علي عبد الأمير صالح: الكاتبة الإيرانية “آذر نفيسي” تتحدث عن الحرية المكممة في بلادها

 
الثقافة تنحدر إذا لم تضع الأدب في روحها 
ولدت الدكتورة آذر نفيسي في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1955، وهي أكاديمية وكاتبة إيرانية استقرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 1997 حيث هاجرت من إيران. نفيسي الآن أستاذة زائرة ومحاضرة في (معهد السياسة الأجنبية) التابع لـ (كلية الدراسات العالمية المتقدمة) في (جامعة جون هوبكنز)، وتخدم في (هيئة أمناء بيت الحرية). كتاب نفيسي (أن تقرأ لوليتا في طهران: سيرة في كتب) (ترجمته إلي العربية الشاعرة العراقية ريم قيس كبة ونشر في دار الجمل سنة 2009ـم.) الذي حقق أفضل المبيعات، حاز اهتماماً كبيراً وتُرجم إلي اثنتين وعشرين لغة. كما نال جوائز أدبية عديدة، بضمنها (الكتاب السنوي اللاقصصي) من (بوكسينس) فضلاً عن ذلك أثار الكتاب جدلاً واسعاً حول ارتباطات نفيسي المزعومة بالكولونيالية الجديدة والأفكار المحافظة الجديدة. نشرت نفيسي سيرة ثانية حملت عنوان (أشياء كنتُ ساكتة عنها: مذكرات) (2008) تروي فيها الجيشانات في أسرتها المختلة وظيفياً، بضمنها المفاسد الجنسية خلال طفولتها، وسجن والدها في ظل حكم الشاه بسبب تهم ملفقة ضده كونه اتخذ إجراءات مالية غير نظامية.
هي ابنة أحمد نفيسي، محافظ سابق لـ طهران، وكان أصغر رجل انتخب لهذا المنصب من قبل نظام الشاه في ذلك الوقت، ونزهت نفيسي، وهي واحدة من بين أوائل النساء اللواتي أُرسلنَ إلي (البرلمان الإيراني) خلال حكم شاه إيران. آذر نفيسي متزوجة من بيجان نادري، ولها طفلان، نيغار (بنت) ودارا (ولد).
ولدتْ في إيران، وأُرسلت للدراسة في لانكستر بانجلترا في سن الثالثة عشرة. ارتحلتْ إلي الولايات المتحدة الأمريكية في السنة الأخيرة من دراستها الثانوية. نالت شهادة الدكتوراه في الأدب الانجليزي والأمريكي في (جامعة أوكلاهوما). كما تحمل شهادة دكتوراه فخرية من (كلية بارد). عادت نفيسي إلي إيران سنة 1979، حيث درّست علي مدي زمن قصير الأدب الانجليزي في (جامعة طهران). ومن ثم شرعت تدّرس في (جامعة آزاد الإسلامية المفتوحة) و(جامعة العلامة الطباطبائي) قبل رجوعها إلي الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1997. قالت إنها بدءاً من سنة 1981 لم يُسمح لها بالتدريس في (جامعة طهران) لأنها رفضت ارتداء الحجاب الإسلامي الإلزامي، ولم تستأنف التدريس حتي حلول سنة 1987.
كونها شهدت (الثورة الإيرانية) والصعود اللاحق للسلطة من قبل (آية الله الخميني)، أصبحت في الحال قلقةً بسبب القواعد الصارمة التي فرضها حكام بلدها الجدد علي النساء. تحدثت عن الحرية التي تعتقد أن النساء في بعض البلدان حصلن عليها، الحرية التي قالت عنها إن النساء الإيرانيات فقدنها راهناً.
في سنة 1995، قالت إنها لم تعدْ قادرةً علي تدريس الأدب الانجليزي بصورة مناسبة من دون أن تسترعي تدقيق الهيئات التدريسية في الكلية، لذا هجرتْ التدريس في الجامعة، وبدلاً من ذلك دعتْ سبعاً من طالباتها الجامعيات كي يحضرن لقاءات منتظمة في منزلها، صباح كل خميس. درسن الآثار الأدبية بضمنها تلك التي عُدتْ مثيرةً للجدل في المجتمع الإيراني ما بعد الثورة من مثل (لوليتا) فضلاً عن أعمال أخري علي غرار (مدام بوفاري). درّست نفيسي روايات سكوت فيتزجرالد، هنري جيمس، وجين أوستن، ساعيةً إلي دراستها وتفسيرها من وجهة نظر إيرانية حديثة. في كتابها (أن تقرأ لوليتا في طهران) أعلنت نفيسي: ” لقد غادرتُ إيران ، لكن إيران لم تغادرني”.

