الرئيسية » ملفات » د . حاتم الصكَر : طيور النجاة من المذبحة (ملف/48)

د . حاتم الصكَر : طيور النجاة من المذبحة (ملف/48)

hatam alsakrإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
” إذا بقي ظل واحد ..وإذا تخرب ما حولكِ ,وتخرب ما حولي ..فآخر طير ينجو من المذبحةِ
سيردد أغنيتنا . “
” عيسي حسن الياسري “

ديوان الشاعر العراقي المغترب في كندا عيسي حسن الياسري” أناديكِ من مكان بعيد ” يؤكد ما عرف عنه في الشعرية الحديثة في العراق من اهتمام بالتفاصيل والميل لتأكيد معالجته الموضوعية بأسلوبية لا غموض يكتنفها ولا تعقيد،حتى أنه وُصف ذات مناسبة نقدية بأن شعره يصلح أن يكون تمثيلا لاشتغال الرعوية أو القروية كنزعة لا انتماء جغرافي أو ديموغرافي ويتجسد في شعره استحضار الريف كبنية بشرية وطبيعية واجتماعية تشترك في تشكيلها طبائع البشر ومرائي الطبيعة وثقافة الجماعة فكان الياسري من أكثر الشعراء العراقيين تمجيداً للطبيعة وجمالها وبساطتها . ولكنه في هذا الديوان يخفف من تلك الغنائية التي أوجبتها سعادته بالطبيعة وابتهاجه بمظاهرها ، فركن إلي نثرية هادئة لم تسلبه ذلك الوضوح الذي تعمق شعوريا بما يبعثه المنفى من حزن وألم وشوق.
في قصيدة قصيرة من بيتين سنلتقي ببعض هذا الشجن :
شاهدة
أيتها الطيور المبتردة
هنا يرقد مشتاك الدافئ
لقد حاكي عيسي الياسري هنا ما تخطه الأيدي عادة علي القبور من شواهد تؤرخ وتوجز للتعريف بمن تضم رفاتهم لكنه يوجه الخطاب على الشاهدة المقترحة لأولئك الذين يهمهم أن يزوروه كما تهمه زيارتهم وهم جمع الطيور التي رافقته في دواوينه الأولي التي تلبس فيها قناع طائر جنوبي يسكن الماء وفضاء القرى لكنه أي الطائر كسواه من الطيور يعاني البرد في المنفي فلا يقدم له الشاعر إلا مشتى دافئا في هذا القبر الذي يسكنه.
في المدن التي ارتحل لها الياسري مُكرهاٌ ثمة عصافير لكنها مقيدة ككل عصافير المدن لا سيما المتخذة كملجأ اضطراري لا يمكن أن يكون بديلا لفضاء الوطن و لا ترشحه الدوافع النفسية والضغوط النوستالجية لذلك الاستبدال فالعصافير لا كما عهدنا صورتها القريبة من الرومانسية بل هي في قصائد الغربة المكتوبة ” من البعيد ” تبدو بهذه الهيئة :
“بالريش المتسخ ِ..وبالمناقير الملوثة بالماء الآسن ِ..تستيقظ عصافير المدن ِكسلي مجهدة ً”
….
“هي محنتها في هذا ..لكن مالا تعرفه ُ..أن المدن إذ تمسك بالطائر ِ..لا تتركه يفلت من شبكتها “aisa alyasiri 8
وكما يؤرقه مصير العصافير والطيور يفكر الياسري بعصافير أخرى لها ضعفها وجمالها أيضا وهم أطفال العراق و لغز مصائرهم المثيرة للأسى فيكتب لهم :
“لقد انطفأت أفراحكم ..كشواطئ هجرتها الزوارق ..وما عادت تتجول فوق رمالها طيور الغاق ْ”
ولا يزال الشاعر يؤاخي كل شيء بطيور ظلت تطير في فضاء الذاكرة هذه المرة فالخواء يجد له الياسري معادلا صوريا من الذاكرة الطيرية فالأفراح المنطفئة صوريا ولتقريب انطفائها في المخيلة شواطئ هجرتها الزوارق ثم لم تعد فوق رمالها آثار لطيور الغاق، وفي لوحة طيية أخري تجد الخالة طريقها إلي البيت كما يعرف الطير طريق مشاتيه .
ويواصل الياسري بريد الأشجان هذا مستذكرا موتي أسرته وأهله في البعيد لكنه ينادي من مكان بعيد أيضا بل هو من زاوية نظره يصبح في موضع البعيد بينما يواصل نداءاته التي لا بد أن ترتفع نبراتها أحيانا لتلاءم ما في المسافة من امتداد وبعد رغم أن عبارات الإهداء تجعل البنت عونا يقرب البعيد وتجعل كل ناء وغائب حاضرا-وقريبا، وكما تشي المقتبسات التي تصدرت الديوان بثقل تلك الغربة المخيفة وكونها اضطرارية تبعث على ألأسى الدائم وتنسحب علي تشاؤم يبديه الشاعر إزاء القادم من الأيام.kh aisa 4
لكن الغربة في إحدى وجوهها تحرك الشاعر كي يتنقل بحرية بين أشكال شعرية متباينة، فإلي جانب قصيدة النثر وقصائد الوزن الحرة سيكتب قصيدة تقليدية أي ذات تقاليد شعرية موروثة وتتركز فيها غنائية عالية تناسب الشجن الذي يؤطر موضوعها فهي مناجاة لأم عيسي-الشاعر وقد كتبها بلوعة لا تخفي علي القراءة المتفحصة فيقول:
يا أم عيسي لقد أودي بك السهرُ
سهرتِ
أم نمتِ
لن يأتي لك ِالقمرُ
لقد مضي عن بلاد ليس يعبرها
غيمٌ
يسافر في أثوابه المطرٌ
لمن يضيء..؟
فلا الأشجار مورقةٌ ٌ
ولا المراتع ُ يشدو فوقها وترٌ .
لقد عمد الشاعر إلي تقطيع الأبيات الموزونة بهذا الشكل المتجاوب مع معاني النص ودلالاته ولم يبق من وزنها الظاهر وموسيقاها سوي القيد النغمي المتمثل بالقافية وكأنها صدي لندب وبكاء يستدعي أيضا الطبيعة ولوازمها دليلا علي ما أصاب الحياة من عطب واختلال و تغير.
وبهذا الديوان تضاف لمكتبة الحنين العراقي وشعر المغتربات والمنافي وثيقة هامة دون شك لشاعر طال تمثله للألم فأعاد تشكيله شعريا وبكيفيات صورية ولغوية لافتة.
…………………………….

” مجموعة أناديك ِمن مكان بعيد .. إصدار دار سنابل – القاهرة 2008 “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *