ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (30) بلادنا تحترق .. والمثقف العراقي يتفرّج !(1-2)

nadhum 7إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
قبل أيام قليلة استلمت مبلغ المنحة السنوية المخصص للأدباء والصحفيين والفنانين بما يعرف عند المصارف الحكومية والمكاتب الاهلية ب ” منحة وزارة الثقافة ” وقد فوجئت حقا من خلال مقالة للزميل زهير الفتلاوي بان عدد الممنوحين هؤلاء قد ارتفع بإيعاز من وزارة الثقافة الى ( 27 ) ألف عضو وهم يتوزعون على لوائح وزارة الثقافة كونهم ( أدباء / صحفيون / فنانون .. ) ولديهم إقرارات من الاتحادات والجمعيات والنقابات بأنهم مصنفون حسب اللوائح وبالتالي فهم يستحقون المنحة السنوية المقررة لنظرائهم ّ!… وتساءلت رغم ذهولي: هل عندنا في داخل العراق ( 27 ) ألف مثقفا ” من غير الذين يسكنون خارج العراق “ فكم هو عددهم الجمعي ؟ وماذا يقومون منذ سنوات خارج جداول القبض بالضبط ؟!.
أنا حائر ومرتبك من هذا الرقم الذي يؤكد لي ان ثمة خطأ ولا أقول جريمة او تواطئا في هذا الحسبان الذي يبدو لكل ذي بصيرة انه في تصاعد مستمر ، ولكن لا تكمن الصعوبة في استيعاب دلالات الرقم او محاولة تقصي ألغازه بل تكمن المحنة المضحكة ان المثقف لا يبدو حاضرا بل هو غائب عما يجري ولا نكتشف ان له بصمة في كل هذا الذي يحدث مع ان الذي ينظر لمساحة العراق يجدها تستغيث وتطلب النجدة العاجلة كما ان البلد يشوى ويحترق بأصابع محلية وأجنبية ومثقفنا صامت ولا تأثير له وكأنه يتفرج على الحريق وهو غير قادر على إطفائه او التخفيف من آثاره التي تكاد تأتي على المساحة كلها !.
ولا استطيع قبول الآراء التي يضفيها الآخرون – وبعضهم من المثقفين العراقيين – على ادوار من المفترض ان يتصدى لها أو ينهض بها مثقفنا ولا سيما في أوقات الأزمات والتحولات لأنه ” الأوسع فكرا والأكثر إحساسا بضرورة التغيير ” من غيره ويكمن السبب في عدم الاستطاعة هذه الى حجم الخيبة الذي يتراكم في داخلي وأمام بصري كلما اتسعت الفجيعة وتشظت ويقابلها استكانة غريبة وانسحاب ( في الواقع المنظور وخارج النظرية) بل تكون المفارقة اشد عند القبول والتواصل مع الخراب المتصاعد في كل مكان فأين الأدوار التي يتحدثون بها وويتخندق حولها المثقف ويعلي ويكتب بها وحولها في حين ان المرئيات تشهد تراجعا مستمرا ولا يوقف انحدارها قول او ادعاء أو كتابة؟! هل اننا نعيش أزمة تاريخية فلا نفيد مما يطلق حولنا بل إننا نرجمه على انه من التنظير فحسب ؟! لهذا ابتسم قهرا حين تأتيني عبارات مسكّنة يقودها الباحث العالمي ادوارد سعيد الذي يلخص موقفه الكاتب سالم جبران فيقول لنا او ربما ليغيضنا بهذه الكلمات :edward saeid
(( المثقف، في نظر إدوارد سعيد، هو المثقف الذي يملك ملكة المعارضة، ملكة رفض الركود، المثقف هو الذي لا يرضى بحالة حتّى يُغَيِّرها، فإذا غيَّرها بدأ يحلم بمواصلة التغيير..))! لمن يتكلم ادوارد بهذه الكلمات ؟ والأصح حول من يوجه خطابه ويتقصد بمعناه ؟ والأكيد ان مثقفنا غير مشمول بهذا التوصيف وهناك ملايين السنوات الضوئية التي تقف فجوة بينه وبين التجسيد العملي لهذا الرأي وسواه ، إذا جارينا سعيد في تعريفه هذا فان مثقفنا يعارض ويرفض الركود ويعارك أي حالة سلبية حتى يغيرها ثم يلتفت الى سواها ولا يهدا حتى يجد لها التغيير المناسب فهل يوجد على ارض العراق مثقف كهذا يعارض ويرفض ويغير ؟!.
لو كنا متوازيين في داخلنا وطرحنا الخوف جانبا لبادرنا نعلي شان الحقيقة والتشخيص الصائب لاي معضلة للتحليل والحوار حتى نخرج بخلاصة تليق بنا حقا ، لذلك نستبعد فرضية ” ان المثقف هو ظاهرة صوتية ” بل الاوفق ان نقول ان التعريفات والأقوال هي السائدة والتي نلجأ اليها حين نود الكتابة عن مثقف ما ،ولكننا نصطدم بورقة صماء لا تكاد تقول شيئا بل نراها تتعكز على التعاريف الوافدة والمستلفة ( من الكتب والصحف والأقوال المشاعة ) أكثر من انطباق الحال العراقي على ما نسمع وما نقرا ،لكن يجب

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

الإقرار هنا الى ان المساحة التي يقف فوقها المثقف ” أما خوفا او خشية من المصادمة ” باتت فاصلا طويلا من العسير عليه ردمه او امحاؤه من ذاكرته، لهذا السبب فقد كثرت الجيوش من حولنا وعاثت في بلادنا بمزيد من الخرابات بحجة ( التطهير ) وهبت علينا عصابات وقوى مسلحة ولها برامجها الخاصة وافلح الفاسدون في إفراغ الصناديق وتزوير الحاضر لمصالحهم الضيقة وأصبح المواطنون لاجئين ومهاجرين في داخل البلاد وخارجها بحثا عن امان لم تستطع الدولة من توفيره لهم وعمت البطالة وتدنت العملة وأصبح الاقتصاد في خبر كان يندب حظه مثل موازنة 2014 التي لا احد يعرف اين اختفت طوال العام الماضي !.
كل هذه الموبقات يتحملها المثقف العراقي والذي بتقاعسه والتنصل من دوره التنويري والتحذيري اصبح كمن ( يتفرج على حريق كبير !) ولكن كيف حدث هذا ؟ وما هي ملامح المثقف / الضد وهل بإمكانه ان ياتي بالامل ويطلع به فوق الحرائق ؟؟
ذلك ما سنعرفه في الحلقة القادمة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.