ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (31)
مثقفنا الغائب … والجواهري الحاضر ! (2/2)

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
فاتني ان اذكر ( عند استهلالي لهذا الحديث في مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي ) إلى أنني استغرب حين اسمع لفظة واحدة تطلق على
“المثقفين” تكاد تجمع الشريحة كلها التي نصفها بهذا الاسم مع أنني قد أوضحت في مناسبات سابقة بخلافي الشديد مع هذا الجمع” الشمولي “الذي لا يربك فقط بل انه يبتعد عن الحقيقة المنطقية بمراحل ، ثم ان تطور هذه الحياة وتعقدها جعلنا نقسّم المثقفين الذين يعيشون في هذا المجتمع ( وأي مجتمع آخر ) الى قسمين هما : المثقف المهني و المثقف الإبداعي .. وفي الأول نكون ازاء فئات اجتماعية تثقفت ثقافة عامة فالمهندس مثقف والطبيب والمحامي والرياضي وغيره كذلك بحكم إسهاماتهم في إنتاج ما يحتاجونه وإجادتهم لاختصاصهم الحرفي ، بينما المثقف الإبداعي يقتصر فقط على الذين يستخدمون الوعي والجمال والكتابة في إبراز وجودهم وتمييز هذا الوجود مثل الأدباء والفنانين ، ولهذا نجد الفرق واضحا وكبيرا بين شريحة الطبيب والمحامي والمهندس، مثلا ، وبين شريحة الأديب والفنان مع ان الشريحتين يشكلان معا ما يطلق عليه المثقفين ولكن التوصيف يختلف بينهما إذا كان الإنتاج الخاص معيارا .
ومن اليسير علينا ان نستدل على أسماء كثيرة يكاد يغص بها مجتمعنا العراقي من تلك التي يطلق عليها” إما جهلا او تفاخرا او ادعاء ” توصيف المثقفين وهو يجمع الشريحتين معا التي سبق لنا ذكرهما ولكن الألم الحقيقي يظهر من خواء كبير نحس به من أي مساحة موجودة أمامنا يخطو عليها المثقف ( ان كان مهنيا او إبداعيا ) وكلما زادت محن البلاد وكثرت خطوب المجتمع كلما انحسرت صور المثقف وانعدمت مبادراته فكأنه لا وجود له او يقابل بالبرود والانمحاء ما هو ساخن ومتغير ! ووجدتني أسائل نفسي لمرات عدة: أين ذهب المثقف العراقي في أوقات ملتهبة بالأزمات ؟ ولماذا نفتقده في حين الأولى به ان يكون فاعلا بالأحداث ومغيرا لها لصالح المجتمع؟ لقد ساحت الجيوش بيننا وتقاطعت الإرادات وافتقر هذا المجتمع بعد ان كان غنيا وتردت الأحوال وتعدد الفساد ويكاد الخراب ينخر في وجودنا .. ولا أريد ان اتهم أو ألوم أحدا سوى المثقف الذي انزوى في برجه خوفا وطمعا وانسلاخا فكأنه لا تهمه هذه الموبقات في شيء والاهم لا المجتمع الذي يغلي بل وجوده المتفرج ومنهجه الموسوم ب ( اللاادرية ) !.aljawahiri 3
وإذ امسح محطات التاريخ ( ان كانت داخلية ام خارجية) بحثا عن صورة مثلى للمثقف الذي أريد : ذلك الذي ينفعل بأحداث عصره ويستشعر حاجات وآلام من هم حوله بل ويقود الجمع بشجاعة ليشارك ايجابيا في رسم لوحة زاهية للغد القادم ويلتحم بصفوف الجماهير ولا ينسحب منها او يتقوقع مع ذاته المرتجفة ، ولن أجد إلا صورتين تقربان ما أقول ، الأولى في ماضينا البعيد والثانية سأتوقف عندها مرغما مع إنها من تاريخ الأغراب الحديث !، ففي عام 1948 حدثت ( وثبة كانون )وهي انتفاضة جماهيرية كبرى جرت في شوارع بغداد لإعلان الغضب من معاهدة ( بورت سموث) العراقية – البريطانية والمصادمات الدموية التي حدثت إثرها بين الجماهير الغاضبة وبين رجال الشرطة وسقوط عدد من الجماهير نتيجة هذه المواجهات وكان بين الشهداء ( جعفر ألجواهري ) شقيق الشاعر العراقي المشهور،و بمناسبة مرور سبعة أيام على هذا الحادث أقيم تجمع جماهيري كبير في باحة جامع ” الحيدر خانة” للتنديد بما جرى فقام الشاعر محمد مهدي ألجواهري بإلقاء قصيدة كبرى تعد من جياد شعره كان مستهلها :
أتعلم أم أنت لا تعلمُ ، بأن جراح الضحايا فمُ
فمٌ ليس كالمدعي قولةً ، وليس كآخر يسترحم
يصيح على المدقعين الجياع ، أريقوا دماءكم تطعموا
ويهتف بالنفر المهطعين ، أهينوا لئامكمُ تكرموا !.
وكان يكفي الشاعر ألجواهري ان يرسل قصيدته لمن يتطوع ان يلقيها نيابة عنه ( بحجة انه مريض او مسافر للخارج!) ولكنه أبى الا المشاركة بنفسه ثم يلقي القصيدة ارتجالا ليظهر عظم مصيبته وفداحة ما ارتكب بشقيقه وزملائه بل انه عمد الى مزج محنته الشخصية بمحن الوطن كله أي انه جمع الخاص مع العام ليضخم الجرم الشنيع ولتصبح هذه القصيدة تذكرة تعريفية بما هو مطلوب من المثقف / الثائر ووثيقة تاريخية وإدانة اجتماعية لما جرى قبل سبعة وستين عاما !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

وثمة مثال اقرب زمنيا من الذي ذكرناه وان كان يصفعنا بجوهره وفرادته وانطباقه على ما نقول : “روسلانا” فنانة أوكرانية شابة استطاعت أن توظّف شهرتها العالمية(كنجمة لموسيقى البوب)في تأجيج الغضب الجماهير الذي اندلع في أوكرانيا اثر محاولة الحكومة تزييف نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح مرشحها ،وهنا هبّ الشعب للدفاع عن اختياره الخاص وانضمت روسلانا إلى الجموع الغاضبة وأعلنت أنها ( في عز البرد ) ستضرب عن الطعام وستعتصم مع الجماهير في الساحات العامة (حتى تعود العدالة إلى أوكرانيا) ..وهذا الموقف الحاسم كان له أثره في اندلاع (الثورة البرتقالية)وامتداد أثرها إلى ساحات دولية بعيدة فما كان إمام الحكومة إلا أن تستجيب للثورة وتعلن النتيجة الحقيقية بانتصار المعارضة ، هذا الدور القيادي من المثقف هو الذي ينتظره المجتمع من نخبته الناقدة والواعية ولا سيما في الأزمات والنكبات حيث يمتشق المثقف دوره التنويري ويتماهى مع شعبه للدفاع عن حقوقه وخيارته.ويحق لنا التذكير بهذا الموقف حتى لو جاءت أجراسه من (بغداد القديمة) او من أوكرانيا !!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.