أدناه نص الحوار الذي أجراه روبيرت بيرنباوم مع آذر نفيسي.
û روبيرت: تُرجم كتابك (أن تقرأ لوليتا في طهران) إلي دزينةٍ من اللغات ، بضمنها الصينية.
ـ أجل، بلهجتين مختلفتين. وفي كوريا الجنوبية وتركيا ومعظم الدول الأوربية.
û روبيرت: هل هو متوفر في إيران؟
ـ متوفر من خلال الناس الذين يذهبون إلي إيران. وتشكراتي لشبكة (الانترنت) فكثير من الناس حمّلوا أجزاءً من الكتاب. لكنه ممنوع في إيران.
û روبيرت: هل هو علي قائمة الكتب المحرّمة؟
ـ يس هناك قائمة حقيقية من هذا الطراز. هو ليس من نوع الكتب المسموح بها، وهذا في الواقع عار. من سوء حظ الحكومات التي تشبه تلك التي في إيران، حين يمنعون شيئاً ما، يصبح الناس أكثر شغفاً به. بالنسبة لكتابي هذا شيء جيد. أصبح الناس فضوليين ويتحرقون شوقاً لقراءته.
û روبيرت: كيف تعرّفين منزلتك الاجتماعية في هذا البلد (الولايات المتحدة الأمريكية. م.) هل أنتِ منفية ، مهاجرة، أم مواطنة عالمية؟
ـ (تضحك) أود أن أفكر في منزلتي الاجتماعية بوصفي ما أسميته “مواطنة عالمية ” أو “مواطنة عالم متنقل” إذا لم أقل العالم عموماً. في مرات كثيرة يمكنكَ أن تشعر بكونك منفياً في البلد الذي تكون قد ولدت فيه. وتكتشف أن ثمة أناساً في كل أنحاء العالم يشاطرونك القيم ذاتها. كانت حياتي حياة امرأة متشردة علي مدي زمن طويل ، طويـ. (تقهقه).
û روبيرت: حينما كنتُ أطالع كتابكِ – وكما فهمت ما يتعلق بتورطك وقلقك كما هو تورط وقلق هذه المجموعة من النساء السبع اللواتي كن. يلتقين مرةً بالأسبوع. يومذاك فكرتُ ملياً بالاقتراح كلي الوجود في هذا البلد (يقصد إيران. م.) الذي مفاده أن الأدب وثقافته المرافقة هامشيان، وليسا ضروريين. إني أسأل حول القيم المتباينة. ما هو موقفك منها؟
ـ لسوء الحظ، يلزمكَ أن تكون محروماً من شيءٍ ما كي تدرك قيمته. كنتُ أقول للناس دوماً، المسألة علي غرار ذراعك، إذا كنتَ تملكها، فأنتَ لا تفكر فيها. أعبر عن امتناني يومياً لأنها موجودة. لكنها إذا بُترتْ. (توقف قصير). إنه عار لأنني أعتقد أن الحضارة أو الثقافة التي لا تضع الأدب جدياً في صلب أعمالها تتدهور وتنحدر. أنتَ تحتاج إلي الخيال كي تتصور المستقبل الذي لم يوجد بعد. أحد الأشياء التي تجعلني حقيقةً أشعر بالراحة والاطمئنان بعد أن (طلع) هذا الكتاب هو اكتشافي مجاميع الأشخاص المهتمين بالكتب. الثقافة الرسمية، في الجامعات وخارجها معاً، تلتفت إلي الكتب بالطريقة التي يجدر بها أن تفعل ذلك. إلا أننا نملك كل هذه المجاميع المدمرة من الأشخاص المهتمين بالكتب، حيث يقوم الناس بالقراءة من دون مساعدة أو إرشاد. في ظني يجب علينا أن نشجع ذلك.

