رمزي حسن : نقض مركزية السارد في رواية (خرائط الشتات)*

rabzi hasanتعرض رواية (خرائط الشتات) للقاص محمد عبد حسن تمثيلا سرديا مغايرا لميراث السرد التقليدي، فهي تقدم لنا عالما مجزأ، مفككا، ربما كانت “التشظي” هي الكلمة الملائمة لوصف بنيته، فهناك من جهة تشظ في المتن الحكائي، يتمثل بالمدونات المبعثرة التي يتشكل منها النسيج الروائي، وهناك من جهة أخرى تشظ في المبنى الحكائي، حيث يتخذ العمل شكل مدونات يوميات تكتب بغير تسلسل او نظام.
حكاية المهاجرين العراقيين:
ويحرص الكاتب على خلخلة السرد وتقديمه على نحو غير مترابط، بحيث يخيل للقارئ أن الكاتب لم يكن يحكم السيطرة على مادته، ولم يدرك إلا بعد قراءة متمعنة، واعية، أن هذا التشظي إنما هو جزء من الاستراتيجية التي يعتمدها الكاتب في بناء روايته.
تروي (خرائط الشتات) حكاية المهاجرين العراقيين في المنفى، ضحايا الحروب والسياسات الخاطئة التي انتهجها النظام الفاشي تجاه شعبه، ما اضطرتهم إلى الهجرة خارج البلاد وبالتالي التشتت والضياع في المنافي حيث يعيشون في الفنادق الرخيصة والغرف الكئيبة ويتنقلون في الشوارع والمقاهي والحدائق بحثا عن الخلاص.
تتكون الرواية من متنين سرديين، الأول قصير جدا لا يتجاوز الثلاث صفحات، يرويه مهاجر عراقي يعيش في (الزاوية)، إحدى المدن الليبية، وموقعه قريب من المنفذ البحري الذي يستخدمه المهربون لرفد السواحل الايطالية بالمهاجرين غير الشرعيين، جعله محطة للكثير من الهاربين من عسف الأنظمة عراقيين وعرب، يودعون لديه أماناتهم (حقائب وملابس وأشياء أخرى)، ومن بين تلك الأمانات حقيبة تعود لأحد العراقيين، يودعها لديه ثم يختفي، دون أن يعرف عن أمر اختفاءه شيئا، يهملها السارد لفترة ثم يتملكه الفضول فيقوم بفتحها وتفقد محتوياتها، فيجد في هذه الحقيبة، من بين ما يجد، دفترا مغلفا بورق ملون مربوط بسلك رفيع احمر: “تصفحته على عجل فشد انتباهي، ولما كنت أحزم أمتعتي للعودة إلى الوطن ولا أجد الوقت الكافي لقراءته.. أجلت ذلك إلى وقت أكون فيه أكثر هدوءا. وهكذا حصل. فالأوراق التالية هي كل ما وجدته في دفتر الرجل الذي أشك في أن ذاكرتي تحتفظ باسمه صحيحا”.
تجليات الذات الساردة:
وهكذا يمهد المؤلف الضمني، الذي كان دوره محدودا لظهور السارد المركزي، ثم ينسحب كليا، لتنفتح الرواية على المتن الداخلي، الذي يشكل المتن الأساس للرواية، الذي يبدأه السارد بهذه المدونة التي استهلها بضمير المخاطب: “يستفزك بياض الورق المبسوط أمامك لليوم الثالث دون أن تكتب شيئا، وبقدر استفزازه لك.. فإنه يجعل الأحداث في رأسك تغلي كمرجل مسجر لا يجد ماءه منفذا للخروج.. يعجز رأس قلمك عن اللحاق بالأحداث وهي تمر أمام عينيك كالبرق الخاطف.. “.mohammad abd hasan
وغالبا ما يستهل السارد حكايته بضمير المخاطب، فيما يشبه المونولوج، ممهدا الدخول إلى عالمه الخاص، ليتحول السرد بضمير المتكلم، فهو عندما يوجه خطابه إلى الآخر، إنما يفعل ذلك ليروي حكايته، حيث يتماهى السارد مع المخاطب، الذي يصبح أحد تجليات الذات الساردة، ولنأخذ مثالا آخر على ذلك في هذا المقطع، حيث يلتقي امرأة بعد غياب طويل من اللقاء بأنثى: “منذ متى لم تحدث امرأة بكل هذا القرب؟ حتى الحلم بأنثى.. أية أنثى، لم يكن يراودك، وها هي واحدة تتحدث إليك عن قرب وتسير أمامك، ليس بعيدا عن ناظريك، تستطيع قراءة خطوط الجسد من وراء جلبابها الواسع الطويل، في منتصف الطريق التفتت إلي فرأتني خلفها.. وعندا انعطفت في أقرب ممر التقطته قدمي”.
تقنية مزدوجة:
وأسلوب المخاطب الذاتي هو إحدى الصيغ النادرة في السرد الروائي، وهو تنويع على صيغة ضمير الغائب الذاتي، الذي اقترحه “آلآن فريدمان” حينما درس رواية (صورة الفنان في شبابه) لجويس بوصفها تجربة في السيرة الذاتية كتبت بضمير الغائب، وهذه التقنية ذات طبيعة مزدوجة، فهي تصف داخل الشخصية وخارجها في وقت واحد، لأن السارد عندما يتحدث عن الآخر فإنما يتحدث عن نفسه، كما لاحظنا في القطعة السابقة، غير أن التقنية التي وظفها جويس في رواية (صورة الفنان في شبابه) هي تقنية تشمل بنية الرواية برمتها، وتلتزم بمنظور واحد على امتداد بنيتها، في حين جرى توظيفها في رواية (خرائط الشتات) على نحو جزئي، حيث يبدأ السارد غالبا الحكاية بضمير المخاطب ثم ما يلبث أن يتحول أسلوب السرد بضمير المتكلم.
