نهاية عبد اللطيف حمدان رضوان : اللغة في شعر مظفر النواب (2)
الفصل الثاني المستوى العاميّ في شعر مظفر النواب
(ملف/13)

mothaffar 3إشارة :

إذا كان نزار قباني قد ألبس القصيدة الغنائية قميصا وبنطلونا وجعلها تتجوّل في الاسواق، فإن شاعر العراق والعرب الكبير مظفر النواب قد جعل – أوّلاً – القصيدة السياسية شريانا يمتد بين قلب الإنسان العربي وقضيته. كان أشرس من مرّغ أنوف الملوك والرؤساء المتخاذلين بلا هوادة. وثانياً فإن ثورة النواب العامية هي ثورة إبداعية كبرى لم تبزها حتى اليوم أي ثورة أخرى في الوطن العربي. وثالثا، فإن النواب هو الأنموذج العملي الجسور للشاعر الشجاع الثائر الذي حمل قضية أمته من العراق إلى ظفار فأرتيريا ففلسطين حيث قلب القضية. أعاد مظفر للشعر كرامته النضالية المهدورة. فتحية له في محنته. تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح زمنيا بالدراسات والبحوث والصور والوثائق.

الدراسة :

الفصل الثاني:

المستوى العاميّ في شعر مظفر النواب

الشاعر مظفر الَنواب شاعر شعبي ضربت شهرته آفاق العراق وتغّنى بشعره الشعبي
العامي أكثر من جيل، وحفظ قصائده مئات الألوف من الناس في العراق، ورددوا أبياته وأشعاره
وأوصافه الرقيقة الجميلة، سواءً من كانوا في الريف أو المدينة، السياسيون وغير السياسيين،
لحّن قصائده الملحنون، وغّناها المغّنون وترّنم بها العشاق والمحبّون..
ولقد كانت درجة إعجاب الناس بقصائد العامية موضع دهشة واستغراب ومفاجأة حتى
عند مظفر ذاته، فلقد كانت مفاجأته كبيرة إزاء الإعجاب ورد الفعل الذي خلقته قصيدته (للريل
وحمد) عندما نشرت لأول مّرة، علمًا بأنها نشرت بناءً على إلحاح ورغبة أحد أصدقائه الذي
صادرها منه عنوة ودفعها للنشر، دون علمه، لقد كانت مفاجأته كبيرة عندما قرأ تعليق الآخرين
عليها وكان بينهم أحد الشعراء الكبار في العراق وهو الشاعر سعدي يوسف عندما كتب عن هذه
القصيدة المفاجأة … بأنه: يضع جبين شهره على أعتاب الريل لقد كان رد الفعل عند الناس
صاعقًا ومذه ً لا وغير متوقع وهم يسمعون شعرًا متدفقًا سلس ً لا ينفذ إلى القلب ويثير كل المشاعر
والذكريات الوجدانية ويعبر بصدق عن تجاوبهم وأحاسيسهم وهمومهم.
لقد ُ كتِبَ الآن لهذه العبقرية الشعرية الكامنة المكتومة بغير قصد أن ترى النور فينتشر
صداها مترددًا في الآفاق شعرًا يبهر الناس وصورًا تأخذ بالألباب ولغة معبرة وبناءً محكمًا من
العبارات والألفاظ والكلمات تقدم بانسجام ساحر جميع معاني العشق والتضحية والمحبة والحنين
والمروءة والرجولة والقيم الوطنية وُتسّلط الضوء على واقع الظلم والفقر والحرمان في عمق
الريف العراقي.
الألفاظ العامية ودواعيها عند النواب:
يستقي كل من الشعر والنثر مادتهما من منبع واحد هو اللغة، واللغة – كما أشار
جومسكي – (ملكة تدخل في كل جانب من جوانب حياة الإنسان وفكره، كما أنها مسؤولة – إلى
90
درجة كبيرة – عن حقيقة أنه في العالم البايلوجي فقط يمتلك البشر تأريخًا وتطورًا ثقافيًا،
( وتنوعًا ذا تعقيد معين وثراء) ( 1
إن اللغة العربية هي اللغة التاريخية المتجانسة في كل جسد عربي، لأنها تعد معبرا
وحلقة وصل لأنسابنا العريقة من علماءٍ وشعراءٍ ومفكرين نسخوا أفكارهم لخدمة الأجيال
اللاحقة، لهذا يجب العمل بدقة ،وتمعن في اختيار المفردات الشعرية الفصيحة من قبل الشعراء
الشعبيين لتقريب العامية من اللغة الأم ،والابتعاد عن اللغة المناطقية، والقطرية أيضا وشمولها
بحداثة شعرية شعبية ذات معان رحبة متقاربة بصورة أو بأخرى من السرد الفصيح الذي يعمل
تلقائيا على خدمة اللغة التي انسالت على ألسنة تاريخنا العربي كلغتنا العامية الآن بالدرجة
الأولى وأيضا الانتقال إلى أوسع مجال ممكن للوصول الى عتبات المثقف الشعبي، كما حدث مع
الشاعر الذي وضع أساس الحداثة الشعرية الشعبية بإطار مناسب للغة الأم.. ألا وهو
(مظفرالنواب) الذي تناول هذه الرسالة منذ ستينيات القرن الماضي حيث عمل على اقتناء الحس
الفصيح في العامي مما جعل أبياته مطعمة بمفردات اللغة العربية معنا ومضمونا منها..
.( (الهوى، الصافي، روازين، نبع، ولهان، المتني، غفوة، جرة، تتمزق) ( 2
فاللغة في الشعر، تتشكل وفقًا لما تتطلبه طبيعة الجنس الكلامي الشعري من أثر الخيال،
والتكثيف المعنوي، الناشئ عن الاقتصاد في السرد والانزياح في الدلالات، فض ً لا عن حضور
العاطفة والسلطة الروحية، والاحتفاء بعنصر صوتي تنظيمي كالوزن او الإيقاع وغيرهما من
العناصر الفنية المميزة للغة الشعر بوصفه جنسًا أدبيًا مستق ً لا عن الأجناس الأدبية الأخرى،
كالنثر الفني، والقصة والرواية والسيرة الذاتية .
إلا أن العلاقة تبقى قائمة ما بين الشعر وتلك الأجناس، والإفادة تظل متبادلة فيما بينها،
فيقترض الشعر – أحيانًا – منها بعضًا من مميزاتها لترفده بالحيوية والتجدد .
. 1) جومسكي، نعوم: اللغة والعقل، ترجمة رمضان مهلهل سدخان، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2005 ، ص 18 )
2) زكي، منذر: اللغة في الشعر الشعبي وحداثة النواب المعاصرة، 2011 )
.http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=6753
91
فاللغة ( تكتسب في حالة التعبير الشعري خصوصية لا تكتسبها في حالات النثر الأخرى
وحين يستخدم الشاعر اللغة بوعي وإجادة تحقق الكمال، وتفعل ما لا يفعله الإلهام الشعري
.( نفسه( 1
كما تتميز اللغة الشعرية بتلك الصلة التي تبقيها بين نفسها وفروع معرفية أخرى من
فروع الدرس الأدبي والنقدي، ناهيك عن المعارف العقلية والفلسفية الأخرى التي تكتسب بها
اللغة في الشعر شخصية مميزة، ذات طابع فردي أقرب ما يكون إلى مفهوم الكلام عند دي
.( سوسير في ثلاثيته الشهيرة: اللغة/اللسان/ الكلام( 2
( فالشعر (لغة تطمح لأن تكون خصوصية بالنسبة لما حولها) ( 3
وللغة الشعر – كما عبر د. عز الدين اسماعيل – (شخصية كاملة، تتأثر وتؤثر ..، وهي
لغة فردية، في مقابل اللغة العامة التي يستخدمها العلم، وهذه الفردية هي السبب في أن ألفاظ
.( الشعر أكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم)( 4
كثيرا ما خطت يدا النواب من حداثة سرد ومضمون صوري متناغم مع اللغة الأم
شكلا وإطارا كما في النص الآتي:
اش َ كد نِده َن َ كٌط عالضِلِع
ونْسِيت ا َ كلٌك يمته
اش َ كدْ رازقي وَنيٌمته
واشكثُر هجرَك عاشَر ليالي الهوى ومالِمته
انته السَحنتْ الليل بِ َ كليبي و َ كلِت موش انته
ياما التَراجي مرجِحَنْ حسٌك الصافي وغَفٌه
. 1) علوان، علي عباس: تطور الشعر العربي الحديث في العراق، ص 182 )
، 2) ينظر: الاسدي، محمد طالب: فسيفساء العلامات، دراسة لغوية، مجلة الكلمة، سوريا، العدد 73 ، خريف 2002 )
. ص 21
. 3) الماجدي، خزعل: العقل الشعري، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2004 ، ص 328 )
. 4) اسماعيل، عز الدين: الاسس الجمالية في النقد العربي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986 ، ص 348 )
92
وياما اسَفحتلَك بالليالي ادموع كانت ترفه
ويا ما الدمع ضَوٌه سواد العين
وعينكْ صَلفَه
وتِدري تِنيتْ الدفو ابلهفَة ورده
وماجيت
( ونَيٌمني الثلج والشِته كِلٌه اتعَدٌه( 1kh mothaffar 2
ويؤكد كذلك على ضرورة تسجيل الأحداث نفسها كما هي بلهجاتها العامية ونشرها معًا
الى جانب صياغتها الجديدة بالفصحى، لأن سحر الكلمة العامية وتأثيرها، يبقى ما دامت هذه
الكلمة تنبض بحرارة الحياة على شفاه الناس وفي أرواحهم، وهكذا نرى كيف تتحول القصيدة
الشعبية الى قصيدة مناضلة، خصوصًا إذا دعا اليها، وعمل لها، شاعر أصيل تمتد جذوره عميقًا
في جذور شعبه، ويستمد أصالته من أصالة هذا الشعب، إذ يستطيع بوعيه الفكري وموقفه
الكفاحي ،أن يستخدم كل قدراته الفنية، وأن يحول كل عمل إبداعي إلى عمل يخترق المألوف
.( كما يخترق الفن الحقيقي جدار المستقبل( 2
النواب وجد في المأثور الشعبي بشخوصه ووقائعه (مادة حية في ضميره يتمثلها أبعادًا
روحية وفكرية تعكس لنا وجوده وتطلعاته) وكذلك تساهم في إثراء قاموسه اللغوي وتعزيز
إيحاء الكلمة لديه عن طريق قوة اللغة وطاقتها التعبيرية، فكانت اللهجة العامية من الأدوات
.( المهمة التي تشحن طاقة القصيدة في التعبير( 3
فالكلمة لدى الشاعر هي (جسم حي يتفجر تحت يده الحساسة، ويعمل على انتزاعها من
محدودية معانيها القاموسية فيقيم علاقة بين جرسها ومعناها سواء أكانت هذه العلاقة تجاوبًا او
.( تنافرًا)( 4
. 1) النواب: الأعمال الكاملة، ص 433 )
.http://www.alitthad.com ، 2) جسام، جاسم محمد: جدلية اللغة والرؤية في شعر مظفر النواب، جريدة الاتحاد )
. 3) اسماعيل، عز الدين: الشعر العربي المعاصر، ص 64 )
. 4) أنيس، ابراهيم: موسيقى الشعر، ص 55 )
93
في حين تبقى قلة استخدام الشاعر مظفر النواب للألفاظ المقرونة بحالة الانفعال الشديد
تحسب في صالح المستوى الفني للغته الشعرية مما يدعو إلى القول بأن تعامله مع الشعر يكون
بوصفه مهارة فنية أكثر منه حالة انفعالية، وهذا ما يفسر خلو معجم النواب من الألفاظ الوحشية
.( والخشنة( 1
إن الاقتراض من اللهجات المعاصرة يمثل أحد الاجراءات الأسلوبية التي يتخذها النواب
لتحقيق شعبية القصيدة الفصيحة الحديثة وتوليد نظام لغوي من السهل الممتنع، يقتحم النقاط
الخطرة في الاستعمال اللغوي بوعي كاف يقول النواب:
لقد خربش الحب أمسي
( وقد خرجت خربشات الهوى لغدي( 2
فقد اقترض الفعل (خربش) من العاميات العربية بمعنى الخطوط العشوائية التي لا تدل
على شيء، ليدل به على أن الحب لم يعد يعني له شيئا.
إن الاقتراض من اللهجات والاقتراب من المتن العامي اليومي يعد من أبرز الظواهر
اللغوية في شعر النواب، وقد فعل ذلك قبله بعض الشعراء القدماء مثل البهاء زهير وصفي الدين
. ( الحلي وطائفة من الزجالين الأندلسيين والمغاربة المصريين والشاميين والعراقيين( 3
أما النواب فإن اقتراضه من اللهجات المعاصرة تجاوز حدود المفردة والاثنتين والعشر
واللهجة واللهجتين إلى ما يمكن وصفه بالظاهرة الأسلوبية في لغته الشعرية، فالاقتراض جزء
من البناء اللغوي لديه، والشاعر الذي يقترض بإجادة ووعي يضيف الى رصيده اللغوي (رافدًا
جديدًا فيه من الطرافة والجدة والاثارة والايحاء .. فهو يقترض منها لأنها أكثر إيحاءً من الألفاظ
.( الفصيحة المرادفة لها، ولأنها تثير تداعيات كثيرة في ذهن المتلقي لطول مصاحبته لها) ( 4
.http://www.alitthad.com ، 1) جسام، جاسم محمد: جدلية اللغة والرؤية في شعر مظفر النواب، جريدة الاتحاد )
. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 72 )
. 3) الاسدي: دراسة في النص النوابي، ص 84 )
. 4) ينظر: غالب: لغة الشعر عند الجواهري، ص 111 )
94
وقد أطلق الأستاذ طراد الكبيسي على هذه الفاعلية مصطلح استدراج التقنية السردية في
تركيب النص الشعري حين يركب الشاعر إيقاعًا شعبيًا قريبًا، أو هو نفسه إيقاع الكلام
.( اليومي( 1
يقول النواب:
لقد خربش الحب أمسي
( وقد خرجت خربشات الهوى لغدي( 2
فقد اقترض الفعل (خربش) من العاميات العربية بمعنى الخطوط العشوائية التي لا تدل
على شيء. وقوله:
( لا إكراه ولا بطيخ( 3
وهو تركيب عامي متداول في مواضع النفي المطلق للأمور
كما استخدم الفعل (تفاهم) الفصيح ولكنه أكسبه طابعًا لهجيًا عاميًا فأصبح بمعنى (تآمر)
وذلك في قوله:
( تفاهمت مع السلطة: تشتمها وتورطنا( 4
واقترض من اللهجات المعاصرة الفعل (يداوم) بمعناه العامي المقترن بالنظام الوظيفي
الحديث وهو تطور في الدلالة توسع فيه المعنى الأصلي للمداومة أي ملازمة الشيء،
والاستمرار فيه ليكتسب دلالة غير منقطعة الصلة عن المعنى القديم إلا أنها مختلفة عنه في
الدلالة الدقيقة للمفردة، وذلك في قوله:
( يا جمهورا في الليل يداوم في قبو مؤسسة الحزن( 5
. 1995 ج 2، ص 87 ، 1) الكبيسي، طراد: المنزلات، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992 )
. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 72 )
. 3) النواب: الأعمال الكاملة، ص 117 )
. 4) نفسه، ص 118 )
. 5) نفسه، ص 481 )
95
واستخدم أيضًا مفردة (الكيف) التي لا علاقة لها بمعنى (الكيفية) المشتقة من اسم
الإستفهام (كيف) بل الكيف في الدلالة اللهجية المعاصرة مصطلح ساخر مرتبط بالعقاقير
المخدرة، وأجواء تعاطيها والمتعاطين، وذلك في قوله:
( وارتفعت أبخرة الكيف الدولي( 1
فأدى بهذا الاقتراض معنى التخبط، واللاعقلانية في مزاج العالم، كما يتضمن شعر
النواب ألفاظًا يمكن عدها مستجدة أو مولدة وإن كانت فصيحة في الاشتقاق، إلا أنها تحمل
دلالات جديدة لم تكتسبها سوى في العصر الحاضر، كما في قوله:
في البرد لا طاقما لا مضيفة
( لا مطارات حب فانزل فيها( 2
فالطاقم والمضيفة والمطار من المفردات المستحدثة في اللغة العربية، ومن ذلك أيضا قوله:
فالأنظمة العربية تشنقه قدام الدنيا قاطبة
تبقيه لساعات
ثمة تنسيق سري بين فنادقنا
أحد منكم لاحظ أن الصمت تكاثر والجرذان
وسيارات الشرطة تحبل في الطرقات
( بشكل لا شرعي وسخ( 3
إن مفردات (الأنظمة/ التنسيق السري، سيارات، شكل لا شرعي) هي مفردات وإن
كانت وطيدة الصلة بجذورها الفصحى في الاشتقاق والوزن الصرفي إلا أنها ذات دلالات
مستحدثة، واستخدام مستحدث، يجعل الشعر الفصيح شبيهًا بالشعر الشعبي من حيث اقترابه من
التداول الواقعي للغة في حياتنا اليومية.
. 1) نفسه، ص 373 )
. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 69 )
. 3) نفسه، ص 106 )
96
إن هذه المفردات والمصطلحات جزء من لغة العصر وجزء من ثقافة الشاعر، فلا
غرابة إن تسللت إلى لغته المرنة القابلة لاكتساب كل العناصر المفيدة في بيئتها اللغوية
المعاصرة وتوظيفها شعريًا لتتخذ مواضعها المناسبة في البناء اللغوي.