غادرنا وطننا
û روبيرت: إنني أندهش في ما يتعلق بالتنظيم الذي بواسطته مجاميع الأشخاص المهتمين بالكتب. كم يمكن أن يكون عددهم خمسة، عشرة، ربما خمسة عشر شخصاً اتصلوا بي كي يكونوا علي تماس مع الكتّاب. هؤلاء الأفراد غايةً في الجد.
ـ هذا ما حصل مع كتابي أيضاً، وأسعي جاهدةً إلي أن أؤدي خدمة لأكبر عدد ممكن منهم. بطبيعة الحال، يصبح الأمر مستحيلاً. هنالك مجموعات صغيرة كثيرة جداً، ولا يكون لديك ذلك المتسع من الوقت. لم أكن أبالي بها. لم أكن متيقنةً ماذا كانت مراميها. إنما فيما بعد فكرتُ: ” إنه لشيء مدهش أن الناس الذين بوسعهم أن يكسبوا مزيداً من المال أو أن يشاهدوا برامج التلفاز أو يقوموا بما يشاءون، هؤلاء الناس أنفسهم يتجمعون ويقضون وقتهم فقط في التحدث عن الكتب.”
û روبيرت: حسن، في بعض الأحيان. ربما.
ـ أعرف أن هنالك دوماً عوامل أخري تدخل في الموضوع. مع ذلك مازلت بالأحري أفضّل أن يتحدث بعض الناس عن الكتب. الحقيقة، ليس لديّ شيء ضد أولئك الناس الذين يشاهدون مباريات كرة القدم.
û روبيرت: في كتابك أعلنتِ بصورة جليةٍ جداً أن زوجكِ بيجان يحب إيران. لم ألاحظكِ تقولين ذلك، إذا لم تحبي إيران، أفهم موقفك هذا. ماذا يشعر زوجكِ وهو هنا، هل هذا المكان منفي بالنسبة له؟
ـ حسن ، في البداية كانت تجربة محبطة جداً بالنسبة له، إنما بمرور الزمــن. لا أستطيع القول، أكره أن أقولها نيابةً عن شخص آخر، لكنني أعتقد أنه سعيد لأننا غادرنا وطننا. بخاصة فيما يتعلق بالأطفال. كان نوع العمل الذي يقوم به أكثر استقلالاً من عملي. كونه رجل ساعده ذلك كثيراً. أنا متأكدة أن المزاج يساعد أيضاً. إنه شخص منعزل جداً.
û روبيرت: ألم يكن ذلك هو المسار الخاطئ؟ في كتابك ثمة شيء واضح بصورةٍ قاسيةٍ جداً وهو ما يتعلق باضطهاد النساء وحرمانهن. يستطيع المرء أن يسمع الناس وهم يتكلمون عن عدم المساواة والجنسانية (التمييز علي أساس الذكورة والأنوثة. م.) والمعايير المزدوجة لكن النظام الاستبدادي المرعب في إيران يتطلع إلي وجهكِ مباشرةً بنظرات شزرة.
ـ أنا أمتعض امتعاضاً شديداً جداً من ذلك في الغرب حين يقول لي الناس مراراً. ربما مع كل النوايا الطيبة أو ربما انطلاقاً من وجهة نظر تقدمية.: ” إنها ثقافتهم “. هذا يشبه أن نقول للناس. الواقع، نحن في بوسطن. إنه أشبه بالقول بأن ثقافة ماسوشيتس تحرق الساحرات. في المقام الأول، ثمة نواحٍ من الثقافة تستحق حقيقةً الشجب، ويلزمنا جميعاً أن نحاربها. لا يجدر بنا أن نقبلها. ثانياً، النساء في إيران وفي المملكة العربية السعودية لا يردن أن يرجمن بالحجارة حتي الموت.
روبيرت: (يقهقه).
ـ إنها ليست جزءً من ثقافتهم. هنالك أشياء أخري هي جزء من ثقافتهم يجب إبقاءها في الذهن وتغييرها كما تجعلني أتميز غيظاً. أو يقول لكَ الناس: ” أوه لكنكِ امرأة غربية “. لماذا ، ألأنني لا أرتدي الحجاب؟ هل ثمة صيغة لكل النساء المسيحيات؟ هل ينبغي لهن كلهن أن يبدونَّ سواء؟ أو هل ثمة صيغة لليهوديات؟ إذاً ، هو خطاب متعصب جداً، وأناس كثيرون يتاجرون به. وهو شعور بالتفوق فيما يتعلق بسكان بلادي.
û روبيرت: ما هي الانعطافة الخاطئة أو الانحراف الذي حدث في الإسلام بحيث جعله يصل إلي هذا الموقع المتزمت القاسي؟ قيل لي أن الإسلام لا يضم قيماً قاسيةً، سلبيةً، مدمرةً ومليئة بالكراهية والعداوة.
ـ كلا، الإسلام ليس كذلك. أنتَ علي صواب. هنالك، بالطبع، نقاط سامية في الحضارة الإسلامية جلبتْ الشيء الكثير ليس فقط للبلدان الإسلامية إنما للعالم بأسره ثمة شيء آخر من أمكنة مختلفة تماماً. إيران والمملكة العربية السعودية لا تشتركان إلا بشيء قليل جداً. أقل مما تشترك به فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. مع ذلك ندعوهما (أي إيران والعربية السعودية – م.) دولتين إسلاميتين. الشيء الأخير هذه الظاهرة الفريدة التي تجري لنا الآن تحديداً تستقي كماً كبيراً جداً من الستالينية والفاشية. مسألة الحجاب واستخدام الدين بالطريقة التي يفعلونها الآن في فرض زي نظامي علي المجتمع. في الصين الشيوعية، يجب علي الجميع أن يلبسوا تلك الثياب النظامية، يجب علي النساء أن لا يضعن مساحيق التجميل علي وجوههن. لهذا فهو اعتداء علي الحرية الشخصية، التي يجري مصادرتها باسم الدين. الدين هو جزء من المسألة، إنما ليس كلها. وكثير من المراجع الدينية العليا في إيران في بداية الثورة كانوا ضد فكرة الجمع بين الدولة والدين. الواقع، في إسلام الشيعة، لا تستطيع أن تتدخل في السياسة. لذا فهم يناقضون نوع الديانة التي يقولون إنهم جزء منها.