ويعاني سارد المدونات أو اليوميات هذا حالة من القلق دائمة، فهو هارب يجوب البلدان بجواز سفر مزور، ومن هنا فهو يكتب مدوناته بغير تسلسل أو نظام، معللا ذلك بقوله: (أقر بصعوبة البدايات، وأعترف أنني إن بقيت أبحث عن بداية أظنها مناسبة فلن أفعل شيئا. أعتقد أن الحل يكمن في الانسياق لفوضى الذهن وتشتت الذاكرة..).
وترهص الرواية في بعض أجزائها، وإن في حدود ضيقة، بتقنية ما وراء الرواية حيث يذكر السارد، غالبا، بعجزه عن الكتابة بشكل منتظم، غير أن هذا الانشغال يبقى في هذه الحدود ولم يتجاوزها، إلى آليات فن الكتابة الروائية، ويبدو أن المؤلف نفسه لم يكن معنيا بهذا الأمر قدر عنايته بترتيب أفكاره، رغم أنه يخفق دوما، ليبقى المشروع مؤجلا كما هي الحياة، بالنسبة له، على حد قوله: “مع أني حاولت أن أكتب شيئا في ايام العطل لما كنت أخرج إلى الساحات والحدائق العامة.. إلا أن الأمر بقي عند مجموعة ملاحظات ومواضيع غير مكتملة مزقتها كلها قبل انتقالي ليبقى المشروع مؤجلا كما هي الحياة بالنسبة لي”.kh mohammad abd
مدونات سرية:
وهكذا تستمر الرواية في عملية شد إلى الأمام وإلى الخلف فيما نحن نتابع عملية السرد عبر العديد من المرويات التي يتكون منها النسيج الروائي، حيث يتضمن الدفتر مدونات سردية أخرى لشخوص تتقاسم مع السارد المركزي سرد بعض المدونات خاصتها، فهناك من جهة حكاية الرجل الذي لا يكف عن تدخين السجائر والذي يخطط لهروبهم خارج البلاد، وهناك من جهة ثانية حكاية “علي طرفي” الذي كان أبوه شيوعيا وقد جرت تصفيته في الفترة التي شن فيها النظام حملة الإبادة والتصفية على كوادر الحزب الشيوعي الذي كان أبوه واحدا منهم، ومن ثم هناك حكاية الفتى المدلل، الذي تخشى عليه أمه من أن يلقى نفس مصير أبيه الذي قتل في الحرب وجيء به محمولا بالعلم العراقي، ومن هنا تدفعه أمه إلى الهجرة خارج البلاد خوفا من أن تلتهمه الحرب، وعلى الرغم من أن كل هذه الحكايات تروى بضمير المتكلم ما يشي بأنها تحمل في جانب منها شيئا من السيرة أو التجربة الذاتية، إلا أنها تشترك جميعا بهم واحد هو أنهم جميعهم هاربون من بطش النظام، وهذه المدونات غالبا ما تعتمد على ذاكرة مشتتة، وهو ما يجعل من العالم الروائي ممزقا وغير محكوم بنظام، ويدور في دوائر سردية غير متصلة ببعضها إلا ضمن الإطار العام للرواية. ويحرص الكاتب على الالتزام بهذه الاستراتيجية على امتداد بنية الرواية، من خلال تقديمه نسيجا سرديا غير مترابط، ربما في محاولة منه لنقض مركزية السارد، ومن هنا، قد تلتبس الرؤيا على القارئ فيخيل إليه أن هناك خللا في البناء السردي.
وعدم التنظيم هذا يسود معظم أجزاء الرواية، إذ غالبا ما يحدث هذا القطع في العملية السردية، حيث يروي احدهم حكايته ثم يتوقف عند نقطة معينة، ثم يعود ليستأنفها مرة اخرى في فصل جديد من الرواية، من خلال تقنية الاسترجاع أو ما يسمى بـ(الفلاش باك). وهذه التقنية هي واحدة من أكثر التقنيات طواعية، فهي تحرر العمل الروائي من القيود وتوفر للكاتب مساحة من الحرية في تشييد روايته، كما يمكن للقارئ أيضا لمّ كل هذه الأوراق وجعلها متسلسلة، غير أن ذلك سوف يخل بجمالية الرواية.
رواية (خرائط الشتات) إضافة مميزة لمنجز محمد عبد حسن الإبداعي، كتبت بلغة هادئة، صافية، وقدمت صورة صادقة لحياة المشردين في المنافي، ومع أن الرواية عمل تخييلي، إلا أن فيها الكثير من السيرة الذاتية، فقد سبق وأن عاش الكاتب فترة طويلة في المنافي، بعد أن ضاقت به سبل الحياة في العراق.
(*): خرائط الشتات / محمد عبد حسن/ دار ضفاف للنشر / بغداد 2014

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.