يقول في قصيدة (سفن غيلان ازيرج) وهي من قصائد الهم الوطني الفريدة التي لا يمكن
قياسها على أي نموذج سابق:
(( زلمنه تخوض مي تشرين ..حدر البردي تتنطر
زلمنه اتحز ظلام الليل.. تشتل ذبحة الخنجر
زلمنه الماتهاب الذبح .. تضحك ساعة المنحر
يساگي الشمس من عينك .. ابعز الشمس حُب أخضر
لون حّلت نسمة الليل .. شعرك .. تنشگ العنبر
أحط الحجل للثوار .. گمره زغيره عالمعبر
وأشيّم أترف النجمات .. فوگ شراعكم تسهر
سفن غيلان ازيرج تنحر الذاري
( لون ودّن سفنهم يمّك اخباري( 1
ونحن هنا ولأول مرة في تاريخ الشعر العامي العراقي لا نجد أنفسنا أمام حديث يومي
وصفي مباشر منحه التنظيم العروضي شكل القصيدة بل نجد أنفسنا نقف وبخشوع ودهشة أمام
الشعر بجلاله المهيب. لأول مرة تأتي المفردة (نازكة) و(نظيفة) وهادئة يتكفل احتدام روح
الشاعر المحبط الناقم المحتدم بتحميلها بألوان من الشحنات العاصفة. قبل مظفر من المستحيل
عليك – وسيضيع جهدك هباء منثورا – أن تجد في الشعر العامي العراقي تراكيب من نمط
الظلام الذي (يُحزّ) بأذرع الرجال الباشطة.. قبل النواب الخنجر يذبح ويق ّ طع ويميت ولكن على
يديه صارت عملية الذبح بالخنجر فعل (شتال) دوري عزوم..لأول مرة – وبعد أن كانت اللغة
تتلاعب بمقدرات الشاعر وفق أعرافها الاستعمالية اليومية الجمعية القاهرة – يظهر شاعر
. 1) النواب: الأعمال الكاملة، ص 193 )
97
يتلاعب باللغة وفق قدراته الخلاقة العالية . قبل مظفر كان الشعر العامي بقواعده الاستعارية
المحدودة وضيق أفق النظرة اللغوية والجمالية قد يتحمل صعود الفرد إلى ذرى الشمس بشجاعته
وجرأته، لكنه غير قادر- معرفيا وفنيا – على استيعاب تركيب مجازي ثوري يسقي فيه الفرد
عين الشمس – في عزّ جبروتها – حُبّا أخضر!! وفي أحشاء هذه الصورة الهائلة هناك تصوير
تشكيلي عجيب غائر تتقابل فيه عين الفرد مع عين مفترضة للشمس!! ،كما كانت رؤية الشاعر
الجمالية سابقا عاجزة عن أن تؤسّس لتناظر موغل في الجمال بين استدارة حجل الفتاة-الراوية
في تحوّلها من كيان ماديّ محدود يحيط بالساق إلى عنصر كوني(كمرة)-رغم أنها (زغيرة)
والتصغيرعند النواب تكبير وتضخيم من خلال صدمة الجناس التشكيلي غير المحدود – عنصر
شمولي التأثير يضيء للثوار طريق عبورهم نحو ضفة الخلاص . لقد دخل الشعر العامي
وبصورة لا سابقة لها ساحة المجاز الشعري الحقيقية ..فلم نجد قبل مظفر أن نجمة ترف فوق
الشراع، وتسهر بتأثير نخوة من امرأة تحترق عشقا لرجلها المقاوم الجبّار ….ولا امرأة تفلّ
حسرتها – بما يحمله فلّ الحسرة من معان موروثة في اللاشعور الجمعي – في شليل المحبوب
.. ولا كيف ينتهي سهر النجوم حين ينطفيء لونها الأزرق وذلك بفعل تغّني القصب بحنين
الحبيبة العارم لحبيبها الغائب:
(( زلمنه تخوض مي تشرين ..حدر البردي تتنطر
زلمنه تغني والخنجر ،يشگ الروح، (عالميمر)
لون كل الگصب غّنه بحنيني لشوفتك، يا أسمر
يسلّ الگصب سل أصفر… وأظن الماي يتمرمر
وأظن حتى النجم يطفي زراگه، ولا بعد يسهر
( وأظن أكثر( 1
ولا أعتقد أن أحدا قبل النواب اجترح وبصوت مدوّ إعلان الخطاب العاطفي في القصيدة
العامية بضمير المتكلم الأنثى. هو الذي كشف واستثمر بجسارة صوت الظلّ الأنثوي البهي في
، 1) حسن، حسين سرمك: دراسة عن النواب لملف الادب الشعبي 2011 )
.http://www.alnoor.se/article.asp?id=70667
98
شخصيته – شخصية الشاعر – هذا الظل الذي هو المسؤول عن الإبداع في حياة الإنسان عبر
كل العصور. والأدهى من ذلك أنه اجترح هذا الإعلان عشقا ثوريا تمتزج فيه نداءات القلب
الملتهبة بالهم الجمعي النضالي. إنها بادرة فريدة في مسيرة الأدب العامي العراقي أن ينبري
شاعر ليكتب خطاب امرأة تفضح حبّها العاصف لحبيب مناضل ثائر هي التي تمنحه مدّ
المعنويات مرة وتستجير بعشقه مرة ثانية وتتمزق حد الإنذلال بسبب انقطاع الرجاء وانعدام
الاستجابة المقابلة مرة ثالثة:
((يا معوّد .. دِخيل امروتك السمره
دِخيل الشوگ.. أحب جفك .. أحب إيدك ..وشوف شفاف ..لو جمره
وليالي الصيف ما ودّتلك اخباري
دَ سِيل الجاري .. يحچيلك على الجاري
سفن غيلان راحت تنحر الذاري
وحك عين التشوفك ميل ..
وأزود من مسافة ميل
( راحت تنحر الذاري ..)) ( 1
وعلى الرغم من أن لغة شاعرنا تمتاز بالبساطة في أحيان كثيرة، إلا أن الكلمة في شعره
أخذت تومئ الى ما وراء المعنى:
موتٌ عّلمني الدنيا
ونبي علمني اقتحم اللج واحمل في الماء قناديل
الرؤيا
ألهمني الدرب السريّ
، 1) حسن، حسين سرمك: دراسة عن النواب لملف الادب الشعبي 2011 )
.http://www.alnoor.se/article.asp?id=70667
99
فلما حدقتٌ اضاءت
رأيت وجوهًا في بئر النو ِ ر
كأني أعرفها أكثر مما أعر ُ ف ذاتي
ومن القصائد العامية في شعر النواب قصيدة” براءة والتي يعبر فيها عن انفصاله عن
الحزب الشيوعي جاء في فترة متأخرة، وكان الشاعر، في بداية حياته الشعرية، يهاجم أولئك الذين
يستنكرون الحزب لأنه حزب الشعب .ومهاجمته أولئك الذين يستنكرون الحزب جاء على لسان
أهلهم، تقول الأم مخاطبة ابنها، مبينة نظرتها إلى الحزب:
اللي ما مش ابه عده الحزب بوه الحزب بيته”
( الذي ليس أبوه عنده / الحزب أبوه / الحزب بيته( 1
ومن الطبيعي أن تكون باللهجة العامية العراقية، وفي اعتقادي فإن النواب وفق في ذلك
فهو أولا كتبها بلغة تناسب لغة الأم، وثانيا ليجعل من عموم الشعب مؤيدا للحزب.mothaffar 6
المعجم الشعبي:
وإذا كان سعدي يوسف قد نجح في التوليف والممازجة بين بين الفلكور والتراث الشعبي
ومابين الشعر الحديث فإن الشاعر مظفر النواب احتل مكان الصدارة في إبراز الحياة الشعبية
.( والريفية منها خصوصًا( 2
ولا بد أن نؤكد أن هذا الجوال الشيوعي الجديد، ليس شيوعيًا ثوريًا وحسب، وإنما هو
موقف أدبي على المستوى الفني كذلك يكشف عري مختلف الشعراء” الهزالى “في المناطق
المحتلة والخارج الذين يخبأون عجزهم الفني بسريالية معقدة أقرب إلى المعادلات الجبرية،
( منساقون في هذا وراء الشهرة الضبابية )”( 3
. 1) النواب: الأعمال الكاملة، ص 394 )
. 2) البندر، محمد: البيئة العراقية في شعر مظفر النواب، ص 54 )
. 3) سمارة، عادل: أربع قصائد “للنواب،ص 21 )
100
وهذا يعني أن مظفر شاعر ليس للسريالية المعقدة في أشعاره حضور، وأنه شاعر
.( واضح يلتزم بخصائص الواقعية الاشتراكية : شعبية الأدب( 1
لقد واكب مظفر الانطلاقة الواثقة لهذا النوع من الشعر منذ الخمسينات ،وساهم بشكل
كبير في تطويره وإغنائه، وتكوين مدرسته الشعرية الخاصة التي لقيت شعبية واسعة. ومن
الدلائل البارزة على هذه الشعبية أن مظفر النواب كان أحد أولئك الشعراء القلائل الذي اشتهروا
على نطاق واسع قبل أن يصدر لهم ديوان شعري مطبوع. فقد كانت قصائده المعروفة كسعود
والريل وحمد، حسن الشموس، البراءة، وغيرها تتناقلها الايدي وتستنسخ بكثرة في أوساط