الحرية الشخصية
û روبيرت: تكلمت مع (سايرة شاه) في أواخر السنة المنصرمة و (ما تحت الحجاب) من المؤكد يعيد إلي الوطن هذا الصنف من الإسلام. سألتها لماذا لا يتم انتشار وتقبل النسخة الإنسانية المحببة والمتسامحة من الإسلام.
ـ بالطبع، هذا يشبه أي منظومة عقلية شمولية. إنها تفرض نفسها علي المجتمع. عبّر الشعب الإيراني عبر طرائق كثيرة جداً عن كونهم يعارضون هذا النظام برمته. إنه نظام شمولي. هذه أقلية تتحدث باسم الأكثرية. الناس الاعتياديون لا يخرجون ويفعلون بالطريقة التي يقوم بها هؤلاء الناس. مع ذلك الدين يحتاج إلي الإصلاح. ذلك ما تراه في إيران، إنك تري إصلاحاً يجري من الداخل.
û روبيرت: ما هو المثال علي البلد الإسلامي، أي المثال المشرف للتسامح والديمقراطية. من اندونيسيا إلي السودان؟ ما من واحد من هذه البلدان يرتفع إلي مستوي الشكل الإنساني للإسلام. هل هذا محض مصادفة؟
ـأندونيسيا أو ماليزيا. هذان البلدان يصعدان ويهبطان لأن درجة الاضطهاد السياسي فيهما متباينة جداً. إنما يمكنك أن تقول الشيء ذاته عن بلدان أمريكا اللاتينية. حيث يوجد هناك كم كبير من الاضطهاد السياسي. تلك البلدان في حالة مستمرة من التقلب ، هذه الأقطار تخضع لمرحلة انتقالية. الولايات المتحدة الأمريكية، بالطبع، مختلفة، لكنكَ تنظر إلي أوروبا، لقد تجاوزت مرحلة (محاكم التفتيش) والحروب الدموية.
û روبيرت: ما هو الاختلاف في ما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية (يضحك)؟
ـ إجتازت الولايات المتحدة الأمريكية (الثقافة التطهرية)، لكنني أفكر في (الحرب الثورية)، (الحرب الأهلية). بلغة الدين. الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية هي أيضاً قوية جداً. كلما يزعم الدين، مهما كانت منطلقاته، إنه ينشر كلمة (الله) عبر (الدولة) يصبح خطيراً. في اعتقادي، في هذه البلدان، الفساد في الشرق الأوسط. البترول أضرَّ الشرق الأوسط أكثر مما أفاده. لقد أنجب (الشرق الأوسط. م.) هؤلاء الطغاة من أمثال صدام. في أواخر سني حياته فقط تحول إلي (الإسلام). حزب البعث أو الحزب في سوريا، هما حزبان اشتراكيان، وليسا إسلاميين. كلهم طغاة، علي الرغم من الدين، والشعوب في تلك البلدان تدفع ثمناً باهضاً. لهذا السبب تجعلني إيران أشعر بالتفاؤل. الإيرانيون خبروا ثورةً هائلةً. الشبيبة في بلدي ضُربوا بالسياط وسُجنوا لمجرد أنهم يريدون أن يلبسوا ما يشاءون. لذا فإنهم يعرفون ما يتعلق بالحرية الشخصية، غريزياً. مرات كثيرة أقول لطلبتي الأمريكيين أن طلبتي الإيرانيين فهموا الثمن الغالي لـ(الحرية) لأنهم حُرموا منها. أحياناً في الغرب نحتاج إلي أن يذكرنا شخص ما بشأن الحقيقة القائلة إن الدم قد أُريق كي تنال الشعوب الغربية علي ما حصلت عليه الآن.
