المعنى.نعم قد اتفق مع العقاد او اخالفه لكن الملاحظة المهمة التي لا بد منjumaa allami 5 الانتباه اليها هي:هل انبثق الصليب المعقوف من فراغ راس هتلر..؟كلا ولد الرمز النازي من تاريخ كبير شهدت فيه النفس الالمانية اسمى درجات شعورها بالتفوق وبنقاء الدم الالماني.استند هتلر على هذه الافكار التي قيلت من قبله عن رفعة الشعب الالماني.لذا ان الصليب المعقوف رمز لتشويه صورة الصليب اولا لانه – اي الصليب- لا يشبع نهم الالماني الى الخلود والسيطرة.
الرمز في كل مجال هو علامة صارخة تريد ان تجعل الواقع يظهر بوضوح اكبر وبصورة اعمق.
ساحاول ان اربط بين كثرة استعمال القاص جمعة اللامي للرموز وبين ولع الستينيين بالتجريب الذي كانوا يعشقونه الى درجة ساحرة.ولا شك ان كلمة التجريب احدى اهم مفردات الروائي والقاص عبد الرحمن الربيعي.
يسعى جمعة اللامي الى خلق عالم خاص من الرموز لترسيخ فكرة ستينية جمالية هي ان الكتابة احدى اصعب الفنون لانها تتطلب نوعا خاصا من الامانة.نعم هكذا يفكر كل المثقفين الستينيين اذ انهم يشعرون انهم مطالبون بان يكونوا امينين على نقل الواقع دون الانزلاق الى السطحية.وهذه مشكلة فنية كبيرة لان على الكاتب والروائي ان يجد دائما وسائل تعبيره الفنية التي تمنح التجربة الواقعية حسا فنيا اصيلا.واذا كان المثقف الستيني حافظ بكل قوة على امانته الفنية فان الفيلسوف العبثي حافظ عاى امانته الوجودية ولم يفرط بها.امانة الوجودي هي المحافظة على الشعور العبثي وان الحياة تافهة.ان اي تغيير يطرا على جعل الحياة غير تافهة يصبح في نظر الوجودي خيانة.وهذا ما يمكن ان نفهمه من عشق الستينيين للتجريب الذي كان استخدام الرموز احد ملامحها المهمة.kh jumaa allami 5
يقف الرمز مع تقنيات اخرى في مجموعة “من قتل حكمة الشامي” لتقديم الواقع بتكثيف يراه الكاتب مناسبا ومؤثرا.سيلاحظ القارئ اجواء غامضة واحيانا كابوسية وعوالم متداخلة يغلب عليها الوهم تاثرا باجواء كافكا كما في قصة “الليل في غرفة الانسة م” اضف الى ذلك الى لجوء القاص الى الحوار المسرحي في كل قصص المجموعة،وتدخله الكبير في تنبيه القارئ الى ملاحظاته وتعليقاته وهوامشه.
في الواقع ما يهمني في هذا المقال بالتحديد هي الاشارة الى ان رموز جمعة اللامي لم تنشا من فراغ غير واضح الملامح.قلت ان الرمز الستيني عموما يريد ان يقبض على متاهة الواقع ويقدمه بصورة اخرى تفتح عين القارئ على الشعور به ونقده.وقد يلعب الرمز دورا مهما في هذه العملية.لكن ما يجب التوقف عنده والتاكيد عليه ايضا اننا في كثير من الاحيان نحاول حساب الصفات العامة لاي كاتب وكأننا نحسب اكياس بطاطا.لو قرانا مثلا مقالتي عبد الجبار عباس المنشورتين في كتابه “في النقد القصصي” عن مجموعتي “من قتل حكمة الشامي” “واليشن” لعرفنا اننا نترك شيئا خلفنا لا نقوله.لم يشر الناقد في مقالتيه الى السبب الحقيقي مثلا لكثرة استخدام القاص للرموز ولا الى حرصه الى جعل القارئ متنبها على الدوام وكأن قصة جمعة اللامي نصا مسرحيا ملحميا لا يجوز ان ينسى القارئ نفسه فيه.ما فعله جمعة اللامي في قصص مجموعة “من قتل حكمة الشامي” فعله بريخت في مسرحه.فقاريء جمعة اللامي يقظ متنبه يريد رؤية الواقع وقد تزين بكل هذه الرموز والتقنيات التجريبية الستينية.kh jumaa allami 9لكن هل يشعر قاريء قصصه بالمتعة ساجيب بكلمة واحدة:لا.على القاص ان يكتب باسلوب يحتمل نتيجتين او هدفين مقصودين اثنين هما:ان يمتع القارئ الى ابعد حد،والثاني ان يساعد الناقد على اكتشاف جوهري يتعلق بالحياة وكيفية عيشها.واذا كان الناقد الراحل عبد الجبار عباس لم يطرح سؤالا مهما في نقده لقصص جمعة اللامي فهذا يرجع الى اننا نريد ان نفهم الحياة من مظاهرها احيانا.السؤال الجوهري الذي لا نساله في اكثر الاحيان هو:الى اي حد انتقلت عدوى استخدام الرمز من الشعراء الرواد السياب والبياتي الى الكتاب الستينيين الذين اهتموا بالشكل الادبي اهتماما خاصا ومختلفا..؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    رموز السياب تدميرية أما رموز اللامي فهي للخصوبة فقط. و أساس الفرق يأتي من أن أسطورة الموت و الانبعاث تفترض موتا طقوسيا يعقبه انتظار طويل الأمد لعودة الميت. بينما جو التصوف و التماهي مع الوجود الفردي من خلال وجود إيماني بالخالق الذي هو على الموجودات و أصلها ينفي فكرة الموت. لدى السياب يأس و ضجر. و لدى اللامي محنة و مغالبة.

  2. نوزاد حسن

    على العكس رموز السياب كانت رموز خلق ولها وظيفة مهمة جدا لا بد من الكشف عنها.كان السياب عضوا في شجرة الثقافة ةرموزه الغربية كانت اسلوبا لا مجال لتشخيصه الان اما الكبير جمعة اللامي فاراد ان يبني عالما خاصا كما فعل ماركيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.