.( المحبين لهذا الشعر، كما أن تلحين بعض هذه القصائد قد ساعد على انتشارها أكثر( 2
أما الاتجاه الثاني والمكمل في مسيرة الإبداع الشعري عند مظفر فيتمثل في تغلغله
وفهمه للحياة الشعبية الريفية العراقية. ولعل إقامته في أرياف العمارة قد ساعدته على التقرب
أكثر من دقائق الحياة الريفية وهموم الفلاحين وتطلعاتهم. وقد صبغ هذا الاتجاه لاحقًا على شعره
عمومًا، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال قصائده المعروفة كسفن غيلان ازيريج، عشاير سعود،
.( وللريل وحمد وهي أشهر قصائده على الإطلاق( 3
تعددت مصادر المعجم الشعبي عند النواب على النحو الاتي:
اولا: استدعاء الذاكرة الشعرية التراثية
رأينا في مباحث سابقة – كيف اكد النواب تواصله مع أسلافه، ووعيه لماضي اللغة في
خلق حاضرها ومستقبلها، وفي سياق هذا التواصل، نجد في تركيبه الشعري بؤرًا يظهر فيها
حضور الماضي اللغوي واثر الثقافة اللغوية التراثية مجسدًا في التداخل النصي أو التناص أو
تناسل النصوص، فتتداخل مفردات النص القديم ومعانيه بلغة النص الحديث، لينتج نص محدث
يذكرنا بنص تراثي، فمن ذلك قوله:
هدموا الدار
. 1) الأسطة، عادل: مظفر النواب – الصوت والصدى، ص 17 )
. 2) البندر، محمد: البيئة العراقية في شعر مظفر النواب، ص 54 )
. 3) نفسه، ص 54 )وإذاعات العرب الأشراف تبول على النار( 1
يتداخل هذا النص مع نص الاخطل في هجاء جرير:
قوم اذا استنبح الضيفان كلبهم
فتمسك البول بخ ً لا ان تجود به
قالوا لامهم : بولي على النار
( وما تبول لهم الا بمقدار( 2
تبرز قصيدة بحار البحارين “ثقافة مظفر التراثية، وبخاصة الأدبية .ويلحظ المرء أنه ملم
بالقرآن الكريم وبالشعر العربي؛ قديمه وحديثه، وبالنحو العربي ومدارسه المختلفة؛ الكوفية
والبصرية، وبالخط العربي وأنواعه.وتستعصي بعض الأسطر الشعرية التي ترد فيها إشارات
إلى ما سبق على غير المتخصص، بل إن بعض المتخصصين بحاجة، حين يقرأون القصيدة،
.( إلى الاستعانة بكتب التراث( 3
ولنأخذ المقطع التالي من” عروس السفائن: ”
“أيا وطني … ضاق بي الإناء
كأن الجمال بوادي الجزيرة سوف يطول عليها الحداء
كأن الذي قتل المتنبي لشعري ابتداء
لأمر يهاجر هذا الذي اسمه المتنبي
وتعشقه في العذاب النساء
وما قدر أنه في الجزيرة يومًا
وفي مصر يومًا
وفي الشام يومًا
فأرض مجزأة والتجزؤ فيها جزاء
عروس السفائن
. 1) النواب: الأعمال الكاملة، ص 230 )
. 2) ديوان الاخطل، 148 )
. 3) الأسطة، عادل: مظفر النواب – الصوت والصدى، ص 18 )
102
( كل على قدر الزيت فيه يضاء( 1
هكذا ينهي الشاعر نصه بأسطر من الحكمة، حكمة يتوصل إليها بعد طول معاناة،
وتذكرنا نهاية هذه القصيدة بمعلقة زهير بن أبي سلمى التي انتهت أيضًا بأبيات من الحكمة
وتذكرنا فكرة الأسطر السابقة بتصوير المتنبي العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري. إن
هجرة النواب المستمرة تشبه هجرة المتنبي المستمرة مع فارق هو أن النواب حتى الآن لم يمدح
سوى الفدائي فقط . ويبدو أن تثمين النواب للمتنبي مغاير لتثمين كثير من الدارسين له، ولعله
يرى في المتنبي شاعرًا ناقمًا، وأن هجرته المستمرة تعود إلى عدم قدرته على الانسجام مع
الواقع السياسي في حينه . أليس المتنبي هو القائل:
بكل أرض وطئتها أمم
يستخشن الخز حين يلبسه
وإنما الناس بالملوك ولا
ترعى بعبد كأنها غنم
وكان يبرى بظفره القلم
تصلح عرب ملوكها عجم
وكما كان المتنبي يهاجر ويشعر بالغربة، يشعر النواب، وهو ينتقل في الوطن العربي،
بالغربة، وليس إكثار النواب من وصف الحكام بالخصاء سوى تكرار لما قاله المتنبي في كافور
:
صار الخصي إمام ألابقين بها
فالحر مستعبد والعبد معبود
ثانيا : استدعاء الشخصية التراثية :
. 1) النواب: الأعمال الكاملة، ص 283 )
103
إن لاستدعاء الشخصية التراثية في الأدب العربي أبعادا إيحائية يقصدها الشاعر ليعبر
بها عن رؤاه وأفكاره لتصل إلى المتلقي ؛ وهو يلجأ لاستعمالها من أجل أن تحمل بعدًا من أبعاد
تجربة الشاعر المعاصر، أي أنها تصبح وسيلة تعبي ٍ ر وإيحاء في يد الشاعر يعبر من خلالها،
“( أو(يعبر بها) عن رؤياه المعاصرة( 1
نجد في قصائد النواب أسماء لشخصيات تراثية عديدة، منها قصيدته التي نحن بصدد
دراستها إذ تصادفنا أسماء كثيرة لشخصيات تراثية لابد من أن النواب قد وظفها لأبعاد دلالية
جمالية في النص حيث إن التراث احد أوجه الجمال الإبداعي قي رصيد الإنسانية ويعرفنا على
قدرة الشاعر في استلهام التراث وتمثله في الصياغة والتعبير وتوظيفه لخدمة النص وللتعبير عن
( رؤى الشاعر للحضارة وفهمه لأسرار الحياة( 2
استعمل النواب أكثر من طريقة لاستدعاء تلك الشخصيات فنجده يصرح بالاسم مباشرة
وتارة بذكر قرينة تدل على تلك الشخصية وتارة بذكر مكان من الأمكنة له ارتباط مباشر مع
الشخصية حيث ما إن يذكر ذلك المكان إلا وتبادر إلى الذهن تلك الشخصية، فمثلا قوله:
( من سجن الشاه إلى سجن الصحراء، إلى المنفى الربذي جوازي( 3
فالمنفى الربذي يحيل الذهن مباشرة إلى شخصية أبي ذر الغفاري الذي نفي الى
(الربذة). ونجده تارة يحيل بواسطة أفعال مشهورة ترتبط أيضا بشخصية معينة ارتباطا مباشرًا،
كقوله:
( من أين سندري أن صحابيا سيقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات محمد( 4
1) ينظر: استدعاء التراث الادبي – قسم 2، في تجربة فوزي عيسى الشعرية، عبد الرحيم حمدان حمدان على الموقع: )
نقلا عن استدعاء الشخصية التراثية، علي عشري ،.http://www.diwanalarab.com/spip.php?article25572
. زايد: ص 15
92 ، احمد مهيوب محمد، شبكة المعلومات العالمية: – 2) ينظر: توظيف التراث في الشعر اليمني المعاصر في الحقبة 90 )
.http://www.yemen-nic.info/contents/studies/detail.php?ID=12550
. 3) النواب: الأعمال الكاملة، ص 503 )
.. 4) نفسه، ص 457 )
104
والنواب في هذه الاستدعاءات المتكررة إنما يريد استحضار الذهن لتلك الشخصيات
والأدوار التي لعبتها، والقضايا التي كانت تتعامل معها بعد مراجعة ذهنية يقوم بها القارئ
ليصل إلى القضية التي يريد طرحها النواب.
والوتريات هي قصيدة سياسية كتبها النواب متأملا، وقارئًا للواقع العربي، والانكسارات
القومية والنكسات العسكرية، والصدمات التي يتعرض لها الإنسان العربي، وبعد أن اطلع عليها
النواب وخاض تجاربه الشخصية أخذ يعبر عنها، ويطرح مشكلاتها ويصور مآسيها.
ومن الشخصيات التراثية التي تشكل ثيمة أساسية في بدايات قصيدته هي شخصية الإمام
علي بن أبي طالب يقول النواب:
أنبيك عليا مازلنا نتوضأ بالذل
( ونمسح بالخرقة حد السيف( 1
إن ما يريده النواب من هذا الاستدعاء هو الشكوى حيث يشكو للشخصية المتمثلة بالإمام
علي بأن الشعوب العربية لازالت ذليلة ولازالت ساكتة عن حقوقها المغصوبة ولازالت تعاني
التخاذل والانكسار.