û روبيرت: في (أن تقرأ لوليتا…) تطرقت إلي عرض فيلم سينمائي روسي. لم يكنْ الفيلم مترجماً كما لم يظهر علي الشاشة كلام مطبوع أثناء عرض الفيلم، المشاهدون لم يفهموه، غير أنه كان عرضاً بصرياً مذهلاً علي الشاشة بحيث أثار الجمهور. ما اتضح لي هو أن أي حدث ثقافي من الممكن أن يجلب حشوداً كبيرةً من الجمهور ويلفت الانتباه، لأن أحداثاً كهذه قليلة جداً في إيران.
ـ نعم، ثمة القليل منها والفضاءات الشعبية محدودة جداً لمعظم التجمعات الشعبية، بخاصة الثقافية، حيث تكون هنالك تجمعات حاشدة. بخاصة مهرجان الفيلم السينمائي في طهران، إذ يعرضون أفلاماً أجنبية مبتورة. في كل مرة يحدث شغب. كل مرة ! ألقيتُ ذات مرة كلمةً حول (مدام بوفاري)، حول (فلوبير). وكان هنالك شغب نوعاً ما.
û روبيرت: مهنة كاتب الرواية هي دوماً أن يتخيل.
ـ أجل، أنتَ تفعل ذلك دوماً. الواقع إن أفضل شيء فيما يتعلق بالكتابة هو أنكَ تستطيع أن تتقمص الشخصيات التي لا تمت إليك بصلة وبطبيعة الحال حين تكون الرواية ناجحة فهذا هو الشيء المدهش. وغالباً تكتشف أشياءً عن نفسك لم تكنْ تعرفها من قبل. بحيث أن الآخر يتصور أنكَ كنتَ قادراً علي أن (تعرّي). أحد الكتب الأكثر إمتاعاً بالنسبة للأجنبي فيما يتعلق بإيران. عدد غفير من الناس يسمونه (استشراقياً)، لكنني أعتقد أنه يضم خرافات. كتاب جيمس مورير الذي يحمل عنوان (مغامرات حجي بابا). إنها رواية عن المشردين والصعاليك (بيكارسكية)، والشخصية الروائية محتال فارسي يطوف هنا وهناك، يسرق ويقوم بشتي ضروب الأفعال. إنها شخصية فارسية جداً وفي الوقت نفسه مضحكة جداً، جداً، وقد كان للإيرانيين رد فعل حياله لأن العمل الروائي وصف سلبي لبلاد فارس. إنما هذا ليس حقيقياً. الرواية، ما لم تكنْ سيئة وأيديولوجية، تمضي أبعد من هذا الوصف الحسن أو السيئ. أعتقد أن عليك أن تحكم علي الكتاب علي أساس حسناته.
û روبيرت: إنه ليذهلني أنكِ قادرة علي إعطاء قرارات حاسمة، وجريئة جداً.
ـ (تقهقه)
û روبيرت: لقد آن أوان اعترافاتي النظامية فيما يتعلق بالكُتّاب المذكورين في كتابك. قرأتُ فقط اسم صول بيلو وسكوت فيتزجرالد ؛ لم تذكري هنري جيمس، أوستن، برونتي، نابوكوف أو ملفيل. إذا ما عدتُ بذاكرتي إلي الوراء في ظني أن الأمر له صلة بالطريقة التي تم فيها تقديمهم وليس فقط تمرّد المراهقين. قلتِ شيئاً ما بشأن جيمس جعلني حقيقةً أصبح أكثر ولعاً به. اقتبستِ من هنري جيمس في ما يتعلق بالإحساس.
ـ إنه حول الحرب العالمية الأولي. ويقول هو إن علينا أن نخلق حقائقنا المضادة ونشعر بالضد منها. إنه لشيء مدهش أن يكون إنساناً حنوناً بكل معني الكلمة. وبدا أشبه بموظف كبير في الإمبراطورية الصينية القديمة، لا يلوث يديه لكنه معبود، كان يشعر وكان الشعور يخرج سالماً.

