د. زكي الجابر : المقالات الصحفية (8) وللمجتمع المدني حديثه المتجدد (1) (ملف/45)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.

المقالة :
أنى اتجهت للنظر في مقتنيات مكتبة عربية إلا ارتسم مصطلح ’’المجتمع المدني‘‘ متصدرا مكانه في الإصدارات التي تفرزها الاجتهادات المتجددة في حقول تمتد من الاجتماع إلى السياسة، ومن القانون إلى الاقتصاد، ومن الانثربولوجيا إلى الثقافة. ولعلك مثلي تساءلتَ فيما تساءلتَ: ’’لماذا قفز هذا المصطلح فجأة من بين ركام كتب ترجع إلى عهد بعيد في القدم؟ ولماذا في أيامنا المعيشة هذه؟‘‘ ولعلك مثلي يشغلكَ الاستغراب كيف أن الذين يضمّنون كتاباتهم مصطلح ’’المجتمع المدني‘‘ متباينون في اتجاهاتهم الفكرية، مختلفون في أساليب مقارباتهم. إنهم يتراوحون ما بين يسار ماركسي أو متمركس إلى يمين يتراوح بين التطرف والليبرالية. ولعلك تثيرك مثلما أثارتني ظاهرة تماثل الأفكار، وأحيانا الاستنساخ الذي ينال حتى الخطأ النحوي، فتجده في الأصل كما تجده ذاتَه في المنسوخ!
ومن باب الإيجاز غير المخل تجاوز الأصل اللاتيني للمصطلح ومرجعيته في كتابات ’’آدم فرغسون‘‘ (1767)، و’’توماس بين‘‘ (1791)، و’’هيغل‘‘ (1821)، و’’أنتونيو غرامشي‘‘ (1920)، ومن الباب ذاته، وبسبب تكرار الاجتهادات، يمكن تجاوز مقالات مركز البحوث العربية (ندوة القاهرة 1990)، ومقالات وتعقيبات ومناقشات ندوة مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت 1992). وربما يكون مفيدا الوقوف عند خلاصة ما تعارفت عليه الأوساط المعنية من إدراك لمفهوم المصطلح. يتجسد هذا الفهم في توافر منظومة من الهيئات الاجتماعية تقع على بعد قد يقصر أو يطول عن سلطة الدولة، ومسألة الطول والقصر في البعد ترتبط بتفاعلات الأحداث السياسية والاجتماعية، وبطبيعة تلك الهيئات ونوعية أنظمتها وبنياتها التشريعية.
هذه الهيئات تشتمل على تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وعلى جمعيات وروابط تعترك في مجالات حقوق الإنسان ومشاركة المرأة كفاعلة في مختلف جوانب النشاط الإنساني وحقوق الطفل وتنظيم الأسرة. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الفعاليات الپرلمانية وسلطة القانون من العناصر الأساسية الضامنة لممارسات الأدوار التي أخذت منظومات المجتمع المدني على الأخذ بها. ولا بد هنا من الإشارة إلى مقولة ’’غرامشي‘‘ التي ترى في المجتمع المدني المجال الذي يتفاعل فيه الصراع الأيديولوجي وتتحقق فيه الهيمنة الأيديولوجية، في حين يرى الدولة مجالا لسيطرة أخرى هي السيطرة السياسية التي توظف لها آلاتها من شرطة وجيش وما يرتبط بهما من قوة السلاح وقوة التهديد. ويرتبط مفهوم المجتمع المدني في تصور ’’غرامشي‘‘ بالمثقفين ودورهم في تحقيق استقلالية التنظيمات، وكذلك بتصوره لما أطلق عليه مصطلح ’’المثقف العضوي‘‘ باعتباره متحملا لمسؤولية إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة في حدود تصوره للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها.
وابتعادا عن تكرار الاجتهادات أعود إلى المحور الأول للمقالة الذي تساءل عما وراء انبعاث هذا المصطلح من ركام الكتب؟ وما الذي دفع المثقف العربي، عن يسار أو يمين، إلى أن يتحدث عن هذا المصطلح وفي أيامنا الراهنة؟ عندي أن هذا المثقف وجد في المصطلح ملاذا التجأ إليه فرارا من خيبات مريرة في معالجة الواقع، وما يحمل هذا الواقع من قساوة التخلف عن اللحاق بركب الحضارة، والحضارة الغربية منها بالذات، وكأنني أسمعه يحاور نفسه: لو توفر لدينا مجتمع مدني يراقب ويحاور ويتساءل لكان من الممكن أن تقوم دولة المؤسسات، دولة احترام حقوق الإنسان، دولة التحريك المتسارع لعجلات التنمية، دولة تتعدد فيها الآراء وتتصارع في إطار من نبل الهدف، وديمومة استقرار اجتماعي تضمن فيه كرامة المواطن، وتسوده حرية الرأي والتعبير والتواصل. إنه لجأ إلى مصطلح المجتمع المدني بعد الفشل المتلاحق في عمليات الوحدة، بعد هزائم عسكرية وبعد استلاب للأرض وبعد انكسار في نفسية الإنسان العربي وشروخ اجتماعية قائمة ما بين الفقر المدقع والثراء المسرف، ما بين التأهيل ومجالات العمل، ما بين الهجرة والاستقرار في الوطن، ما بين افتقار الريف إلى الخدمات الاجتماعية والصحية وتوفر ذلك في حواضر المدن.
أما التساؤل عن مدى إمكانية قيام مجتمع مدني في مجتمعات على طريق النمو فذلك أمر لم ينل حظه من عمق البحث، ومثل ذلك كان نصيب التساؤل عن مدى الاستقلالية التي يمكن أن تتمتع بها المنظومات الاجتماعية في بيئة ما زالت تميل إلى ’’الشخصانية‘‘ أكثر منها إلى ’’المؤسساتية‘‘ وتتعلق بثقافة مستوردة سطحية أكثر من تعلقها بثقافة هي الأخرى مستوردة ولكنها رصينة عالمة فاعلة، وربما لو طرح هذا التساؤل وعاود طرحه لوجد نفسه يتحدث عن شأن يصعب تحقيقه على صعيد الواقع، وأنه أقرب ما يكون إلى تصورات مثالية واجتهادات يغذيها الطموح ولكنها لا تمتد بجذورها إلى حقيقة الواقع الاجتماعي.
هل تراني أمنع المثقف عن الرؤية المتطلعة وعن طموح له مبرراته وإن لم تكن له مقوماته؟ لست بفاعل ذاك ولا ناشده. ولكن أشير إلى أننا كثيرا ما نعشق المصطلحات ونظل نكررها ونعيدها استنساخا من غير انتباه إلى أننا نتحدث في فضاء هو ليس بفضاء الواقع، ولا يحمل من البراغماتية ما يدفع إلى تغيير ناجز على صعيد عالم يعاني ما يعاني من التبعية إلى دول عالم ’’المركز‘‘ المتقدم في ترسيخ دعائم المؤسسات والتسارع في الصناعة والتكنولوجيا وعلوم الطبيعة.
إن التقدم صناعة قوامها التفكير الواقعي والتجربة والاستفادة من الأخطاء. قد يكون في التأمل تجاوب مع طموحات، وقد يكون مثار أمل، ولكن من حق أنفسنا، وانطلاقا من واجب تحمل مسؤولياتنا، يجب أن نعيش نزاهتنا الفكرية، فلا نخدع أنفسنا ونغرق في تيه يضيع فيه من بعدنا قراؤنا!

(1) نشرت في صحيفة البيان (الإمارات)
30-6-1997

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.