ونعتقد أن الباعث في استدعاء النواب لشخصية الإمام علي هو باعث واقعي حيث إن ما
تسببت به الحروب والانكسارات والهزائم للشعوب العربية وتخاذلها وخيبة الأمل التي أصابت
الإنسان العربي/ الشاعر أدت إلى رجوع الشاعر إلى الماضي أولا ليعيش اليوتوبيا التي فقدها
في هذا الواقع ويستذكر أمجاده:
في تلك الساعة …
( تستجلي أمجاد ملوك العرب القدماء( 2
وليذ ّ كر الإنسان العربي/ القارئ بتلك الأمجاد العربية والإسلامية ويدعوه لإعادة التفكير
والتأمل بتلك الشخصيات والأدوار التي أدتها في سبيل إرساء دعائم الدولة القوية، وهذا مادعاة
الى استحضار تلك الشخصية في النص، ((وان محو آثار الهزيمة والنهوض من جديد يتطلبان
إعادة التفكير في البنى الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، كما أدرك
.. 1) نفسه، ص 453 )
.. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 450 )
105
المثقفون العرب بعد حرب حزيران أيضا أن العودة إلى الجذور ضرورية ليس من اجل
الانطلاق على الذات وتقديس الأجداد وتمجيد الماضي والحنين الرومنسي إلى إعادته بل لمساءلة
“( الذات من خلال مساءلة الماضي والوقوف على الخصائص المميزة والهوية الخاصة( 1
إنه يشحن القارئ / الإنسان العربي من خلال استدعاءاته تلك ومنها شخصية الإمام علي
ومستوى التثوير في شعر مظفر النواب ناتج عن رؤية موضوعية للعالم عبر إدراك
موضوعي،”وموضوعية الإدراك تستلزم موضوعية موازية لها في لغة التعبير عنها، وهنا تكون
العلامة الإشارية هي العلامة المعبرة عنها إذ لا يختبر صدقها في نفسها، وما تحمل من معنى،
( بل بما تتطابق من خارج/واقع( 2
ويشير النواب مرة أخرى إلى وقعة صفين والى حادثة رفع المصاحف على أسنة الرماح
تحديدا حيث احتال معاوية بعد استشارة ابن العاص بتلك الحيلة لوقف الحرب بعد أن أحسوا
قرب نهايتهم وإن الإمام وأصحابه كادوا أن يقضوا عليهم لولا أن جيشه انقسم إلى فريقين بعد
( رؤية المصاحف مرفوعة وجال بينهم الشك فوضعت الحرب أوزارها( 3
ولاشك أن توظيف النواب لهذه الحادثة ما هي إلا من باب شكوى الحال المتردية
للشعوب العربية وما يحيط بها من المكر والخديعة والتلبس بلباس الدين فمن وجهة نظر النواب
أن الحالة السياسية في تلك الشعوب هي نفس تلك الحالة السياسية التي كانت في عهد شخصيته
المستدعاة فو يشكو إليها تلك الحال التي تعيشها الشعوب العربية:
مازال أبو سفيان بلحيته الصفراء
( يؤلب بسم اللات العصبيات القبلية( 4
1) وتار، محمد رياض: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2002 م، )
. ص 12
2) ينظر: ايقاع الصورة … بانوراما المشهد الشعري، محمد عبد العال، موسوعة دهشة، شبكة المعلومات العالمية، )
.http://www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id= على الموقع: 11823
3) ينظر: ابن مزاحم، نصر: وقعة صفين، تحقيق وشرح :عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت 1990 م، ص )
.494- 478
. 4) النواب: الأعمال الكاملة، ص 453 )
106
ومن الشخصيات التراثية التي استدعاها النواب هي شخصية الصحابي الجليل أبي ذر
الغفاري حيث يذكر له دورا بارزا في تاريخه يجعل القارئ يستدعي تلك الشخصية مباشرة،
يقول:
تختلط الريح بصوت صحابي
يقرع باب معاوية ويبشر بالثورة
( ويضيء الليل بسيف يوقد في المهجة جمرة( 1
إن ما جاء به النواب هنا استذكارا للعمليات الإعلامية والتثويرية التي كان يقودها أبو
ذر الغفاري إذ كان يجمع حوله الناس في مكة والمدينة ويحدثهم عن الرسول وكيف أنه أوصى
بآل بيته من بعده، ويحذر الخليفة آنذاك من الإسراف والظلم والعبث بمال المسلمين.
والنواب يريد أن يعيد إلى الأذهان تلك الشخصية الشجاعة التي لا تأخذها في الله لائمة
لتوعية الناس ودعوتهم إلى الحق فهو في جدل من الذكريات المرة وذكريات الأمجاد
والشخصيات البطولية.
ويأتي النواب على ذكر شخصية أخرى وهي شخصية رابعة العدوية، وهي عابدة
ومتصوفة تاريخية وإحدى الشخصيات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعتبر مؤسسة
أحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب العشق الإلهي.
يا طير هنالك في أقصى قلبي دفنوا رابعة العدوية
( وبكيت وشب الدمع لهيبا( 2
فنتيجة هذا الظلم والاضطهاد والتشريد وما يتعرض له يوميا وما يشاهده من أنواع
التعذيب والاستبداد قتلوا في نفسه ذلك العشق الروحي دفنوا في أقصى قلبه تلك الروح البريئة
التي تعشق كل الأشياء ولا تعرف شيئا إلا الحب.kh mothaffar 1
ثالثا : الأغاني الشعبية:
لاريب أن شاعرنا يشكل محطة مهمة من محطات الشعر العراقي، كونه يمتلك قدرات
كبيرة وبإمكانه أن يمنح شعره خصائص جديدة، بالرغم من أنه يستمد جميع تجاربه على
. 1) نفسه، ص 454 )
. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 463 )
107
الإطلاق من آلامه التي يرى فيها المنبع الأصيل لشعره، إنه من أولئك الشعراء الذين استطاعوا
أن يحتفظوا باتزانهم دومًا، وأن يحققوا طورًا خاصًا من أطوار الشعر الشعبي العراقي أو على
الأقل قد نهض بعبء كبير منه، وقد استطاع دائمًا عن طريق المثل والأسطورة والأغنية
الشعبية، أن يعبر عن تلك الفترات التي عاشها، بما فيها من معاناة وانطلاق وأحزان وتضحيات،
وأن يصوغ الكلمة التي تسقط إلى أعماق النفس وتهز المشاعر، حتى تحولت قصائده إلى أغانٍي
شعبية تمكنت من أن تحتفظ بشبابها وبشعرها الأسود أحقابًا طويلة لما تحمله من زخم شعري
.( راقٍ في كلماتها وصدق تعابيرها( 1
لقد انتقل النواب بحسه المرهف وأفكاره الرمزية الصورية ذات الوضوح الدلائلي إلى
جوهرة الانفتاح اللغوي لأبواب النصوص الشعبية بغزلها مفردات تترادف بين التعابير مُخرزًة
بالوسط البغدادي والسرد اللغوي الفصيح ما أنتج حداثة شعرية ذات مساحة جغرافية شاملة نبعت
من ثقافة النواب اللغوية حامل ً ة التواضع الشعبي في كنوزها الأدبية المرهفة التي عملت بالتالي
على ترسيخ أبياته في طبقات الوسط الشعبي المختلفة، وعلى السنت المتناغمين لكثير من قصائده
ومنها نذكر:
فار ً كيتْ انته السفيَنه وانه جايبلَك بحرْ
خِفِتْ!! مايكفيك عشكَ الناس
توصلْ فرح َ كلبكْ..
َ كٌعديتْ الثلج من نومه الثجيلْ
وسلسَلتْلَكْ حزن َ كلبي سلسَبيلْ
جِبتْ سلطان الحلمْ…
( شِفتَكْ مِثل ممسوح بغياب الشمس( 2
.http://www.alitthad.com ، 1) حسام، جاسم محمد :جدلية اللغة والرؤية في شعر مظفر النواب، جريدة الاتحاد )
2) زكي، منذر: اللغة في الشعر الشعبي وحداثة النواب المعاصرة، 2011 )
.http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=6753
108
لقد وصلت البساطة في شعر النواب حد التوحد مع لغة الحدث اليومي العادي المألوف،
حتى أننا نجد مقاطع وعبارات نثرية بين بين ثنايا النص النوابي، ذلك أن اهتمام اليساريين
والماركسيين بإيصال النتاج الأدبي للجماهير، وتأكيدهم أهمية اللغة الشعبية، كذلك وعيهم
بواقعهم واهتمامهم بما يدور حولهم من مشكلات تهم الناس انطوى على قدر كبير من التحرر
.( إزاء اللغة( 1
كذلك نجده يذكر أسماء بعض الأغاني الشعبية المصرية التي اشتهرت في أيام مقاومة
الاستعمار الإنكليزي والعدوان الثلاثي، وهو يذكرها وفقًا لنطقها في اللهجة المصرية المعاصرة،
فنجده قد أبدل الذال زايا في كلمة ( التلامزة )، كما ينطقها المصريون
غنيهم بايام التلامزة
( وبعم حمزة وبيت لبيت والله اكبر( 2
دون أن يحذفها ؟ يرد في” وتريات ليلية “السطر التالي:
( “ماذا يدعى أن تتقنع بالدين وجوه التجار الأمويين؟( 3
وفيه إشارة واضحة إلى رموز النظام في دمشق، ولم يرد هذا السطر منفردًا ليبدو كأن
الشاعر يشتم السوريين دون غيرهم، إنه يرد في سياق شتم الأنظمة العربيةكلها، بعد أن أبدى
الشاعر استعداده لأن يقف والحكام العرب أمام الصحراء حتى تحكمفيهم جميعًا، وبعد شتمه ذاته،
واعترافه بأنه مبتذل، وبذيء وحزين، كهزيمتهم : هزيمةالحكام وهزيمة الجمهور، هزيمة هؤلاء
( كلهم دون استثناء أحد( 4
القضايا الصوتية في عامية النواب:
.http://www.alitthad.com ، 1) جسام، جاسم محمد :جدلية اللغة والرؤية في شعر مظفر النواب، جريدة الاتحاد )
. 2) النواب: الأعمال الكاملة، ص 217 )
. 3) نفسه، ص 9 )
. 4) نفسه، ص 10 )
109
لقد اهتمت الباحثة في ثلاث قضايا مهمة في قصائد النواب العامية، وهذا لا يعني أنه لا
يوجد سواها، ولكن لبروزها آثر الباحثة أن يناقشها، ويفسرها تفسيرًا صوتيًا موضحًا رأي علماء
الأصوات فيها وهي: تخفيف الهمزة، وقلب القاف إلى كاف، والتخلص من المزدوج الحركي.