الإنسان والديمقراطية
û روبيرت: الناس علي الرغم من توصيتهم ينتهي بهم المطاف أن يقرأوا هؤلاء الكتاب العظام.
ـ (كلاهما يضحكان) حسن إنه عار بكل معني الكلمة. إنه بسبب الطريقة التي يعلمونهم بها. أتذكر في إيران، أحد الكتب التي ذكرتها لكنني لم أتحدث عنه في هذا الكتاب (أي: أن تقرأ لوليتا في طهران. م.) كان: (هكلبري فن) بالطبع. وفيما يتعلق بـ (هك)، هنالك ثانيةً تلك المسألة المتعلقة بالتقمص العاطفي. أنتَ تتذكر ذلك المشهد حين يكون هو وجيم جالسين فيقول (هك)، بحسب العُرف إنه ذاهب إلي الجحيم، إذا لم يخبر جيم. وقد أحببتُ الحقيقة التي يقولها: “سوف أذهب إلي الجحيم.” كنتُ أفكر في كاتبة معاصرة أكثر، ليستْ معاصرةً جداً، لكنها كاتبة اكتشفتها حين عدتُ إلي الولايات المتحدة الأمريكية. إنها زورا نييلي هيرستون. ثانيةً موضوعها الرئيس، في ما يتعلق بالشخصية الروائية، هو أن تكون قادرة علي اكتشاف ذاتها، أن تري نفسها من خلال التفاعل مع الآخرين. هكذا الأمر بالنسبة لي، تصبح قراءة الرواية عملية اكتشاف. حبكات عديدة في الروايات، بخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، استندتْ علي هذه العملية المتعلقة باكتشاف الذات. وأنا مغرمة بها. بعدها لن ينجو أحد من العواقب. أنتَ لا تملك شخصيات طاهرة وجيدة ومن ثم فإن الرجال السيئين حقيقةً.
û روبيرت: الرواية الأولي التي أحببتها كانت بقلم نيلسون ألغرين وجيمس بولدوين وبصورة تدعو للسرور رواية هيلر الموسومة (امسك اثنين وعشرين). فكرتُ أنكِ طالما عشتِ في مجتمع شمولي بحيث أن كُتّاباً من مثل كافكا وكامو كانا نوعاً ما منارتين هاديتين بالنسبة لكِ ولطلبتكِ.
ـ الحقيقة، لقد درّستُ كافكا كثيراً. في هذا الكتاب ذكرتُ الكتب التي كنتُ أحللها وكانت تلك الكتب التي أشبعناها نقاشاً. كان كامو بطلاً منذ سنوات مراهقتي. كان كامو وسارتر بطلين من نوع ما بالنسبة للشبيبة الإيرانية يومذاك. كنا نقرأ كل شيء لهما يقع في أيدينا. كان كامو إنسانياً جداً. الواقع، كانت بداية مطالعاتي في هذا الصنف الأدبي هو الرواية الروسية والفرنسية. الروايات الانجليزية أتت لاحقاً.
û روبيرت: ماذا يعني أن تنال الإيرانية شيرين عبادي جائزة نوبل للسلام؟
ـ حسن، إنه من نواحٍ شتي مؤشر إيجابي لأنه يكسر أيضاً الأشياء المقولبة. هذه المرأة ظهرتْ في باريس بالطريقة ذاتها التي أبدو بها، من دون حجاب وذكرت أنها تؤمن بحقوق الإنسان والديمقراطية. وهي مسلمة كذلك. ذلك الأمر كسر النموذج المقولب الذي يملكه الناس عما يجب أن يكون عليه المسلم أو المسلمة وقد أدركوا أنها تمثل غالبية المسلمين الذين يؤمنون بأن حقوق الإنسان والديمقراطية قيم كونية. وأنه بوسعك أن يكون لكَ معتقداتك الخاصة وهذا ليس له صلة بالطريقة التي نبدو بها، أي مظهرنا الخارجي. وهو يخلق أيضاً موديلاً إيجابياً للناس في البلد كي يتعلقوا به. لأن الأنظمة في هذه البلدان تجلب مقداراً كبيراً من العنف ونحن نحتاج إلي خلق موديلات هي موديلات غير عنيفة للتغيير.
û روبيرت: في موضعٍ ما ذكرتِ ما يتعلق بخيبة أملكِ، كنتِ محبطة جداً بعد التاسع من أيلول، بشأن الأربعين ألفاً من الإيرانيين الذين تظاهروا في الشوارع متعاطفين مع الولايات المتحدة الأمريكية وما من أحد غطي هذه المسيرة أو لاحظها. وهذا الشيء يذكرنا بأن الشعب، في الأقل، أن ما لا يريد الشعب رؤيته لن يراه.
