حيدر عبد علاوي الزيدي : الإمام علي في مربد الشعر

haidar abed allawi 2في تسعينات الحصار حضرت مهرجان المربد الشعري ،وكان اخر مربد يعقد في بغداد بحضور نخبة كبيرة من الشعراء الكبار كدرويش والفيتوري وصلت وصديق لي متأخرين ونحن نحث الخطى لدخول القاعة ( قصر المؤتمرات ،بناية مجلس النواب الان) وخلفنا تركض سيدة ترتدي الجينز وعرفتها وهي القاصة هدية حسين ( زوجة المرحوم عبد الستار ناصر فيما بعد) ودخلنا سوية ،كان المهرجان قد بدأ وكلمة ممثل رئيس الدولة ( طارق عزيز) قد انتهت وكان الدور للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد ،فاضطر مضيف المهرجان ان يجلسونا في المربع الرسمي خلف كبار الزوار ، بعد قصيدة عبد الرزاق جاء الدور للشاعر السوداني محمد الفيتوري … بدا الفيتوري متعباً كببراً في السن ،عندما وقف خلف المايك ،قال اعذروني لا أستطيع ان تمر ذكرى ولادة الامام علي عليه السلام دون ان اذكره ولو ببيت ( وكانت الايام تلك تصادف شهر رجب الاصب وفيه ميلاد الامام علي ع) فقرأ قصيدة ،فيها من التصوف والاستغراق في المعنى والكلمة ماجعل القاعة تضج بالتصفيق ،بل وبكى البعض ،كم كانت تلك اللحظة وكانها تلخص التاريخ ،وساعتها أيقنت ان هذه القصيدة وشاعرها لم يكونا في حسبان السلطة ورجالها ،والعجيب ان المنصة كان فيها قادة الدولة من طارق عزيز ووطبان الحسن ( عند انتهاء القراءات خرج وهو يعرج وبيده عصا ،مما أكد إشاعة تلك الايام ان عدي ضربه بالرصاص) وجبار شنشل ولطيف نصيف جاسم وغيرهم من وزراء ومسؤولين ،واذا بالتصفيق يقاطع الشاعر بعد كل بيت وبيت ،كم كنت عظيماً ايها الفيتوري ،كم انت كبير ايها الدرويش المتصوف …
يقول في بداية القصيدة:

وقفتُ
والشمس ملقاةُ على كتفي
وبَيرقُ الشعر في عينيَّ غير خفي
وعاصفٌ يكنسُ التاريخ،
فهو دُمىً مستوحشاتٌ
وغيلانٌ من الخزفِ
وساحراتٌ يغربلن الفراغَ
وقد تناسخ الموتُ
في الأشباح والنُّطَفِ
وكان موج الرجال الراقصينَ على حرائق العصر
ممتداً على الجُرُفِ
وكنتُ أركض في حلمي إليكَ..
وبي إليكَ.. ما بي من شوقٍ ومن شغفِ
لعلّ بعض ارتحالي فيكَ..
بعض دمي
في طينةِ الأخضرَين.. الماءِ والسَعَفِ
يسقي العظام التي جفّتْ
منابعُها الأولى..
وينفخُ روح الله في الجِيَفِalfitori 2
وتستمر القصيدة ،والفيتوري معروف باسلوبه الاخاذ وهو يؤرجح الكلمات ويتمايل معها ،في لغة ساحرة ،وعزف متناغم يبتعد ويقترب ،فتكون وانت جالس مستمعاً تتنصت وترنوا عينيك قبل أذنيك اليه وكأنك تستل الشعر منه استلالاً ، تسبح في عالم بعيد بعيد الى ان يقول :

وقفتُ يا سيدي
يا قوسَ دائرةٍ من النبوات..
منذ البدءِ لم تقفِ
أصغي
وأوغل في الأشياء..
منسكباً وسائلاً
في عناق الصخر والصدفِ
وقد أراك..
وأدري أنّ قدركَ في معارجِ السرِّ،
سرّ بالجلال حفي
وقد تباغتني رؤياك
معتكفاً
على بقايا سراجٍ فيّ معتكفِ
فأستبيح لنفسي
أن أقول لها
عندما يصل هنا ،تأخذ لغته بالتباطؤ ،بل يكاد صوته ان يختفي ،يضرب على صدره بانين ولوعة ،يحاول ان يستنهض همته،ويخاطب قلبه المتعب من لوعة الضياع والانتظار ورجفة الغربة :

في خافتٍ من جريح الصوت مرتجفِ:
فيم اضرابكِ أو شكواكِ ؟
مطرقة همّاً،
وخائفة
هنا يبدأ صوته بالعلو ،بل يصرخ حتى تضج القاعة بالصراخ معه :

يا نفس.. لا تخفي
هذا عراقُ أميرِ المؤمنينَ
وهذي الأرض أرضُ عليّ
ساكنِ النجفِ
وينفجر سيل من التصفيق ،بل ان القاعة قامت ولم تقعد ،الكل في وقوف وهم يصفقون وكلمات عالية ( أعد أعد ) ،وأعاد المقطع ،وعاد التصفيق وكأن الحضور يسمعون الشعر لأول مرة :

هذا العراق،
وكم من غاصبٍ
كبرت أحلامه،
ثم لم يحصد سوى التلفِ
هذا عراق العراقيين..
عزّتهم في النفس،
لا في حقول النفط والتّرفِ
هذا عراق الألى خطّت أناملُهم
شريعة الله
في الأحجار والصُّحُفِ
تكالبت حولهم دنيا مسيّجة
بالنار
والدم والصلبان والصلفِ
ويختم رائعته التي قدر له شعره ان تكون آخر عهد له ببغداد واهلها ،هل جاء ليكفر عن شعر له قاله في مدح دكتاتور ،هل جاء ليعتذر ويمدح سيد العراق الحقيقي :

وقلت والغيم عبر الغيم ينسجني
برقاً،
وينفضني في دمعيَ الذرفِ
كم غائبٍ حاضرٌ
تحت القباب هنا
وكاشفٍ بثّ شكواه ومنكشفِ
وساجدٍ راعش الكفّين..
مجمرة في مُقلتيه،
وألوانٌ من السّدفِ
وغارقٍ في مقام الوجد
تحسبه
طيفاً لطيفِ زمان جِدُّ مختلِفِ…

رحم الله الشاعر الكبير الفيتوري ،وهنيئاً له هذه الخاتمة التي ختم بها مسيرته مع العراق والعراقيين ،واي خاتمة اجمل من العودة لعلي في ديار علي عليه السلام…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.