أو ً لا: تخفيف الهمزة:
ذهب سيبويه إلى أن مخرج الهمزة من أقصى الحلق يقول:” فللحلق منها ثلاثة مخارج:
. ( فأقصاها مخرجا “الهمزة والهاء والألف”( 1
أما الخليل فقد وضع الهمزة في مخرج الجوف وقد نص على ذلك بقوله:” وأربعة
حروف جوف وهي: الواو والياء والألف اللينة والهمزة، وسميت جوفا لأنها تخرج من الجوف،
فلا تقع في مدرج من مدارج اللسان ولا من مدارج الحلق ولا من مدرج اللهاة، وإنما هي هادئة
.( في الهواء فلم يكن لها حيز تنسب إليه إلا الجوف”( 2
والهمزة عند ابن عصفور تخرج من أقصى الحلق يقول “أقصى الحلق تخرج :الهمزة
.( والألف والهاء” ( 3
ويذكر ابن يعيش أن مخرج الهمزة من أقصى الحلق يقول : فمن ذلك الحلق وفيه ثلاثة
مخارج فأقصاها من أسفله إلى ما يلي الصدر مخرج الهمزة ولذلك ثقل إخراجها لتباعدها ثم
.( الهاء وبعدها الألف”( 4
يتضح مما سبق الخلاف البين في نسبة الهمزة إلى مخرج معين، وترتيبها في المخرج
الواحد فعند سيبويه تخرج من أقصى الحلق وجعل الهمزة بعدها الهاء ثم الألف، أما ابن عصفور
1988 م، ، 1) سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر: الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي- القاهرة، ط 3 )
.433/4
.57/ 2) الفراهيدي، الخليل: العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، مؤسسة دار الهجرة للنشر، 1409 ه.، 1 )
.669/2 ،،1996 ، 3) الاشبيلي، ابن عصفور: الممتع في التصريف، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان، ط 1 )
.124/ 4) ابن يعيش: شرح المفصل، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، 2001 م، 1 )
110
فقد جعلها: الهمزة فالألف، فالهاء وابن يعيش كذلك، أما الخليل فقد جعلها من الجوف مع زمرة
الألف والواو والياء.
صفة الهمزة :
وصفت الهمزة عند القدماء بأنها صوت مجهور شديد يقول سيبويه :” فأما المجهور
فالهمزة والألف والعين ……………” ( 1). والمجهور عنده هو :”حرف أشبع الاعتماد في
.( موضعه ومنع التنفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت ” ( 2
ويقول في صفة الشدة :” ومن الحروف الشديدة وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه
وهو الهمزة والقاف ………وذلك أنك لو قلت الحج ثم مددت صوتك لم يجر ذلك”( 3) والهمزة
.( صوت ثقيل ولها نبرة كريهة تخرج من الصدر كالتهوع” ( 4
ويقول ابن يعيش في ذلك: “اعلم أن الهمزة حرف شديد مستثقل، يخرج من أقصى الحلق
إذ كان أدخل الحروف في الحلق ما ستثقل النطق به إذ كان إخراجه كالتهوع فلذلك من الاستثقال
شاع فيها التخفيف وهو لغة قريش وأكثر أهل الحجاز، وهو نوع استحسان لثقل الهمزة والتحقيق
.( لغة تميم وقيس”( 5
الهمزة عند المحدثين:
.434/ 1) سيبويه، الكتاب، 4 )
435/ 2) نفسه، 4 )
440/ 3) نفسه، 4 )
.548/ 4) نفسه، 3 )
.107/ 5) ابن يعيش، شرح المفصل، 9 )
111
لم يكن المحدثون أكثر اتفاقا من القدماء حول الهمزة، ولكنهم متفقون من حيث المخرج :
فهي من الحنجرة، أما من حيث الصفة فقد دار بينهم جدل حول صفة الهمزة ولكنهم جميعا
يهبون إلى عدم جهرها . فالجهر صفة أطلقها اللغويون القدامى، ويكمن الخلاف بين المحدثين
في هيئة الوترين الصوتيين، فمنهم من يرى أن الهمزة لا مجهورة ولا مهموسة ومنهم من
يصفها بالهمس، وفيما يلي أراء بعض المحدثين حول الهمزة :
1. رأي إبراهيم أنيس:
لقد نعت إبراهيم أنيس الهمزة المحققة بأنها صوت شديد لا هو بالمجهور ولا بالمهموس،
واعتمد في هذا الوصف، على طريقة إنتاج الهمزة المحققة، ففي أثناء إنتاجها “تنطبق فتحة
المزمار انطباقا تاما فلا يسمح بمرور الهواء إلى الحلق، ثم تنفرج فتحة المزمار فجأة فيسمع
صوت انفجاري هو ما يعبر عنه بالهمزة، فالهمزة إذن صوت شديد، فلا هو بالمجهور ولا
( بالمهموس”( 1
2. رأي كمال بشر:
يرى كمال بشر أن الهمزة صوت لا مجهور ولا مهموس. يقول: “ويتم نطق هذا
الصوت بان تسد فتحة المزمار الموجودة بين الوترين الصوتيين، وذلك بانطباق هذين الوترين
انطباقا تاما وحبس الهواء خلفهما، بحيث لا يمر من الحنجرة إلى الحلق وما بعده، ثم ينفرج
( الوتران الصوتيان فيخرج الهواء فجأة محدثا صوتا انفجاريا “( 2
وقال عن وضع الوترين الصوتيين في أثناء النطق بالهمزة ،إنهما لا يوصفان بالذبذبة أو
عدمها فالوتران الصوتيان مغلقان إغلاقا تاما، فلا ذبذبة ولا مجال لخروج الهواء من بينهما،
( فهو صوت لا بالمجهور ولا بالمهموس”( 3
3. رأي محمد جواد النوري :
. 1) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية، ص 90 )
. 1986 ، ص 91 ، 2) بشر، كمال، دراسات في علم اللغة، دار المعارف للنشر – مصر، ط 9 )
. 3) نفسه، ص 92 )
112
وقد ذهب النوري إلى أن الهمزة لا مجهورة ولا مهموسة أيضا. يقول :”عند النطق بصوت
الهمزة، وتعني بها همزة القطع تفضل الفتحة التي تبين الوترين الصوتيين إقفالا تاما مما يؤدي
إلى احتباس الهواء الصادر من الرئتين عبر القصبة الهوائية فيما دون الحنجرة، ثم ينفرج
،Plosive محدثا صوتا انفجاريا Glottis الوتران الصوتيان فيخرج الهواء فجأة عبر المزمار
( لا هو بالمهموس ولا بالمجهور”.( 1mothaffar 9
4. ومن الذين أخذوا بهذا الرأي محمود السعران حيث يذهب إلى أن الهمزة يعني همزة القطع
( صوت لا هو بالمجهور ولا بالمهموس على الأغلب . ( 2
ومن العلماء المحدثين من وصفھا بالھمس ومن ھؤلاء:
1. رأي عبد الصبور شاهين يقول: “الهمزة من الناحية الصوتية فهي صوت يخرج من
الحنجرة ذاتها نتيجة انغلاق الوترين الصوتيين، ثم انفتاحهما في صورة انفجار مهموس ،فهي
( إذن صوت حنجري انفجاري مهموس”( 3
2. رمضان عبد التواب :“يرى أن الهمزة مهموسة، ويأتي حكمه هذا من ناحية أن الأوتار
. ( الصوتية معه تغلق تماما، فلا اهتزاز فيها( 4
3. تمام حسان :يذهب إلى أن الهمزة مهموسة يقول :”وتأتي جهة الهمس في هذا الصوت من
.( أن إقفال الأوتار الصوتية معه لا تسمح بوجود الجهر في النطق “( 5
4. عبد الرحمن أيوب:ذهب عبد الرحمن إلى همس الهمزة يقول :”ولا يمكن حال النطق
بالهمزة أن تظل الأوتار الصوتية على ذبذبتها، ضرورة أن الانحباس في هذه الحالة يتم بانطباق
الأوتار الصوتية انطباقا تاما وهو أمر يناقض التذبذب، ومن أجل هذا نقول بأن الهمزة مهموسة
.( لأن الهمس يعني عدم التذبذب “( 6
. 1) النوري، محمد جواد: فصول في علم الأصوات، مطبعة النصر التجارية، 1991 م، ص 231 )
. 2) محمود، السعران: علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت، 1997 ، ص 170 )
. 3) شاهين، عبد الصبور: القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديثة، مكتبة الخانجي – القاهرة، 1966 م، ص 24 )
. 4) عبد التواب، رمضان: المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، مكتبة الخانجي- القاهرة، 1982 م، ص 56 )
. 5) حسان، تمام، مناهج البحث في اللغة، ص 97 )
. 6) أيوب، عبد الرحمن، أصوات الفقه، ص 183 )
113
في الواقع، فإنّ الإنسان، في نطقِهِ لأصوات لغتِهِ، يميل إلى الاقتصاد، في المجهود
العضلي، وتَلمُّس أسهل السبل، مع الوصول إلى ما يهدف إليه من إبراز المعاني وإيصالها إلى
المتحدثين معه، فهو يميل إلى استبدال السهل من أصوات لغته، بالصعب الشا ّ ق الذي يحتاج إلى
مجهود عضلي أكبر( 1)، ويمارسُ المرءُ هذا السلوك على نح ٍ و غير إراديّ ولا شعوري، كما
يتميز ببطء في خطه التطوريّ، إ ّ لا أنّ التطورات الناجمة عن هذا السلوك عبر فترات من
الأجيال تترك أثرها الواضح في المسار التطورّي لل ّ غة.