ـ ذلك الشيء يدعو حقيقةً إلي الجنون. لا أعرف ما إذا تتذكر التغطية في ذلك الزمن تحديداً. لأنه حتي إذا عبر اثنان من الباكستانيين عن غيظهما. وهنا ثمة هؤلاء الناس الذين خرجوا إلي الشوارع علي الرغم من تحذيرات الحكومة. لقد ضُربوا وأودعوا السجون، وكان هنالك ذلك الشيء الجميل، إشعال الشموع وجلب الورود، لكنهم لم يعرضوا هذا. لأن تلك الصورة سوف تكسر النموذج المقولب للإيرانيين كونهم جميعاً ضد (الشيطان الأكبر). في ذلك الوقت حين كانت الحكومة الإيرانية تنظم المسيرات الجماهيرية المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، تعرض وسائل الإعلام ذلك.
û روبيرت: ماذا تستنتجين إذاً من ذلك؟
ـ إنه لشيء يُدهش الإيرانيين كذلك. إنه شيء يتجاوز حدود العلاقات السياسية. إنه كسل بكل   معني الكلمة .
û روبيرت: في نقطةٍ ما سوف ترجعين إلي واشنطن بعد أن جبتِ الولايات المتحدة الأمريكية جيئةً وذهاباً كي تتحدثي عن (أن تقرأ لوليتا في طهران)، والآن ماذا بعد؟
ـ وضعتُ حداً زمنياً في ما يتعلق بهذا الأمر، وبحلول الصيف سوف ينتهي هذا كله (تضحك) لأنني أفكر في كتابي الآخر. إنه شيء غير صحي أن أركز تفكيري علي كتابٍ واحد. الواقع، ما أن انتهيت من هذا الكتاب حتي كنتُ أفكر بكتابٍ آخر. في ذهني مشروعان. أحدهما أن أترجم الكتاب الذي دونته حول نابوكوف وأغيّر فيه بعض الأشياء. في ذلك الكتاب كان لديّ الكثير كي أقوله ويحدوني الأمل أن أتقاسمه الآن. ثمة كتاب آخر في بالي منذ زمن طويل. في موضوع الخسارة. توفيت والدتي حينما كنتُ أدوّن هذا الكتاب، واصلتُ العودة إليه. كيف نسترد ما خسرناه من خلال الكتابة، من خلال الخيال. الحياة خسارة وفقدان مستمر. لا أعرف مقدار سيرتي الذاتية في هذا الكتاب. ما أزال أطمح أن أسترد ما فقدته أمي. فكرتُ في داخلي: ” هل يمكنني أن أخترع ما لم تخترعه أبداً؟ ”
û روبيرت: من فضلكِ قولي المزيد عن ناحية السيرة الذاتية في هذا الكتاب؟
ـ هنالك طرائق كثيرة للتفكير في هذا الأمر. أنتَ تعرف كيف يكون ذلكَ حين تروم الكتابة. ثمة شيء ما يستمر بالرجوع ولن يغادرك البتة. أصبحت ذكري أمي تسيطر عليّ كهاجس لا فكاك منه حين غادرتُ إيران، وقد سرقتُ منها كل صورها الفوتوغرافية القديمة التي كانت بحوزتها. وحين كانت مريضةً لم يكن بوسعي العودة إلي بلدي، كنتُ أواصل النظر إلي صورها وأتخيل الأشياء التي فقدتَها. كانت امرأةً حيويةً جداً. كان بوسعها أن تكون أفضل مما كانت عليه بسبب الطريقة التي كانت تحياها. أحسست أنني أريد أن أكتب عنها وعن جدتي في سياق ذلك التاريخ. وكي نعيد خلق التاريخ وكيف تغيرت كل حقبة أو كل عهد وماذا كان يعني بالنسبة لامرأة علي غرارها أن تحيا في كل عهد من هذين العهدين. لذا فأنا لستُ متأكدة كم سيكون من كتابي هذا سيرة شخصية وكم سيكون منه تاريخ. يبدو أنني منجذبة باستمرار إلي هذا الحد الفاصل بين الخيال والواقع (تضحك) لأنه في هذا الكتاب فعلتها وفي كتاب نابوكوف أردتُ أن أمزجهما. إذاً هذا هو ما يدور في عقلي.
û روبيرت: إذاً ربما سوف نراك في السنوات القليلة المقبلة؟
ـ حسن، أتمني ذلك (تقهقه)، لذا يلزمني أن أدوّن كتاباً آخر.
روبيرت: شكراً.
المصدر: Identity theory: an online magazine