قانون ) (law of least effort) وقد بحث العالم الأمريكي (ويتني) قانونًا أطلق عليه
الجهد الأقل)، فهو يرى أن كل ما نكتشفه من تطور في اللغة، ليس إ ّ لا أمثل ً ة لنزعةِ اللغات إلى
توفير المجهود الذي يُبذل في النطق، وأنّ هناك استعدادًا للاستغناء عن أجزاء الكلمات التي لا
.( يضر الاستغناء عنها بدلالتها( 2
وتعدّ ظاهرة الهمز، أي النطق بالهمزة وتحقيقها، واحدة من الأمثلة، التي يمكن الاستعانة
بها في مجال توضيح قانون الجهد الأقلّ.
ففي الوقت الذي عزفت فيه القبائل الحجازية، وعلى رأسها قريش، وما جاورها، عن
تحقيق هذا الصوت في نطقها، ومالت إلى تسهيله تحقيقًا للسهولة في الأداء النطقي، وجدنا القبائل
البدويّة، وعلى رأسها تميم، وما جاورها، تحقق النطق بالهمز، فقد رُوي عن أبي زيدٍ الأنصاريّ
النص التالي: ” أهلُ الحجاز وهَُذيْل، وأهل مك َ ة والمدينة لاينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر،
فقال: ما أخذ من قول تميم إ ّ لا بالنبر_ وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا،
.( وقال أبو عمر الهذلي: قد توضي ُ ت فلم يهمز وحولها ياءً، وكذلك ما أشبه هذا من باب الهمز”( 3
وقال الفراء: “وقولهُ (تأكل منسأته) همزها عاصم والأعمش، ولم يهمزْها أهلُ الحجاز
.( ولا الحسن، ولعّلهم أرادوا لغة قريش، فإنهم يتكون الهمز”( 4
. 1) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية، ط 6، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1984 م، ص 234 -ص 235 )
2) مجلة النجاح للأبحاث، مجلة علمية محكمة، تصدر عن جامعة النجاح الوطنية، مركز التخطيط والمخطوطات للنصر، )
. نابلس، المجلة الثانية، آب 1990 ، العدد الخامس، ص 121
.14/ 3) مقدمة لسان العرب لابن منظور، 1 )
. 4) الفراء، أبو زكريا يحيى بن زياد، معاني القرآن، ج 2، تحقيق محمد علي الّنجار، القاهرة، 1972 م، ص 356 )
114
وصوت الهمزة هذا صوتٌ عسيرُ النطق، ويحتاج إلى جهدٍ عضلي قد يزيد على ما
يحتاج إليه أي صوت آخر مما “يجعلنا نعّد الهمزة أشق الأصوات ومما جعل للهمزة أحكامًا
.( مختلفة في كتب القراءات”( 1
أما بالنسبة لسبب صعوبة النطق بهذا الصوت لابدَّ لنا من توصيف لهذا الصوت اللغوي،
فعند النطق بهذا الصوت، ينطب ُ ق الوتران الصوتيان انطباقًا تامًا، فيحتبس الهواء خلَفهما، فينجمُ
عن ذلك ضغطٌ متزايدٌ من الهواء المتراكم خلف نقطة الإغلاق، الأمر الذي يؤدي لدو ِ رهِ إلى
انفرا ٍ ج مفاجئٍ للوترين الصوتيين، وحدوث صوت انفجاري، وهذه العملية _بلا شك_ تحتاج إلى
.( بذل كثير من الجهد العضلي الذي يفرُّ منه بعض الناطقين ما وجدوا إلى ذلك سبي ً لا( 2
ولذلك فقد مالت اللهجا ُ ت العربية في العصور الإسلامية إلى تخفيف الهمزة، والفرار من
نطقها.
فالهمزة المشكَّلة بالسكون قد تسقط من الكلام، ويُستعاض عن سقوطها بإطالة صوت
اللين قبلها، فينطق بعض القرّاء “يومنون” في “يؤمنون” و”ذيب” في “ذئب” و”راس” في “رأس”
والأمثلة على هذه الظاهرة كثير، تملأ كتب التراث، كما أّنها ُتعَدَّ في كثير من اللهجات العربية
.( القديمة والحديثة، معلمًا من معالم التطور الصوتي لّلغة العربية( 3
ومن ذلك كّله نستنتجُ أن ظاهرة الهمز لها واقع في الفصحى وهي ليست قصرًا على
اللهجات العامية التي –بدورها- مالت إلى نطقها مي ً لا للسهولة.
وكلمة َل ِ هلْنا: أصلها لِأهلنا المكوّنة من حرف الجر اللام والاسم المجرور (أهلنا) وتنطبق
عليها كذلك ظاهرة الهمز.
“كِبل ذاك اليوم
تاكلني العجارب
يجي يوم:
. 1) انيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية، ص 90 )
. 2) مجلة النجاح للأبحاث، ص 123 )
. 3) نفسه، ص 125 )
115
الفرح..
.( يأخذ كل مساحي الحلم”( 1
“حتَّه خيالك بالحلم
( خايف يجي”( 2
خايف: أصلها خائف، وسبق تحليل ذلك في ظاهرة الهمز.
يجي: أصلها يجيءُ مضارع جاء وسبق تحليلها في ظاهرة الهمز.
وكلَّ ذلك يتعلق بظاهرة الهمز وقانون ( الجهد الأقل) الذي بَيَّناه في الصفحات السابقة.
.( ” بَسْ ندري بعلي واقف ورى الشباك”( 3
ورى: أصلها: وراء، وذلك هروبًا من نطق الهمزة الشاق.
ولكنّ من الخطر أن تلتبس كلمة (ورى) مع كلمة (الورى). الواردة في الفصحى.
“معروفة المذاهب سنة وشيعة إخوان
.( أنت منين لا منهم ولا منهن”( 4
( وماني بايعها… ( 5
ماني: أصلها: ما أنا ولوحظ التغيير الذي حصل في الكلمة، فهي تتعل ُ ق بظاهرة الهمز
في (أنا) فض ً لا عن المد الحاصل في الياء بد ً لا من الألف لأنّ العامة تميل إلى المدّ للسهولة
النطقية.
“مثل ما تبريت من شعبك
( تبرينا من اسمك ويا شعب هذا التْشوفه”( 1
.65/ 1) ابن أحمد، الخليل: العين، تحقيق عبد الله درويش، مطبق العاني، بغداد، 1967 م، 11 )
. 2) يعقوب، أوس داوود. مظفر النواب، شاعر الثورات والشجن، من قصيدة: يا ريحان، ص 402 )
. 3) نفسه، ص 439 )
. 4) نفسه، ص 441 )
5) نفسه، من قصيدة: حجّام البريس، وهو اسم شخص (ثوري) من الف ّ لاحين، أيام مشاركة مظفر النواب في الكفاح )
. المسّلح في أهواز الجنوب، ص 418
116
تبريت: أصلها، تَبَرّأْ ُ ت.
تبّرينا: أصُلها، تبرّأْنا.
ثانيا: قلب القاب كافًا:
وحتى نقف على حقيقة التحققات النطقية لصوت الكاف لا بد من عرضه على العلماء
الذين بحثوا ذلك في علم الأصوات.
يعد صوت الكاف من الأصوات الخلافية بين القدماء والمحدثين، فقد عده القدماء من
الأصوات المجهورة، ومخرجه من أقصى الحنك، أي انه صوت حنكي، يقول سيبويه :” ومن
مخرج أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف”( 2) ،أما الخليل بن أحمد فقد عده
لهويا( 3)، وهو في هذا الوصف يتفق مع المحدثين إذ أنهم نسبوه إلى مخرج اللهاة( 4) وهو من
الأصوات المهموسة ( 5). وقد تناول علماء اللغة المحدثون المسار التاريخي لصوت القاف وما
. ( طرأ عليه من تطور ( 6
لقد تعددت الأشكال النطقية لصوت القاف في البيئات الاجتماعية المختلفة في فلسطين،
وقد رسم التفاعل الاجتماعي التبدلات المختلفة لهذا الصوت، علاوة على البيئة الجغرافية التي
تحدد مسار نطق بعض الأصوات، ولا يغيب عن بالنا ما للطبقة الاجتماعية من دور كبير في
التمثلات النطقية لصوت القاف .
ويمكن رصد التبدلات لصوت القاف كما يأتي :
. 1) يعقوب، أوس داوود. مظفر النواب، شاعر الثورات والشجن، من قصيدة الأم، ص 416 )
.433/ 2) سيبويه، كتاب سيبويه، 4 )
.58/ 3) ينظر، الخليل، العين، 1 )
. 4) ينظر، تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 79 )
. 5) ينظر، إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، ص 84 )
. 22 . ومحمد جواد النوري، علم الأصوات العربية ص 84 – 6) ينظر: رمضان عبد التواب، التطور اللغوي، ص 20 )
117
نلحظ هذا التحقق لصوت القاف في بعض القرى إذ يسعى الناطقون إلى قلب القاف كافا
في السياقات النطقية المطلقة فيقولون :
kaa\la كال qaa\la قال
kal \ bii كلبي qal \ bii وفي قلبي
ka\lam كلم qa \lam قلم
وبمعنى أن صوت القاف تحول إلى كاف أي أنهم عمدوا إلى تقديم المخرج من اللهاة إلى
الطبق وهو مخرج مجاور لمخرج القاف الفصيحة.
َ كبل: أصلها “َقبْل” فقلبت القاف كافًا لسهولة النطق، فصوْت القاف هو صوت شديد
يخرج ” من أقصى اللسان، وما فوقه من الحنك الأعلى، أو من اللهاة فهو صوت مجهور عند
.( القدماء مهموس عند المحدثين( 1
ومن الأمثلة على ذلك من شعر النواب قوله في قصيدته عشاير سعود.
يمشي بهيبة … للدولة
علكنا لك علة الصوبين
علكة،
( عيون مشتعلة( 2
هذولة إحنا بأمل … يسعود …
( كل نجمة انتلكاها( 3
ولا جاسها بكطرة، المطر
واتعنيت …
، 22 . ومحمد جواد النوري، علم الأصوات العربية، ص 84 – 1) ينظر: رمضان عبد التواب، التطور اللغوي، ص 20 )
ص 65
. 2) يحيى، أحلام. مظفر النواب سجين الغرب والاغتراب، ص 40 )
. 3) نفسه، ص 41 )
118
( ليلة … وَيَه ال ُ كمَر( 1
ثالثًا: التخلص من المزدوج الحركة:
وللوقوف على حقيقة ماهية مزدوج الحركة لابد من بحثه عند اللغويين حتى نرى
مطابقة ذلك بما سنحلله من الكلمات، تباينت المسميات عند اللغويين لمصطلح المزدوج الحركي
فنعتوه بالصوت المركب يقول إبراهيم أنيس: “التقاء صوتي لين أحدهما مقطعي والآخر غير
2) ويطلق عليه المطلبي ) Diphbhoues مقطعي ينتج عادة ذلك الصوت المركب الذي يسمى
.( “صوت المد المركب”( 3) ويسميه الشايب المزدوج( 4) ويطلق عليه كناعنة الحركة المزدوجة( 5
لا شك أن معضلة المصطلح في الدراسات اللغوية الحديثة مشكلة كبيرة تبين عدم الفهم
الواضح له، لأنه يعتمد على الترجمة الحرفية. يقصد بالحركة المزدوجة، تلك الحركة التي تقع
في أثناء إنتاجها ومعنى هذا أن اللسان ينتقل Quality ضمن مقطع واحد والتي يتغير نوعها
في أثناء إنتاج هذه الحركة من موضع نطق حركة إلى موضع نطق حركة باستمرار ودونما
توقف، فاللسان يتخذ في أثناء نطق الحركة المزدوجة وضعا معينا ثم ما يلبث أن يغيره إلى
وضع جديد. فالحركة المزدوجة بناء على ذلك هي “تتابع مباشر لصوتي علة أي (حركة)
.( يوجدان في مقطع واحد فقط”( 6
. 1) نفسه، ص 42 )
2) انيس، ابراهيم، الأصوات اللغوية 161 )
. 3) المطلب: غالب في الأصوات اللغوية ص 43 )
. 4) الشايب فوزي، اثر القوانين الصوتية، ص 408 )
. 5) كناعنة، عبد الله، اثر الحركة المزدوجة، ص 19 )
. 6) النوري، محمد جواد فصول علم الأصوات، ص 256 )
119
ويعرفها ماريو باي بأنها “صوت يتكون من صائتين أي حركتين بسيطتين أو صائت
bife في (ay) بسيط وشبه صائت أي شبه حركة أو نصف حركة متتاليين في مقطع واحد مثل
1) ويرى كناعة أن الحركة المزدوجة هي ” تتابع الحركة وشبه الحركة في )”cow في Law و
.( مقطع واحد”( 2
ويعني بالحركات صوائت الفتح والضم والكسر القصيرة والطويلة أما شبه الحركة فالواو
( والياء الصامتان، لأنهما يتحملان الحركة كما يتحملها الصامت. ( 3
ويرى الشايب أن المزدوج عبارة عن رمزين يمثلان صوتا واحدا يشير الأول منهما إلى
.( نقطة الابتداء بينما يحدد الآخر اتجاه الحركة”( 4
إن اضطراب التعريفات المختلفة لدى علمائنا يدخل الشك في وجود هذه الحركة في
اللغة العربية . ويجهد علماؤنا أنفسهم في تقسيمات هذه الحركة وتصنيفاتها.
ومنها Monophuthong يقول عبد القادر عبد الجليل :” من هذه العلل ما يكون بسيطا
والأولى حين تلتزم مقطعا ثابتا وهو ما يؤشر في النسبة ،Complex – vowel ما يكون مركبا
الغالبة من الصوائت العربية أما الثانية فإنها تتميز عند نسجها في النسبة الغالبة من الصوائت
العربية أما الثانية فإنها تتميز عند نسجها بجملة من الانتقالات التكيفية من أجل البناء القيمي لها.
إن ما يميزها النوع من العلل هو كونها ثنائية التركيب ويوجد منها نوعان في العربية وهما
(5)” (aw) و (ay)
وأطلق عليها عبد الصبور شاهين مصطلح الإنزلاق حيث يقول :” إننا نفرق بين حالتين
bay\tun تقع فيهما كل من الواو والياء الأولى :أن يكون الانزلاق نهاية مقطع مقفل مثل بيت
. yau\sir و ياسر wau\cid والثانية ” أن تكون بداية مقطع مثل : واعد qaw\mun وقوم
. 1) الخولي، محمد علي، معجم علم اللغة النظري ص 7 )
. 2) كناعة، اثر الحركة المزدوجة، ص 9 )
. 3) ينظر: بشر، كمال: دراسات في علم اللغة، ص 17 )
. 4) الشايب، اثر الواني الصوتية، ص 408 )
. 5) عبد الجليل، عبد القادر، علم اللسانيات الحديثة، ص 319 )
120
الأولى : تؤكد الخاصة الحركية للصوتين وهو ما يسمى بالمقطع الهابط والثانية : تبرز
.( الخاصة الصائتية لهما وهي ما يسمى بالمقطع الصاعد( 1
منين أصُلها مِنْ أَيْن وتحليلُ ذلك أن العامية تميل إلى الهروب من الحركات المزدوجة،
( والحركة المزدوجة هي: “نط ُ ق حرفيْ علةٍ في مدة زمنية لا تصلح إ ّ لا لنطق حرف علة واحد”.( 2
وبيانُ ذلك: أيْن: فالحركة المزدوجة تتمثلُ في نطق الفتحة فوق الألف، ثم نطق السكون
فوق الياء وهذا يتمثل في صعوبة نطقية يميل الناط ُ ق إلى تخفيفها بحركة مفردة بد ُ لا من
.( المزدوجة( 3
وَخِضْرتْ عيني بدمعها…
. Ceenii وتحولت إلى Caynii عيني: اللهجة العامية َ خفََّفتْ نطقها فأصلها
.32- 1) شاهين عبد الصبور، المنهج الصوتي للبنية العربية، ص 31 )
. 2) النوري، جواد، فصول في علم الأصوات، ص 257 )
. 3) النوري، جواد، فصول في علم الأصوات، ص 258 )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.