شاهد أيضاً

فيسوافا شيمبورسكا..نضال وابداع
ترجمة :مريم لطفي

هي ماريا آنا فيسوافا،ولدت في كرونك في ضواحي مدينة بوزنان البولندية في 2 فبراير 1923،وهي …

الدور الفني لللغة المحكية في أعمال جيمس كيلمان
سكوت هايمس*
ترجمة: صالح الرزوق

ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع …

سعيد بو خليط : استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة

استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة تقديم : سعيد بوخليط …

تعليق واحد

  1. عمر نوري كركوكلي

    تحاول البروفيسور آذر نفيسي أن تواصل البوح وكشف خبايا المستور، حيث تستعيد ذاكرتها بعد أن ذرفت على الستين وهي في منفاها في واشنطن دي سي، لتعبر في سيرتها الذاتية عن صراع الأضداد في نفسها المحطّمة بين رفضها لنظام الشاه الذي عارضته مع الشيوعيين ومنهم أبوها وأمّها، وبين بكائها عليه اليوم، والحنين إلى أيامه، بل بين تفاؤلها أمس بالعمامة، ودعوتها اليوم لإلقائها في القمامة، وعبرت عن خيبة أملها في الجمهورية التي تفاءلت بها في كتابها الجديد (جمهورية الخيال).
    لعل القارئ يدرك أن (لوليتا) التي كتبت عنها نفيسي في كتابها(أن تقرأ لوليتا في طهران)، هي رواية للكاتب الروسي نابوكوف تتحدث عن طفلة يغتصبها رجل عجوز بعد وفاة والديها، ومن ثم يقمعها ويهيمن عليها ويستحوذ على حاضرها ويمسخ تاريخها… والكاتبة تحسن اختيار النموذج، وكأنها تريد أن تقول: أن الرجل العجوز الذي اغتصب إيران قد تحكّم في حاضرها ومسخ ماضيها… واحساس نفيسي يعيشه أغلب أولئك الذين عاشوا في مرحلتين، فالماضي عندهم سعيد، والحاضر تعيس، وشواهد ذلك كثيرة من الثورة الفرنسية، ومن تاريخ الألمان واليابانيين وغيرهم.
    واذا كانت نفيسي قد عانت من مقص الرقيب وخنق الحريات ووووو في عهدٍ كانت تعدّه عهد الانعتاق والحرية. فنفثت بسردها القصصي الجميل وبغير لغتها عن مكنونها. فإنني أقول: ليت نفيسي عراقية وقد عاشت بين جيلين (البعثية والحرامية) لتدرك معنى الحرية في عهد البعث (وحدة حرية اشتراكية) لتدرك معنى حلبجة والأنفال ومقاصل الحتوف وطاحونات الموت ومثرامات البشر من الأحياء، وتدرك أيضا معنى الانعتاق في زمن الحرامية والزرقاوية والداعشية (السفيانية).
    ليت وليت ولولولوليتا حكامنا اليوم يحققون ولو نسبة النصف مما حققه نظام الملالي في إيران، إيران اليوم تعيش تطورا لم تشهده في ماضيها أبدا، إنها دولة المؤسسات والقانون والدستور… أقول: ليت نفيسي عراقية لتعبر عن آلامها بصدق؛ لأن آلامها ليست حقيقية، انها تبكي ماضيا كانت البنت المدللة فيه، وحاضرا يحاصرها وينفيها.
    ونحن عشنا جيلين مثل نفيسي، ولكن أي جيلين؟ جيلان لا يفصلهما تحول سياسي مثلما هو حال نفيسي؛ جيل عراق الأمس الذي يحكمه القانون وتسيره سلطة القانون، العراق الناهض في كل شيء، وجيل عشناه قبل التغيير أيضا أحال وجه العراق إلى دماء وأشلاء حتى يخيل لمن يدخله من دول الجوار- ولا أقول من دول أوربا وأمريكا- وكأنه قد دخل بلدا خارجا لتوه من زلزال مدمر. فليس ثمة غير الجوع والمرض والجهل، انه زلزال البعث الرهيب وقائده الأرعن الغبي.
    أريد أن أقول: لماذا هذا الانفعال مع نفيسي من بعض العراقيين المضطهدين؟ وكيف يقرنوا حالهم بحال نفيسي الداعرة (المضطهدة)؟ فكم إيراني مضطهد مثلها؟بينما في العراق الملايين بين مقتول وأسير ومهجر ومهاجر ونازح ومنزوح من أتون الإرهاب منذ غزو البعث حتى الغزو الأمريكي ومن ثم الغزو السفياني والحبل على الجرار. سافروا أخوتي إلى ايران قبل أن تقرأوا نفيسي وتنفعلوا معها لتروا بأم اعينكم أوربا بكل تفاصيلها في الشرق. فليت حاضرنا كحاضرهم الذي تبكي منه خانم نفيسي. وليت المتأسلمين الجدد في عراق اليوم قد تعلموا من تجربة ايران ما يفيد بلادنا، بل ليتهم يحملون ولو ربع وطنية الإيرانيين وحرصهم على بلدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *