أ. د. علي ناصر غالب : لغـــــــة الشِّعر عند الجواهـــــــري (1) (ملف/2)

ali naser ghalebإشارة:
مرّت الذكرى التاسعة عشرة لرحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.

الدراسة : 
المقدمة
يحتل الشَّاعر محمد مهدي الجواهري مكانة رفيعة بين شعراء العربية فهو امتداد لشعراء الأمة العظام الذين خلدهم التاريخ على اختلاف عصورهم لكونه من أكثر الشِّعراء العربية براعة في المحافظة على بناء القصيدة الشكلي مع قدرته العظيمة على طرح مضامين حديثة تنفي عنه صفة الخضوع للنمط التقليدي في البناء الشِّعري وتجعله في ضمن الشِّعراء المعاصرين بكل ما تعنيه المعاصرة من دلالة.
ويمتلك الجواهري نتاجاً غزيراً ضمه ديوانه ذو الأجزاء السبعة الذي أصدرته وزارة الإعلام العراقية بإشراف لجنة عُرِفَتْ برصانتها العلمية وصُحْبتها الطويلة للشاعر ولذلك كانت هذه الطبعة أكمل طبعة في العراق حققها أساتذة يُشْهَدُ لهم بالدقة والحرص لذا لم يكن نصب عيني توثيق شعر الجواهري إذ كفاني هذا العناء الجهد الكبير الذي بذلته اللجنة المكلفة بتحقيقه وجمعه.
وقد كان الفضل في اختيار عنوان الأطروحة لأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور خليل العطية الذي عرض عليّ موضوعات عدة وقع اختياري منها على هذا العنوان لكون الجواهري من كبار شعراء العربية المعاصرين ولكون معظم من تعرض لدراسته لم يعن بلغته بقدر عنايته بالجوانب الفنية والتاريخية لشعره.
ولم يكن هدفي في الدراسة التحدث عن حياة الجواهري فهي معروفة تحدث عنها راويته المرحوم عبد الكريم الدجيلي في “الجواهري شاعر العربية” والأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر في مقدمة الجزء الأول من الديوان المعتمد في هذه الدراسة.
ونظراً لوفرة الظواهر اللُغَوية والأسلوبية في شعر الجواهري مما يمكن أن تقوم عليها دراسات عدة آثرت أن تقتصر دراستي على ما رأيته مُهماً فيما يتصل بلغة الشِّعر من تلك الظواهر.
وكانت طبيعة الدراسة تقتضي الإنطلاق من النص الشِّعري لتشخيص الظواهر وتفسيرها وكيفية تعامل الجواهري مع اللغة بوصفها أداةَ فنه الشِّعري لذا اعتمدت على ديوانه لكونه المصدر الأساس ولا سيما الأجزاء الَّتي تمثل مرحلة النضج لدى الشَّاعر إبتداءً من الأربعينيات حين برز الجواهري بوصفه شاعر العراق واستبعدت الاستشهاد بنصوص تُمثِّل فترة العشرينيات من هذا القرن لكونها البدايات الأولى وكان معنياً فيها بمعارضة عدد من شعراء العربية القدماء والمحدثين ومعظم موضوعاتها يجري في تيار شعر الإخوانيات والمناسبات الخاصة.
وبسبب ضخامة نتاجه الشِّعري بدأت بالظواهر العامة الَّتي تميز بها ذلك النتاج ممّا يتصل بشكل القصيدة وأسلوب الشَّاعر وأولُ ما استوقفني هو امتداد القصيدة إلى حَدٍّ يكاد يفوق فيه معظم الشِّعراء فجاء الفصل الأول من الأطروحة ليتضمن بناء القصيدة الطويلة ومقومات ذلك البناء فنيةً كانت أم لغوية.
أما الفصل الثاني فَخُصِّصَ للوقوف على ظاهرة عامة أُخرى وهي النزعة الخطابية لدى الشَّاعر وميله إلى الجهر وإشراك الآخرين في مشاعره ونزوعه لمحاورة الأشياء وشَمَلَ الحديثُ العلاماتِ اللُغَوية الدالة على الخطاب وشيوعها في شعره ثُمَّ الأساليب الَّتي تقتضي وجود المخاطَبينَ ولا سيما أساليب الإنشاء ومن أهمها أسلوب الأمر والنهي والنِّداءوالاستفهام لشيوعها في شعره.
وجرى الحديثُ في الفصل الثالث على التركيب اللغوي ونظراً لسعته اقتصر البحث على أهم الظواهر التركيبية الخاصة الَّتي ظهرت بجلاء في شعر الجواهري كتوازن العبارة ومَدِّ الجملة واستعمال التراكيب النادرة وميله إلى النمط الفعلي في بناء الجملة والتقديم والتأخير والعلاقة المجازية بين عناصر الجملة وغيرها.
وخُصِصَّ الفصلُ الرابعُ للبحث في المفردة في شعر الجواهري فجرى الحديث على أهم مصادر ثراء لغة الجواهري إبتداءً بأثر القرآن الكريم في شعره والأمثال العربية القديمة والشِّعر العربي القديم واعتماده على نهج إحياء الألفاظ المعجمية واستعمالها بغزارة والاقتراض من اللهجة المعاصرة ثُمَّ تصرف الشَّاعر في المفردة سعياً منه لجني اللفظة غير المستهلكة عبر آليات عدة جرى البحث في أَهَمِّها وتضمن البحثُ اختيار الشَّاعر في مجال الجموع مما ينخرط في ميله لاستخدام اللفظة اليانعة وبُعْدِهِ عن الألفاظ المستهلكة.
وبعد وطوال سنوات ثلاث كنا ثلاثة أصحاب جمعتنا الحياة بحلوها ومُرِّها في جامعة البصرة ـ كلية الآداب ابتداءً من ( 1992 حتَّى1995 ) أحدُهم حملناه معنا في الطريق وهو الجواهري وديوانه والاخر وهو الدليل الذي يمتلك الخبرة الواسعة في التحليل والاستنتاج وكثيراً ما كان يستوقفني حينما كنت أَحُثُّ الخُطىٰ مسرعاً ليدلني على سمة أسلوبية في شعر الجواهري ولذا فإنَّ بصماتِهِ واضحة في مواطنَ عِدَّة ٍ من البحث إنَّهُ أستاذي المُشْرِف على هذه الأطروحة الأستاذ الدكتور مصطفى عبد اللطيف جياووك فله الشكر والعرفان وأدامه الله ظلاً ظليلاً وخير معين لطلاب العلم ولا سيما طلبة الدراسات العليا ومنحه الصحة والعمر المديد.
وإذا كانت سنين الظلم قد حجبت هذه الأطروحة عن أن ترى النور لأنها تتصل بالجواهري صاحب المواقف الوطنية الَّتي شَهِدَ بها عصرُه فقد آن الأوان لتظهر هذه الدراسة في مدينة الحلة الفيحاء.
اعتزازاً بالجواهري ونضاله وتاريخه الوطني وحرصاً على جهد جهيد بذله صاحب الدراسة ليحصل بها على شهادة الدكتوراه في زمن منع فيه شعر الجواهري وجُرِّدَ من عراقيته فالحمد لله الذي وفقنا لإنجاز نشر هذه الأطروحة عبر مكتبة الصادق في الحِلّة عَسىٰ أن يُنْتَفَع منها وتكون إحدى الدراسات المتخصصة في لغة الجواهري بعد سفر طويل من الظلام والله المستعان.

أ.د. علي ناصر غالب
الحلة ـ العراق 2005aljawahiri 10
الفصــــل الأول
بناء القصيدة الطويلة

من الخصائص العامة الَّتي تميز بها شعر الجواهري امتداد القصيدة وطول نَفَسِهِ الشِّعري، فهو مَيّالٌ بِطَبْعِهِ إلى الإطالة واحتلت قصائده الطويلة مساحةً كبيرة من ديوانه، وقبل الخوض في بناء القصيدة الطويلة عند الجواهري ينبغي أنْ نقف عند مصطلحات ثلاثة لها صلة بما سنعرضه فيما بعد وهي:
القطعة والقصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة
لقد عَرَضَ القدماءُ هذه المفاهيمَ من غير أنْ يتفقوا على رأيٍ ثابت بشأنها، لكن آراءهم كانت تنحو إلى التركيز على الجانب الشَّكْلي فحسب وهو عددُ الأبيات( 1 ). فالقطعة عندهم إمّا أنْ تكون من ثلاثة أبياتٍ أو عشرة أو خمسة عشر بيتاً ( 2 ). والقصيدة ما تألَّف من سبعة أبيات أو من عشرة ( 3 ).
إنَّ الجانب الشكليَّ وحدَهُ غيرُ كافٍ لتحديد هذه المصطلحات ذلك لأنَّ حجم القطعة لا يكون واحداً لدى الشِّعراء جميعهم على اختلاف عصورهم، فالشَّاعر المطيل قد تتحدَّدُ القطعةُ لديه بثلاثين بيتاً –مثلاً- وقد تكون عند الشَّاعر غير المطيلِ خمسة أبيات تبعاً لإمكانية الشَّاعر في القول. وقد خلق استبعادُ المضمون اضطراباً في الرأي لذلك آثرنا التوفيق بين دلالة القطعة والقصيدة القصيرة فلا شك في أَنَّ القطعة هي قصيدة قصيرة ومما يرجح هذا الرأي أَنَّ الجاحظ نَبَّهَ إلى أَنَّ الجودة لا تقتصر في شعر الفرزدق على قصائده الطويلة فحسب لكنَّها موجودة في قصائده القصيرة أيضاً فقال:
(( وإنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تروي من قصار القصائد شعراً لم يُسْمَعْ بِمثْلِهِ فالتَمِسْ ذلك في قصار قصائد الفرزدق فإِنّك لم تَرَ شاعراً قطُّ يجمعُ التجويدَ في القصار والطوالِ غيرَه ))( 4 )، والنقاد القدماء فضلاً عن ذلك لم يُحدِّدوا حجم القصيدة القصيرة فالشِّعر عندهم إمّا أنْ يكون قطعةً أو قصيدة ( 5 ).
وإذا كان عددُ الأبيات لا يُعَدُّ أساساً رصيناً للتفريق بين القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة فعلى أَيِّ أساسٍ ينبغي أنْ نُميِّزَ بينَهُما ؟
لقد تَعرَّضَ بعضُ المُحْدَثين لهذه المسألةِ فذهبَ الدكتور عبد الجبار المطَّلِبي إلى أنَّ القصيدة القصيرة تشكل فورةً انفعاليةً تتوهجُ بسرعة ثُمَّ تَضْمَحِلُّ، أَمّا القصيدة الطويلة فهي القصيدة الَّتي تَتَأجَّجُ فيها العواطف والإنفعالات وتبقى جذوتها مُتَّقِدَةً في عمق حتَّىتنتهي القصيدة ( 1 ).
وعُدَّ الدكتور عزُّ الدين إسماعيل أَوّلَ ناقد عربي معاصر يتصدّى لمسألة القِصَر والطُّوْل في شِعْرِنا المعاصر ( 2 ).
وأغلب الظَّنِّ أَنَّ الدكتور عِزُّ الدين إسماعيل قد استحضرَ أمامه تفريق الناقد الإنكليزي ” هربرت ريد ” بين القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة الذي يرى أَنَّ: ” الشكل والمحتوى مندمجان في عملية الخلق الأدبي، وعندما يسيطر الشَكْل على المحتوى، الفكرة، أي عندما يمكن حصر المحتوى بدفقة فكرية واضحة البداية والنهاية كَأَنْ تُرى في وَحْدة بَيِّنة، عندها يمكن القول إنّنا أَمامَ القصيدة القصيرة، في حين عندما يكون المحتوى ( الفكرة أو التصوّر الفكري ) مُعَقَّداً جِدَّاً لدرجة أَنْ يلجأَ العقلُ إلى تقسيمه على شَكْل سِلْسِلة من الوحدات الجُزْئِيَّة وذلك ليُخْضِعَهُ لترتيب ما من أَجل استيعابه في إِطار كُلِّي، عندها يمكن القول إِنّنا إِزاءَ ما يُسمّى بالقصيدة الطويلة ” ( 3 ).
إِنَّ طابع التعقيد في بناء القصيدة الطويلة له صلةٌ بالجانب الدِّرامي في العمل الشِّعري فكُلَّما تَشَعَّبَ ذلك الصراع امتدَّتِ القصيدة مِمّا يجعل هذه الميزة تُقرِّب القصيدة الطويلة من المِلْحَمَة ( 4 ).
إنَّ تنوع العواطف في القصيدة وعنفوان الانفعالات هو الذي يُحدِّدُ طولَ القصيدة أو قِصَرَها حتَّىلو طالت مقاطع القصيدة وبقيت في مسار عاطفي واحدٍ فإنها تَنْخَرِطُ في خانة القصيدة القصيرة ( 5 ).
ولعلَّ وجهة النظر الغَرْبِيّة الَّتي ترى: ” أَنَّ القصيدة الطويلة تركيبةٌ شعريةٌ جديدةٌ لا علاقة لها بعدد الأبيات ” ( 6 ) وأَنَّ المعيار المُهمّ للقصيدة الطويلة هو أَنْ تبقى أجزاؤها مترابطة ترابطاً عضوياً لا يسمح بإجراء أَيِّ تعديلٍ عليها(7)، هي الَّتي تابعها بعض المُحْدَثِين من النقاد العرب.
ولا شَكَّ في أنَّ وضع المتلقي سيختلف وهو يتابع قصيدةً قصيرةً أو قصيدة طويلةً فالقصيدةُ القصيرةُ يمكن النظر إليها نظرة شاملة تحيط بالقصيدة بأسْرِها على حين لا يمكن النظر إلى القصيدة الطويلة إِلاّ عبر تجزئة أفكارها ومن ثُمَّ تجزئة النظر فيها فالنظرة إلى القصيدة الطويلة لا تحيط بها احاطةً شاملةً بل تشبه إلى حد بعيد تَتَبُّع مجرى جدول يمتد لمسافات طويلة تحتاج من المتلقي أن يتوقف عند كل تعرج وكل مظهر من المظاهر الطبيعية الَّتي تحيط بذلك الجدول، أما القصيدة القصيرة فالمُتَلَقِّي إِزاءَ بحيرة هادئة الجمال يمكن النَّظَر إليها بشكل شمولي يلاحق جميع أجزائها ( 1 ).
وإذا كان المحدَثون تعرَّضوا إلى مسألة الطُّوْل والقِصَر في القصيدة الحديثة المبنية على نظام الشِّعر الحُرِّ فإِنَّ وجهة نَظَرِهِمْ يمكن أَنْ تشمل القصيدة المبنية على نظام الشرطين أو أية بنية عروضية قريبة منه.
ولعلَّ الراجح في ذلك أنَّنا لا يمكن أنْ نغفلَ حجمَ القصيدة ولا سيَّما عند شاعر مُبْدِعٍ مِثْلِ الجواهري فله من القصائد الطُوال ما يفوقُ به أقرانَهُ من الشِّعراء فَتَبَيَّنَ مِنَ الإحصاء أنَّ عدد القصائد الَّتي تجاوزت خمسين بيتاً يربو على ( 135 ) قصيدة(2)، والقصائد الَّتي تجاوزت مائة بيت بَلَغْنَ ( 37 ) قصيدة.
ولعلَّ القصائد القصيرة الَّتي قالَها الجواهري لا تُمَثِّلُ شاعريتَهُ بقدر القصائد الطويلة الَّتي تقترب من الملحمة كقصيدة ” يا نديمي ” و ” أنيتا ” و ” أفروديت ” و ” أخي جعفر ” و
” يوم الشهيد ” و ” المقصورة “.
والذي نَعْنيه بالقصيدة القصيرة عند الجواهري تلك الَّتي تندرج في غرض الإخوانيات والمناسبات الخاصَّة والتَّعازي، أي تلك القصائد الَّتي تنبع من مسار عاطِفيٍّ واحدٍ فضلاً عن القصائد الَّتي قالها في مناسباتٍ عابِرَة.

دعائم القصيدة الطويلة عند الجواهري:
ــــــــــــــــــــ
يعتمد الشَّاعر آلِيَّةٍ خاصَّةً في بناء قصائده عبر دعائم فنيةٍ ولُغَوية يستثمرها لِمَدِّ القصيدة ويمكنُ أَنْ نُجْمِلَ أهمَّها بما يلي:
1. ظاهرة التقسيم:
إنَّ الجواهري مُوْلَعٌ بتقسيم القصيدة إلى مقاطع ولا يهمه أن تأتي هذه المقاطع متساوية أو غير متساوية ففي معظم قصائده لا يلتزم عدداً ثابتاً من الأبيات في كل مقطع من مقاطع القصيدة فيعتمد طول المقطع لديه على المضمون الفكري الذي يحتويه وعلى انفعال الشَّاعر تجاه ذلك المضمون. ومن السبل اليسيرة الَّتي اختارها الجواهري سبيل التقسيم هذا لكونه يسهل عليه عملية التنويع في الأفكار والأخْيلَة واستشراف جوانب الفكرة الأساسية فضلاً عن أنه يتيح فرصة أنشاء القصيدة في مدد زمنية متباعدة. والجواهري ميّالٌ بِطَبْعهِ إلى أنْ ينظر للأشياء من جميع جهاتها ويحزّ في نفسه أنْ يترك جانباً من تلك الجوانب من غير وصفٍ واستغراق وإحاطة.
إنَّ ظاهرة التقسيم هذه موجودة في قصائده الطويلة والقصيرة على حَدٍّ سواء وذلك ما يسعف ما ذكرناه من إن الشَّاعر ينحو إلى تجزئة الفكرة وتنويعها ولو أراد أن تتحول قصائده القصيرة إلى قصائد طويلة لفعل فقد صرّح في حوارٍ اجري معه إن الجزء السابع من ديوانه ضَمَّ عشرين قطعة كان من الممكن أن تكون كلّ قطعة قصيدة طويلة (1).
وتبين من جرد قصائد الشَّاعر الطويلة إن القصيدة كلما امتدّت زاد عدد مقاطعها سواء أكانت القصيدة مبنية على نظام القافية الواحدة أم على نظام تعدد القوافي.
ومن قصائده الَّتي خضعت للإحصاء ” المقصورة ” الَّتي ثَبَّتََ منها سبعةً وثلاثين ومائتي بيت قسَّمها على تسعة عشر مقطعاً، و ” تنويمة الجياع ” المؤلفة من اثنين ومائة بيت قسَّمها إلى عشرة مقاطع وقصيدة ” افروديت ” المؤلفة من مائة بيت قسمها إلى أربعة عشر مقطعاً.
إِنَّ هذه الطريقة في عملية الخَلْقِ الشِّعري تتيح للشاعر فرصة اكبر في امتداد القول إلى أقصى ما يريد، وتجعله حراً في اختيار الزاوية الَّتي ينطلق منها وتترك له حرية اختتام القصيدة أنّىٰ يشاء.
وينبغي أنْ نشير إلى أنَّ الشَّاعر قد حرص في قصيدته ” يا نديمي ” على أنْ تكون مقاطعها متساوية من حيث عدد الأبيات على الرَّغم من أنه لم يلتزم قافية واحدة في القصيدة بأسرها فقد وقعت في أربعة وعشرين واربعمئة بيت قسمها على سبعة ومائة مقطع (1)، وظهر أنَّ الشَّاعر التزم ذلك التزاماً اتاح له مجالاً رحباً لان يستنفدَ صوراً عديدة من صور المناجاة الَّتي عقدها الشَّاعر مع نفسه أو نديمهِ وكان بإمكانه أن يَمُدَّ القصيدة أكثر بسبب من بنائها المفتوح.
إنَّ هذا النوع من البناء الشِّعري يشبه إلى حَدٍّ بعيد نظام حلقات الحلزون (2)، الَّتي تتصل عبر دوائر غير مكتملة وهذا اللون من البناء يشمل شعر الجواهري جُلَّه فالشَّاعر يرغمنا على التَلَقِّي عبر هذه الدوائر غير المكتملة الَّتي تتصل بما قبلها وما بعدها بشكل قريب من حلقات الحلزون وذلك معناه أننا لا نستطيع أن نحذف أي مقطع من مقاطع قصيدته من غير أن نترك أثراً يوحي بخللٍ في بناء القصيدة، فالصلة بين مقاطع القصيدة قائمة بغضِّ النظر عن طول المقطع أو قصره.
إنَّ تفكير الجواهري يسعى إلى الشمول دائماً لكنَّه في الوقت عينه يُعنىٰ بالجزئِيّات فيقوم بِمَدِّ القَوْل في جوانب مختلفة تَتَّصِلُ فيما بينها عبر وسائل الشَّاعر اللُغَوِيَّة والفنِيَّة لتؤكِّدَ النَّظَرْة الشُّموليّة الَّتي تستغرق موضوع القصيدة.
ويتيح توزيع القصيدة إلى مقاطع مجالاً للشاعر ليوزع تدفقه اللغوي عبر قنوات مختلفة تعبر عن عظم التأجج العاطفي (3)، الذي يتفاعل في نفس الشَّاعر ويستعر من غير أن تخمد جذوته ويتصل بقدر من الوعي الذي يقود ذلك الانفعال.
ويرى (ت.س إليوت) أن القصيدة الطويلة ينبغي ” أن يكون فيها صُعودٌ وهُبوطٌ في درجتها من الحدة حتَّىتطابق ما يحدث فعلاً للعاطفة الإنسانية من تراوح بين الصعود والهبوط وبهذا التراوح تتم الوحدة الموسيقية لبناء القصيدة الكلي وفي تلك الفترات الَّتي تهبط فيها العاطفة وتهبط فيها الموسيقى الشِّعرية ستكون شبيهةً بالنثر. . .
ومن هنا نستطيع أنْ نقول إِنَّ الشَّاعر الذي ينظم قصيدة طويلة لا يستطيع أَنْ ينجح إِلاّ إذا أتقنَ لغة النثر بالإِضافة إلى إتقانهِ لغة الشِّعر ” (4).
إِنَّ رأي إليوت يُعبِّرُ عن وجهة نظر ذاتية لكنَّه يرتبط بناحية مُهِمَّة يتميز بها الجواهري وهي قدرته على إتقان لغة النثر والشواهد على ذلك كثيرة منها: عمله في الصحافة لمدة تزيد على الثلاثين عاماً(5)، وحِرْصُهُ على أنْ تأتي مقالاته موسومةً بطابع أدَبيٍّ فَضْلاً عن مقدمات دواوينه نحو: ” على قارعة الطريق “، لكنَّ الذي يمتاز به الجواهري هو أَنَّ بناء القصيدة الموسيقي يأتي في أغلب الأحيان واحداً ولا ينحدر الشَّاعر إلى النثرية لِكَوْنِهِ مشبوب العاطفة وصاحب انفعالٍ حادٍّ في معظم قصائده الطويلة ولقدرته على التنويع في الصور وسيطرته على آلِيّات اللُّغة كُلِّها فلا يتهافت ولا يضعف مَهْما أمْتَدَّت القصيدة.
إنَّ غزارة المضامين الَّتي عكسها شعر الجواهري فرضت على الشَّاعر نفسه أن يمد القول، وقد نبه الخليل بن احمد ـ رحمه الله ـ إلى صلة طول القصيدة بمضمونها ومناسبتها فقال: ” الطوال للمواقف المشهورات ” ( )، فقد عبر شعر الجواهري عن أحداث مهمة ارتبطت بحركة التغيير في المجتمع العراقي والعربي والإنساني ولم يكن الشَّاعر بعيداً عنها فكونت لديه مضامين خصبة اتاحت له فرصة امتداد القصيدة بشكل فاق معظم شعراء المطولات في الشِّعر العربي.
وقد وجد الجواهري في طول القصيدة دلالةً على قوة شاعريته وخصب خياله واستحواذه على أداته وقدرته الفريدة على التصوير ومجالاً عزيزاً يلج منه إلى الساحة الأدبية بعدما كان يتصدرها الحبوبي والزهاوي والرصافي وغيرهم فوجد أن مَدَّ القصيدة سيسهم في إضفاء الهيبة على شخصيته ولا عجب في ذلك وهو الذي صرّح بأنه ما وجد شاعراً من القدماء أو المعاصرين إلا عارضه وحاول أن يقف على أسرار موهبته ليرتشف منها ما يغني تجربته الشابّة المتطلعة إلى الصدارة دائماً، واغلب الظن أنه يستحضر في ذهنه رأي النقاد القدماء في أن الشَّاعر المطيل أهيب في النفوس من الشَّاعر الموجز ( ).
ويُعِدُّ الجواهري امتداد القصيدة جزءاً مكملاً لنضج تجربته الشِّعرية فقال: ” ونفسي يطول مع مرّ الزمن فقد كنت لا أتجاوز الثلاثين من عمري صارت قصائدي تبلغ الـ 50 ـ60 بيتاً وبعد الأربعين طالت على ما ترى ” ( ).
إنَّ قدرة الجواهري على إطالة القصيدة أمر لا يتاح لكل شاعر لأنَّ الجواهري يمتلك قدرة عجيبة على تنويع الأفكار وتراكم الصور وصَبِّ خزينه اللغوي في قنواتٍ مختلفةٍ من التعبير عن أفكارهِ ومشاربهِ فضلاً عن أنَّه مهما أطال فإنَّه لا يُسِفُّ ولا تَضْعُفُ قريحتُه ( ).

إنَّ مِزاجَ الجواهري الحادَّ وتعلُّقه بالحياة عاملان مُهِمّان من عوامل تكوين شخصية الشَّاعر وإلى حَدٍّ بعيد في تلوين عواطفه، وقد أثَّرا بشكل بالغ على لغته المشحونة بالتوتر والعنف والرفض ( ).
ومّما يتصل بظاهرة التقسيم عند الجواهري امتلاكه قدرة كبيرة على الاستطراد ولا نعني به الانتقال من موضوع إلى موضوع آخر لكنه الاستطراد الذي لا ينفصل عن الموضوع الأساس، فقال راويتهُ المرحوم عبد الكريم الدجيلي: ” والصفة البارزة في شعر الجواهري أنه لا يخرج عن الموضوع الذي هو فيه وان طالت القصيدة فمن المُستهلِّ إلى الختام هو في صميم الموضوع يتناوله من جميع أطرافه ” ( ).
وأشار الجواهري إلى عنايته بجزئيات الصورة مِمَّا يعكس رغبته في التقسيم وقال: ” عندما أدخل في أي موضوع تجيش نفسي جيشاناً فظيعاً متراكماً متشابكاً فانا أمين في خلع هذا التشابك في كل قصيدة دون تخطيط أو تصميم. أقف عندها طويلاً فلا أحب أن تهرب مني ولا أريد أن يبقى منها شيء، أحس بألم نفسي إذا بقي منها شيء، إني لا انتقل من صورة إلى أخرى قبل أن انتهي من الأولى ” ( ).
وتتضح قدرته على الاستطراد في قصائده الَّتي يتغير فيها المخاطب من مقطع إلى مقطع آخر ففي قصيدة ” أمم تجد ونلعب ” ( ) يعرض أحوالا مختلفة: حال الأمم والشعوب الَّتي توجهت للبناء والثورة على العبودية، ثُمَّ ينتقل إلى حال أخرى خص بها الشعب العراقي والعربي بالضمير ( نحن ) بقوله:
ونعيشُ نحنُ كما يعيشُ على الضِّفافِ الطُحْلُبُ
ويتكرَّرُ هذا المقطع الفعل المضارع المبدوء بنون المضارعة الَّتي تخص جماعة المتكلمين: ( نعيش، نعوم، نوحي، ننعب، نرسب، نبثّ، ندسّ، نكذب، ندعو، نَتَحبَّب، نهوى، نُحَشِّد، نُؤلِّب ) وتركيز الشَّاعر على صورة المضارع دالٌّ على الإمعان في تصوير حالة الاستقرار واستمرار العيش الذليل القائم على الخضوع للمستعمر وتوكيد على عمق الضعف الذي ينتاب البلاد آنذاك.
وينتقل الشَّاعر في المقطع الثالث للحديث عن الحياة وطريقها الصعب الذي لا يمكن بلوغُهُ من غير تضحية وفداء.
ويوَجّهُ الخطاب في المقطع الرابع والخامس والسادس إلى الشباب عَبْرَ طائفة من أفعال الأمر والنهي الَّتي يهدف بها الشَّاعر إلى التحفيز للثورة عارضاً خبرته وحكمته بالكفاح عبر صور متنوعة.
ويتطرَّقُ في المقطع السابع إلى صنف آخروهم المتخاذلون الذين يصورهم بصورٍ مختلفة تدلُّ على إذعانهم وضعفهم ويختتم المقطع بحكمة:
إِنَّ الحياةَ سريعةٌ وجريئةُ لا تُغْلَبُ
ترمي بأثقالِ السنينَ وراءَها وتعقِّبُ
وتدوسُ مَنْ لا يستطيعُ لَحاقَها وتُؤدِّبُ
إِنَّ الانتقال من فكرة إلى فكرة ومن مخاطب إلى مخاطب آخر أمرٌ مألوفٌ في شعر الجواهري، ففي قصيدة ” دجلة في الخريف ” ( )، يتناول أحوال دجلة المختلفة في فصل الصيف ثُمَّ ينتقل إلى حاله في الخريف فيلقي عليه صفاتٍ بشريّة عديدة عبر تشخيصه، وقد استعمل الشَّاعر ضمير المفرد الغائب سنداً لقافية الدال في القصيدة فضلاً عن تردُّد الضمير نفسه في أثناء القصيدة بكثرة واضحة تلحُّ على المتلقي ليبقى مرتبطاً بالنهر بصورهِ المختلفة في أبيات القصيدة كلها فضلاً عن الانتفاع به في أعاريض ثلاثين بيتاً مِمَّا يخلق غزارة في موسيقى القصيدة.
ويستطرد الشَّاعر بوسائل لُغَوية أخرى نحو استعماله واو ( رُبَّ ) كفعله في المقصورة ( )، في مقاطع عدة فقال:
وأصنامِ بَغْيٍ يَصُبُّونَها
> ويَدْعُونَها مَثَلاً يُقْتَدىٰ

وقال: ومستسلمينَ يَرَوْنَ الكِفا
ح قَوْراءَ مَدْحُوَّةً تُمْتَطىٰ

وقال: ومُحْتَقِبٍ شَرَّ ما يُجْتَوىٰ
مَشَى ناصباً رأسَهُ كاللِّوا

وقال: ومُنْتَحِلِينَ سِماتِ الأديبِ
ج يَظُنُّونَها جُبَبَاً تُرْتَدى

وقال: ولاهِيْنَ عن جِدِّهِمْ بالفَراغ
ج زوايا المَقاهِي لَهُمْ مُنْتَدى

وينتقل إلى وسيلة لُغَوية أخرى فيستطرد بوساطتها بتكرار التحية الإسلامية في مقاطع أخرى من المقصورة على سبيل الدعاء فقال:
سَلامٌ على هَضَباتِ العراق
وشَطَّيْهِ والجُرْفِ والمُنْحنى

وقال: سَلامٌ على قَمَرٍ فَوْقَها
عليها هَفا واليها رَنا
جج
وقال: سَلامٌ على جاعلات النَّقيقِ
على الشَّاطِئَين بريدَ الهَوى

وقال: سَلامٌ على عاطِراتِ الحُقُول
تَناثَرُ مِنْ حَوْلِهِنَّ القُرى

وقال: سَلامٌ على بَلَدٍ صُنْتُهُ
وإِيّايَ مِنْ جَفْوَةٍ أو قِلى

ويَعْمَدُ الشَّاعر إلى استعمال التَّحيَّة نفسها في قصيدة ” سلاماً عيد النضال ” ( )، فيكرِّر ” سلاماً ” في بدايات عشرة مقاطع والقصيدة مؤلفة من أحد عشَرَ مقطعاً فيَّتخذ من المصدر دون فعله وسيلةً للاستطراد في مطالع المقاطع فضلاً عن أنَّه كرَّر الصيغة نفسها خمسَ عشرةَ مرَّةً في أثناء القصيدة.kh aljawahiri 1
2. التَّكرار:
من السِّمات الواضحة في بناء القصيدة عند الجواهري أنه يَعْمَدُ إلى تكرار بعض المفردات أو التراكيب لتكون مفتاحاً إلى المقاطع الجديدة ووسيلةً من وسائل الربط بين تلك المقاطع حتَّىأن الشَّاعر يختار تلك الصيغة عنواناً للقصيدة، ويمكن أن نتبين هذه السمة في العديد من قصائده الَّتي تعتمد على النِّداءركيزة ينطلق منها القول الشِّعري من ذلك قصيدة
” يا أُمَّ عَوْفٍ ” ( ) و ” يا دجلة الخير ” ( ) و ” يا غريب الدّار ” ( ) و ” يا نديمي ” ( ) وغيرها.
ففي قصيدة ” يا نديمي ” كرر صيغة النِّداءهذه في ثمانية وثمانين مقطعاً من مقاطع القصيدة على حين خلت الثمانية عشر مقطعاً من هذا التركيب والشَّاعر في هذه القصيدة يتخذ من صورة النِّداءطرفاً أخر يحاوره ويناجيه ويتلذذ بطول المناجاة هذه وبتكرار النِّداءأنّى سنحت الفرصة لذلك.
ويلجا الشَّاعر إلى تكرار تركيب بعينه كتركيب النِّداءلكنه ينوع في المنادى ففي قصيدة ” أُرِحْ ركابك ” ( )، المتشكلة من تسعة مقاطع استعمل تركيب النِّداءفي مفتتح ثمانية مقاطع من القصيدة بقوله تباعاً بعد المقطع الأوّل:
يا صورةَ الوطنِ المُهْديكَ مَعْرِضُهُ
أشْجى وأبهجَ ما فيه من الصُّورِ

وقوله: يا سامرَ الحَيّ بِي شَوْقٌ يرمّضُني
إلى اللِّدات إلى النَّجوى إلى السَّمرِ

وقوله: ويا صحابي وللفصحى حلاوَتُها
لا تُنْكِروا ناقلاً تَمْراً إلى هَجَرِ

وقوله: ويا ملاعبَ أترابي بمنعطفٍ
ج من الفرات إلى كوفانَ فالجزُرِ
ج
وقوله: وأنت يا مارداً يلقى بهامته
هوجَ الرياح ورجلاه لظى سقرِ
ج
وقوله: يا دجلة الخير ما هانت مطامحنا
كما وَهِمنا ولم نصدقْكِ في الخبرِ

وقوله: ويا سقاة الندى من كل منسجمٍ
والأريحيات معسول النثا عَطرِ

وقوله: ويا قُوى الخير كوني خيرَ صاريةٍ
يوقى الغريقُ بها دُوّامة الخطرِ

فجاء التنويع في المنادى وسيلة من وسائل مد القصيدة وتنويع الأفكار والصور والمواقف.
ويميل الشَّاعر إلى تكرار صيغة صرفية معينة كتكرار صورة الفعل الماضي المسند إلى تاء الفاعل المخاطب كما فعل في قصيدة ” معروف الرصافي ” ( ).
فقال: لاقيت ربك بالضميرِ
وأنرتَ داجية القبورِ

وقال: ونزلتَ حيثُ تذوبّت
غُرُّ الجماجم من عصورِ

وقال: أضفيت قافية تُشِعُّ
على ” قصيدٍ ! ” من عشيرِ

وقال: واكبْتَ ركب البائسين
وجُبتَ مُتَرفةَ القصورِ

وقال: ما زلت تقدح من زِنا
دِ الفكر موهوباً فتوري

وقال: ونَحَتَّ من عود الطغاةِ
وقد جسا نحت الشَّجير

وقال: وسحقتَ ” ديدان ” الزعا
مةِ أفرختْ بين الجحورِ

وقال: وأطرت من تلك ” النّحو
س ” مُعشِّشات في الوكور

ويكرر نداء ” معروف ” في أربعة مقاطع، ولا شك في أن الشَّاعر كان حريصاً على أن يصل إلى استنفاد الصورة الكاملة الَّتي كونها في ذهنه لما ينبغي أن يقول في رثاء شاعرٍ كبير مثل الرصافي.
3. الوزن والقافية وصلتهما بطول القصيدة:
تبين من تتبع البحور الَّتي نظم بها الشَّاعر قصائده الطويلة أنّ أكثر البحور دوراناً في شعره هو البحر الكامل فاستعمله في اثنتين وعشرين قصيدة واستعمل مجزوء الكامل في ثلاث عشرة قصيدة، ثُمَّ البحر البسيط في ثماني عشرة قصيدة فالطويل في سبع عشرة قصيدة فالمتقارب في ست عشرة قصيدة فالوافر في خمس عشرة قصيدة والخفيف في خمس عشرة قصيدة أيضا ثُمَّ الرَّمل في أربع قصائد والمديد في ثلاث والرجز والسريع في كل واحدة لكل منهما.
ونتبين كذلك أن الشَّاعر مولعٌ بالأوزان التامة على غرار شعراء العربية الكبار فأكثر المجزوءات الَّتي استعملها كانت مجزوء الكامل كما تقدم ومجزوء الرمل والرجز في ثلاث قصائد ومجزوء الوافر في قصيدتين ومجزوء الخفيف في قصيدة واحدة.
إن كمية القول في البحور التامة أكثر من البحور المجزوءة وذلك شاهد على براعة الشَّاعر وقدرته اللُغَوية الَّتي مكنته من استثمار طاقات اللغة بكل جوانبها على نحو واسع.
واستطاع الجواهري أن يخفف من الرتابة في امتداد القصيدة على صدر وعجز بينهما فاصل بواسطة تقسيم القصيدة إلى مقاطع ثُمَّ استثمر قدرته على التصوير والتنويع في طرح المضامين، وقد حرص على التنويع في شكل القصيدة فإلى جانب القصيدة العمودية هناك القصيدة الَّتي نوّع فيها في القافية وقد نظمها الشَّاعر على شكل أشطار وزع مقاطعها بطريقة تقترب من صنيع شعراء المهجر فتقترب بعضها من الموشح. ولم يخف الجواهري تأثره بشعراء المهجر كأيليا أبي ماضي وجبران فقال: ” أنا تأثرت بجبران كثيراً في طفولتي وقد يكون له حتَّىالآن أثر في نفسي من حيث لا أشعر، باطناً في أعماق ذاتي أثر فيّ بإيمان وليس ببيان فقط كأنني هذا الذي أريد، أفتش عنه، تأثرت كثيراً وحفظت ونسخت كثيراً
منه ” ( ).
ولعل ميل الجواهري إلى الأشكال غير التقليدية أحياناً جاء أثراً من صنيع شعراء المهجر.
ولا يقف الشَّاعر عند تنويع القافية فحسب لكنه يعمد إلى تفتيت البيت العمودي بطريقة قريبة من كتابة الشِّعر الحر كما فعل في ” أفروديت ” ( ) و ” أنيتا ” ( ) وقد لجأ إلى هذه الطريقة عدد من شعراء المغرب حين يكتبون قصائدهم بالشكل التقليدي ” ثُمَّ يفتتنون الأبيات بصرياً ومكانياً لخداع القارىء ” ( ) ويمضي الباحث إلى القول: ” ويلعب هذا التوزيع الذي لا دافع موضوعي له دوراً في خدعة القارىء ولا يقوم بأي مهمة تاريخية في تغيير حساسيته
الشِّعرية ” ( ).
إن ميل الشَّاعر إلى التجديد في شكل القصيدة يدفعه في بعض الأحيان إلى تفتيت البيت وتوزيعه بطريقة تهدف إلى خلق نمط جديد من الموسيقى لا يقوم على الرتابة فضلاً عن أن الشَّاعر يحاكي في كتابة البيت المعنى الذي يريده كما فعل في قصيدة ” زوربا ” الَّتي لم يلتزم بها الشَّاعر بقافية واحدة فضلاً عن أنه ينوع في البحر الذي استعمله فمرة يستعمله تاماً ومرة مجزوءاً ومرة مشطوراً وهذا التوزيع يأتي من قبيل الخروج على المألوف من أوزان الشِّعر العربي.
والجواهري يعمد إلى هذه الطريقة أيضاً لأنه يريد من القارىء أن يتوقف وقفات مقصودة عند بعض الكلمات الموحية الَّتي ينثرها في سياق البيت الشِّعري وليخلق موسيقى مضافة لموسيقى البيت العمودي ويقضي على الرتابة الَّتي تتكون لدى القارىء وهو يطالع ديوانه ولا شك في أن الجواهري يدرك أن النص المكتوب بهذه الطريقة يصلح للقراءة أكثر من الإنشاد. ولعله كان يرمي إلى أن هذه الطريقة في البناء تجعل الشِّعر القديم باقياً على موسيقاه وهو ينافس الشِّعر الحر في هذه الخاصية الَّتي يدافع عنها العديد من الشِّعراء الجدد ناهيك عن أن الجواهري قد نظم قصيدة ” الشيخ والغابة ” ( ) على نظام الشِّعر الحر مقتحماً هذا النمط من البناء ليري خصومه براعته فيه وقدرته على استفزازهم، أو ليدلي دلوه في مجال الشِّعر الجديد الذي لقي رواجاً في تلك المدة.
ومما يسر على الجواهري أن يطيل في القصيدة أنه استعمل القوافي الذُلل الَّتي كثرت على الألسن كما قال المعري ( ) وهي الباء والتاء والدال والراء والعين والميم والياء المتبوعة بألف الاطلاق والنون والكاف والقاف والفاء والجيم والحاء والسين ( )، وتجنب القوافي النفر وهي:
الصاد والزاي والضاد والطاء والهاء الأصلية والواو ( ) وتجنب القوافي الحوش وهي الثاء والخاء والذال والشين والظاء والغين ( ).
والجواهري لم يلجأ في مطولاته إلا للقوافي السهلة ولم يلجأ إلى القوافي الأخرى إلا في القصائد ذات القوافي المتنوعة أو في قصائده القصيرة وعلى نطاق محدود جداً ( ).
ولا شك في أن غزارة جذور القوافي الذلل كانت سبيلاً إلى ميل الشِّعراء إلى ركوبها فضلاًَ عما فيها من طاقة نغمية وقدرة على مدِّ النفس الشِّعري.
وينبغي القول إن الجواهري لا يميل إلى تكرار القافية ويعد هذا مذهباً صعباً على الشَّاعر الضعيف الذي تضيق به لغته فلا يتوجه إلى القافية بسهولة على حين نرى الجواهري يمتلك ثراء لغوياً يدفعه لعدم تكرار القافية ولكونه شاعراً متضلعاً من لغته ” لا يخضع للقافية ولا للفظ بل إنها طوع قلمه طواعية اللازب لأنامل المثّال ” ( ).

4. التوصل إلى القافيـــــة:
يستثمر الشَّاعر طاقته اللُغَوية عبر ما تتيحه اللغة من إمكانيات كبيرة كي يصل إلى القافية سواء أكان ذلك الأمر يتعلق باختيار المفردة المناسبة للقافية ونوعها أم في وضع هذه اللفظة في سياق نحوي إذ تحتم القافية التزامها علامة أعرابية معينة. فهو لا يجد صعوبة في اختيار اللفظة الَّتي تتضمن القافية كما لا يجد عناءً في وضع تلك اللفظة في سياق نحوي ولا سيما في حالة النصب وذلك لوفرة المنصوبات من جهة ومن جهة أخرى انتفاعه من صور بعض الأفعال ففي قصيدة ” أبو العلاء المعري ” ( ) الَّتي تكونّت من واحد وتسعين بيتاً توصل الشَّاعر إلى القافية في أربعة وعشرين بيتاً باستعمال الفعل الماضي المبني على الفتح الذي مدّه إلى ألف الإطلاق، على حين انحصرت القوافي الأخرى على استعمال المنصوبات كالمفعول به والحال والتمييز والتوابع وغيرها، لذلك استفاد الشَّاعر من الامكانات الوفيرة الَّتي جبلت عليها لغته الشِّعرية مما أفسح له السبيل في أن يطيل نفسه الشِّعري دون عناء يذكر، ففضلاً عما يمتلكه من خزين ثر في المفردات الَّتي تُسهم في القافية (3) نجده يستنفد صور المنصوبات بطريقة تجعل ملكته الشِّعرية تنساب من غير تعثر أو ضعف.
أما في القافية المجرورة فمجال التصرف في الموقع الأعرابي أصعب منه في المنصوبات من القوافي ذلك لأن القافية تحتم على الشَّاعر استعمال الأسماء في أغلب الأحوال، لكنه يسلك سبيلاً سهلاً للوصول إلى القافية ففي قصيدة ( فلسطين )(4) الَّتي قوامها واحد ومائة بيت استعمل الشَّاعر أسهل صور الجر في العربية وأكثرها شيوعاً وهي صورة الجار والمجرور والجر بالإضافة في أربعة وسبعين بيتاً وتوصّل للقوافي الأخرى بتوظيف الأسماء المنقوصة لتقع في القافية حيث يكون الدال ورديفه الألف ملازماً القافية في القصيدة كُلِّها واستفاد الشَّاعر من توظيف التوابع في رصف القافية كالعطف والنعت( ) واستعمل صورة المضارع الناقص في أربع قوافٍ.
إنَّ سهولة القافية تتيح للشاعر قدرة على الاسترسال في القول عبر استنفاد آلية الجار والمجرور والمضاف والمضاف إليه والتوابع وإذا ما أعوزه الأمر فإنه يستثمر إمكانات صرفية ونَحْوِية أخرى لبعض الألفاظ لتشكل القافية وتسير على وتيرة سمحاء.
وفي قصيدة “يوم الشهيد”( ) المؤلفة من ثلاثة ومائة بيت الَّتي يقول في مستهلها :
يوم الشهيد: تحيةٌ وسلامُ
بك والنضالِ تؤرخُ الأعوامُ

نوّع الشَّاعر في القافية بين الاسم والفعل فاستعمل الفعل في اثنين وعشرين بيتاً ووردت القافية في الأبيات الأخرى على النحو الآتي:
الفاعل (44) بيتاً، الخبر (25) بيتاً، المبتدأ المؤخر (13) بيتاً، نائب الفاعل (8) أبيات، خبر إن وأخواتها (8) أبيات، اسم كان مؤخراً(1) بيت واحد، أما التوابع فكان استعمالها وفيراً فاستعمل العطف في (54) بيتاً لكونه من الوسائل السهلة للوصول إلى القافية واستعمل النعت في عشرة أبيات والبدل في بيتين.
إن استعداد الشَّاعر اللغوي العالي جعله يمارس ضروباً من التنويع في بناء الجمل القصيرة الَّتي يفقد نظام الرتبة خصائصه المعتادة فيها فيعتري عناصرها التقديم والتأخير لأجل أن تستقيم القافية ويمتد نفسه الشِّعري، ويبقى الشَّاعر متماسكاً لا يضعف لكونه يمتلك أداة شعرية متراصة تتنوع التعابير فيها بتنوع العواطف والانفعالات.
وفي قصيدة ” أخي جعفر” ( ) برز النمط الفعلي في بناء جمله وانعكس ذلك على القافية أيضاً فالقصيدة تقع في ستة و تسعين بيتاً شكل الفعل القوافي ( 47 ) بيتاً منها في ضمنها خمسة أفعال ماضية مسندة إلى واو الجماعة، أما الأفعال الأخرى فوردت بصورة المضارع وذلك يشكل أكثر من نصف قوافي القصيدة. وأستثمر إلى جانب ذلك مرفوعات الأسماء والتوابع على النحو الآتي:
الفاعل في ثمانية عشر بيتا ونائب الفاعل في ستة أبيات والخبر في ثمانية أبيات وخبر” إن” في بيتين، والمبتدأ المؤخر في بيتين أيضاً والنعت في أحد عشر بيتاً والعطف في بيتين والجار والمجرور في بيت واحد.
إنّ جسامة الحدث في هذه القصيدة هي الَّتي سيطرت على الشَّاعر وجعلت انفعالاته تطفح بهذا السيل المتحرك الهادف إلى التحريض والثورة على الظلم.
إنّ الجواهري يحرص على أن يستفيد من إمكانات اللغة إلى أقصى حد لذلك لا تأتي القوافي لديه من صنف لغوي واحد كالأسماء أو الأفعال بل يميل إلى أن تتعدد الأصناف اللُغَوية لأنه شاعر مطيل ولذلك لا تشكل القافية عبئاً عليه مما يدفعه إلى الإطالة فضلاً عن قدرته على استنفاد طرائق التعبير والنظم النحوية الَّتي تحكمها وهذه تشكل ميزة مهمة من مزايا الشَّاعر غير المتهافت.
وقد يعمد الشَّاعر إلى استنباط القوافي من ألفاظ ترد في البيت نفسه( ) أو من مرادفاتها ومضاداتها مما يسهل عليه الوصول إلى القافية من ناحية ومن ناحية أخرى يستفيد من تكرار اللفظة في البيت فتترك أثراً موسيقياً مضافاً إلى عناصر الموسيقى التقليدية في البيت الشِّعري.
ويستفيد الشَّاعر من عنصر المناقضة أو الطباق للتوصل إلى القافية فقال في قصيدة
“يا أم عوف”( )
يا أمّ عوفٍ عجيباتٌ ليالينا
يدنين أهواءنا القصوى ويقصينا

في كل يومٍ بلا وعيٍ ولا سببٍ
ججججج ينزلن ناساً على حكم ويُعلينا

وقال في القصيدة نفسها:
مزعزعين كأنّ الجنّ تُسلمنا
للريح تنشرُنا حيناً وتطوينا
ج
فاستعمل اللفظة ونقيضها مما سهل عليه الوصول إلى القافية فناقض بين:
يدني ويقصى
وينزل ويعلي
وتنشر وتطوي
ومن اشتقاقه القافية من لفظة في البيت وهو ما سمي بالتصدير أوردّ أعجاز الكلام على ما تقدمها( ) قوله في القصيدة نفسها:
فيه عطفنا لميدان الصبا رسناً
ج كاد التصرمُ يلويه ويلوينا
ج
………….
وغاض نَبْعٌ صفا كنا نلوذ به
في الهاجرات فيروينا ويُصفينا
ج
يا أم عوفٍ وقد طال العناءُ بنا
ج آهٍ على حقبة كانت تعانينا

آه على أيمنٍ من ربع صبوتنا
كنا نجول به غراً ميامينا
جج
كانت تجدّ لنا الأحلام حاشية
ج مذهوبة كلما قُصّت حواشينا

ومن وسائل الشَّاعر السهلة للوصول إلى القافية قدرته الكبيرة على التصرف في المفردة( ) سواء في الصيغ أم الجموع وغيرها ليجعلها منسجمة مع القافية فضلاً عن قدرته الكبيرة في المناوبة بين المشتقات أو توليد صيغ صرفية غير مألوفة على الأسماع من ذلك قوله في “دم الشهيد”( )

فسُقّوهم بكأسهم دِهَاقاً
ذعاف الهون والذل اجتراعا

وقوله: رصاص البغي يفجركم ليجري
دمٌ يزكو به الوطن ازدراعا

وقوله: وكن فيما اندفعت شعارَ جيلٍ
حثيثِ الخطو يأبى الارتجاعا

فالمصادر الَّتي استعملها في القافية اشتقها الشَّاعر من الأفعال المزيدة ( اجترع وازدرع وارتجع ) مؤثراً إياها على صيغة المجرد للتوصل إلى القافية من جهة ومن جهة أخرى يختار اللفظة في بناء لغوي غير مستهلك.
وقال في قصيدة “قف بأجداث الضحايا” ( ).
أمة تكره من مستعمرٍ
فرضَهُ النصرَ وتأبى الانخذالا
ج
وقال: إنه يشجب من حكامه
خطة العسف ويأبى الاغتلالا

فآثر صيغة المصدر المشتق من الفعل المزيد: انخذل واغتلّ على المجرد سعياً إلى القافية.
ولم يقتصر تصرف الشَّاعر على المصادر فحسب بل شمل صيغ المشتقات بميله إلى بعض الصيغ منها دون غيرها، فقد مال إلى صيغة (فَعِيل) في مواضع عدة من ديوانه ليستفيد منها في بناء القافية في قصيدة: “ألقت مراسيها الخطوب” ( ):
وتطامَن الألم الحبيـ
سُ وأفرخ الامل الرحيب

وميل الشَّاعر إلى هذه الصيغة( ) يأتي تعزيزاً للموسيقى الَّتي تحققت عبر توازن الصيغ في
( الحبيس والرحيب ) وتماثل الحروف في ( الألم والأمل ) وتوازن الجملة
في: تطامَنَ الألم الحبيس
وأفرخ الأمل الرحيب
فاستعمل الشَّاعر صيغة الحبيس بمعنى اسم المفعول واستعمل الرحيب بمعنى اسم الفاعل.
وقال: عصرٌ خصيبٌ بالكفا
حِ وآخرٌ منه جديبُ

فأثر “جديب” على: جَدْب وجَدوب ومجدوب( )
وقال: وإذا به وهو الكريـ
ـبُ يثيرُ نخوته الكريبُ

فاستعمل: الكريب بمعنى “المكروب”.
وترد هذه الصيغة في قوافٍ عدة لتنوب عن مشتقات أخرى في القصيدة نفسها.
وفي مجال مناوبته بين المشتقات ليخلق انسجاماً بين قوافي القصيدة يؤثر الشَّاعر صيغة “فعول”على غيرها فقال في قصيدة “لبنان يا خمري وطيبي”( ):
لمُرقرِقِ النغمات في
أكواب منطقِهِ الخلوبِ

وقال: المستدرِّ الكأسَ مِن
خُلِق النَدامى والشَّروبِ
ج
وقال: ووهبتَها الأجيالَ تر
عى مِنََّةَ السَّمْحِ الوَهُوبِ

فاستعملها بمعنى ( الخلاّب ) و ( الشارب ) و ( الواهب ) وذلك لقصد المبالغة في الفعل.
ومن وسائله في الوصول إلى القوافي دون عناء خبرته الواسعة بظواهر عديدة من ظواهر اللغة العربية منها ظاهرة الترادف الَّتي استفاد منها بحيث لا يعسر عليه المعنى ولا يخذله الوزن فيختار من المترادف ما ينسجم معهما من ذلك قوله في قصيدة “جمال الدين الأفغاني”( ):
تجشّمتَ المهالكَ في عَسوفٍ
تجشّمَهُ سواك فما استقادا

إن “استقاد” ترادف معنى “انقاد”( ) لكن الشَّاعر آثر الصيغة غير المألوفة في عربيتنا المعاصرة وصولاً إلى القافية.
ويصل الشَّاعر إلى القافية عبر استعمال صور غير مألوفة في الجموع أو يتصرف في بعضها أو يختار ما يناسب القافية منها إذا تعدد الجمع لمفرد واحد من ذلك ما ورد في قصيدة “يا دجلة الخير” ( ) إذ قال:
تهزين أن لم تزل في الشرق شاردةً
من النواويس أرواحُ الفراعينِ
فجمع ( فرعون ) على “فراعين” بدلاً من الجمع المألوف ( فراعنة )( ) واغلب الظن أنَّ الشَّاعر اقترض هذا الاستعمال من اللهجة الدارجة وقال في القصيدة نفسها:
يا دجلة الخير: كم معنىً مزجتُ له دمي بلحمي في أحلى المواعين
وقال أيضاً:
أقول: ليت كفافاً والكفاف به
رُحبُ الحياة وأقوات المساجين
فجمع الشَّاعر “ماعون” على “مواعين” و “المسجون” على “مساجين” ولم يرد هذا الجمع في الفصحى( ) ولا شك في أن الشَّاعر اقترضه من اللهجة الدارجة وظاهر الأمر أنه وجد هذه الجموع سائغة لأن جمع مفعول على مفاعيل وفاعول على فواعيل وفِعول على فعاليل له أمثلة فصيحة. من هذا تبين لنا أن الشَّاعر يصل إلى القافية عبر طرائق مختلفة ذكرنا قسماً منها وهو كاف ليجعلنا نصل إلى أنه يذلل كل العوائق الَّتي تحول دون الوصول إلى القافية، فإذا كانت القافية في متناول يده فلن تشكل عائقاً أمام امتداد القصيدة عنده.
والأمر يصبح سهلاً أكثر فيما لو نظم القصيدة ونوع في قوافيها وفي هذا الحال يكون ذلك ادعى لأن تمتد القصيدة إلى ما يشاء الشَّاعر فلا يجد صعوبة تذكر.
ويضاف إلى ذلك أن القافية في شعره تأتي جزءاً مكملاً للتركيب اللغوي في البيت فلا تأتي القوافي مقحمة لديه أبداً.
5. الثراء اللغوي:
حظي الجواهري بمخزون لغوي غزير( ) ومتشعب تشعّبَ مصادر ثقافته وامتدادها ذلك ما يمكن التثبت منه من خلال غزارة شعره وكميته فديوانه الضخم الذي يقع في سبعة أجزاء والذي ضم قصائده الَّتي نظمها ابتداء من عام 1920 حتَّىعام 1979 يشكل ثروة لُغَوية هائلة ويعكس طاقة شعرية فريدة قلما تتكرر.
وليس من السهل الوقوف على مصادر لغة الجواهري فلا شك في أنه ينتفع من مصادر عديدة لا تخطر على ذهن غيره من الشِّعراء المعاصرين لكننا يمكن أن نتبين بعض مصادره تلك من خلال النص الشِّعري من جهة ومن اعترافات الشَّاعر نفسه الَّتي صرح بها في العديد من المناسبات.
فمن مصادره الرئيسية القرآن الكريم فلا تخلو أية قصيدة من قصائده من أثر قرآني ليس في مجال اختيار المفردات القرآنية فحسب لكن في بناء العبارة والتراكيب مما سنقف عليه مفصلاً في الفصول القادمة.
إن أثر القران الكريم في شعر الجواهري لا ينحصر في مرحلة معينة أو في بداية حياته الشِّعرية لكن يصاحبه في ديوانه بأسره وعلى امتداد عمر الشَّاعر فلا يضعف أثر القران الكريم بتقدم الشَّاعر في العمر وليس من المعقول الجزم بأن الجواهري تأثر بلغة القرآن في فترة العشرينيات الَّتي مثلها الجزء الأول من ديوانه لقربها من طفولته الَّتي نشأ فيها نشأة دينية صارمة ذلك لان الجواهري يستفيد من القران الكريم بوصفه نصاً لغوياً مأثوراً( ).
ومن مصادر ثراء لغته الشِّعر العربي القديم بعصوره المختلفة ويمكن أن نتبين ذلك من تصريحه معبراً عن تجربته إزاء المفردة في الشِّعر وهو يسدي النصح للأدباء والشِّعراء الشباب فقال: “إنّ شاعراً أو أديباً عراقياً لم يحفظ البحتري وأبا نؤاس وابن الرومي وأبا تمام والمتنبي أو لم يدرس الجاحظ والأخطل والكامل وابن قتيبة وابن الأثير وأبا الفرج ودِعْبِل ونهج البلاغة لا يمكن أن يكون شاعراً ولا كاتباً أبداً….”( ).
ولا شك في أنَّ الشَّاعر يستحضر وهو يسدي نصيحته النصيحة الَّتي ذكرها خلف الأحمر للشاعر أبي نؤاس( ).
وفي اثناء سيرة الشَّاعر الذاتية يطفو أثر البيئة الأدبية في النجف على لغة الشَّاعر وتنوع مصادر هذه اللغة ونموها المستمر فضلاً عن تربيته في أسرة شاعرة فأبوه شاعر وأخوه شاعر وابن عمه الذي عاش في كنف أسرته شاعر( )، زِدْ على ذلك كانت طبيعةُ الدراسة في النجف قد حتَّمَتْ عليه أنْ يدرس كتب أساس الأدب وهي البيان والتبيين والكامل وأدب الكاتب وأمالي القالي وأنْ يحفظ دواوين الشِّعر العربي القديم كالمتنبي وأبي تمام والبحتري ولا يخفي الشَّاعر ذلك فهو يُصِّرح: “أنا أغالي في إعجابي بالبحتري، خمسون سنة تماماً لم يفارقني ديوان البحتري حتَّىفي السَّفْرة لا أحمل فيها ورقة” ( ).
وما يرويه عن حبه لديوان الأرَّجَاني وهو ما يزال في سن مبكرة يدل على شغفه بالشِّعر العربي القديم وإعجابه به ( ).
ويمكن أن نتبين مدى اطلاعه الواسع على دواوين الشِّعراء المتقدمين بشكل مباشر من خلال كثرة التضمين والاشارات فالنص الشِّعري لديه ليس جواهرياً محضاً بل نسيجاً حبكه الشَّاعر بتضمينات مباشرة أو إشارة إلى نصوص شعرية قديمة( ) ولا يمكن ان نعد ذلك مأخذاً على الشَّاعر أو مما يقلل من شاعريته وذلك لأنها قليلة قياساً إلى حجم نتاجه الشِّعري لكن لأنها دليل على خبرته الواسعة بديوان الأدب العربي القديم ولأنها مصدر من مصادر ثرائه اللغوي.
وقد عارض عدداً من شعراء العربية فقال في مقدمة “حلبة الأدب”: “وكنت قد اخترت لي خطة لسلوكي في عالم الأدب لم أحد ولن أحيد عنها….. تلك أني ما رأيت مجرّ قلم لأديب كبير إلا وتطفلت عليه وسرت النهج الذي قصده والغاية الَّتي طلبها، وكنت أجهد كل طاقة وابذل غاية المقدر لان أكون منه بحيث يرى نفسه كأني أتطلع إلى خفايا أسراره الشِّعرية الدفينة”( ).
ومن مصادر ثرائه اللغوي انتفاعه من مظان اللغة كالمعاجم وكتب الأمثال والسيرة وغيرها فقد ذكر راويته الأستاذ عبد الكريم الدجيلي أن الجواهري كان: “يستنزف جميع الكلمات في القاموس للقافية”( ) ومن خلال تتبعي لمعاني بعض المفردات كثيراً ما يتأكد لي أن الشَّاعر كان على صلة وثيقة بمعجم (القاموس المحيط) يستقي منه العديد من المفردات والاشتقاقات وألوان الجموع ليس في القافية وحدها بل في أثناء القصيدة وليس في ذلك غرابة لكونه على صلة حميمة بالمعجم وكتب اللغة الأخرى يختار منها ما يشاء ويضعه في إطار جديد يضفي عليه طرافةً وجدة.
وليس غريباً أيضاً أنْ يستقي الشَّاعر ألفاظاً باتت حبيسة المعاجم وكتب الأدب ويضفي عليها الحياة ويبني عليها قصيدته فكانت بذلك مصدراً مهماً من مصادر ثرائه اللغوي الذي كان وراء امتداد القصيدة لديه فقد عزا الدكتور مهدي المخزومي طول النفس الذي يتميز به الجواهري إلى غزارة مفرداته وقدرته على الصوغ المحكم والانتقاء الفريد لقوافيه ومفرداته( ).
والى جانب امتلاك الشَّاعر لهذه الثروة اللُغَوية الهائلة الَّتي سهلت عليه طول النفس الشِّعري نجده يمتلك قدرة عجيبة على تصريف هذا الزخم الهائل من الألفاظ في قنوات تعبيرية تكشف عن خبرة دقيقة بالتراكيب وبناء الجمل مما يجعل الشَّاعر ممسكاً زمام اللغة موجهاً إياه أنى يشاء، وما دام يمتلك قياد اللغة فلا تصعب عليه مسألة مَدِّ القصيدة بالقدر الذي يراه كافياً للتعبير عن انفعالاته وأخيلته.aljawahiri khalid jalal
6. بناء الجملة ( ) والتراكيب:
يعمد الجواهري في بعض الأحيان إلى مَدِّ الجملة على مساحة واسعة من القول فلا تأتي عناصرها متجاورة بل يباعد الشَّاعر بينها سواء باستعمال العطف أو تعدد النعوت، إن هذه الميزة لا تعني أن الشَّاعر لا يستعمل الجملة القصيرة بقدر ما تعني أنه يتخذ منها وسيلة لشحن العديد من الصور والانفعالات إلى أن يصلَ الشَّاعر إلى العنصر المكمل للجملة فتكون حينذاك جملة طويلة تكتنف جملاً قصيرة عديدة وسواء أكان الشَّاعر واعياً بصنيعه هذا أم غير واعٍ فإنه يُسهم في نمو القصيدة وامتدادها.
وهناك شواهد عدة على نزوع الشَّاعر إلى الجملة الطويلة في بعض الأحيان ففي قصيدة ” أبو العلاء المعري ” ( ) ذكر المبتدأ وجعل يسترسل في القول باستعمال العطف وسيلة لذلك الاندفاع اللغوي إلى أن يَصِلَ إلى الخبر فقال:

وهؤلاءِ الدُّعاةُ العاكِفونَ على
أوهامهمْ صَنَماً يُهْدونَهُ القُرَبا

الحابطونَ حياةَ الناس قد مَسَخُوا
ما سَنَّ شَرْعٌ وما بالفِطْرَةِ اكْتُسِبَا

والفاتلونَ عثانيناً مُهَرَّأَةً
ساءَتْ لمُحْتَطِبٍ مَرْعىً ومُحتَطَبا

والمُلْصِقونَ بِعَرْشِ الله ما نَسَجَتْ
ج أطماعُهُمْ: بِدَعَ الأهواءِ والرِّيبا

والحاكمون بما تُوحي مطامعُهُمْ
ج مُؤوِّلين عليها الجِدَّ واللَعِبا

على الجُلُود من التَدْليس مَدْرَعَةٌ
ج وفي العيون بريقٌ يخطُفُ الذَّهبا

ما كان أيُّ ضَلالٍ جالباً أبداً
ج هذا الشّقاءُ الذي باسم الهُدى جُلِبا

أوسَعْتَهُمْ قارصاتِ النَّقْدِ لاذِعَةً
وقُلْتَ فِيهِمْ مَقَالاً صادِقاً عَجَبا

” صاحَ الغرابُ وصاحَ الشَّيْخ ُ فالتبَسَتْ
مسالِكُ الأمْرِ أيٌّ منهما نَعَبا ”
فذكر المبتدأ ( هؤلاء ) أداة الإشارة للقريب ونوّعَ في المُشار اليه فأضفى على الاسم طاقة تعبيرية جديدة لتشير إلى أكثر من صنف من الأصناف البشرية المقيتة في آن واحد فتفرعت منها أيادٍ عدة لتشير إلى أنواع بشرية كان قد ذمها أبو العلاء لكنها ما تزال تعيش في عصرنا، فضخَّم اسم الإشارة واستند على العطف حتَّىيصل إلى الخبر في الجملة الفعلية بعد سبعة أبيات من المبتدأ وهو قوله:
أوسعتهم….
إنَّ هذه الطريقة في بناء الجملة قد يستعملها الشَّاعر للتنويع في الصور واستنفاد الطاقة الانفعالية لديه لكنها في حقيقة الأمر تُسهم في طول النفس الشِّعري لدى الشَّاعر وتجعل المتلقي أكثر انشداداً إلى تتبُّع العنصر المكمِّل للجملة.
ولا يقتصر هذا المنحى على عناصر الجملة كالفعل والفاعل أو متعلقات النواسخ وغيرها لكنه يشمل بعض أساليب التعبير كالشرط والقسم أو الإطالة في أحوال القول والفصل بين القول ومقوله مما يُشَّكِلُ ظاهرةً واضحةً في شعر الجواهري تُسهم في مَدِّ القصيدة وتعمل على شَدِّ المتلقي لمعرفة العنصر المكمل للتركيب، وفي مثل هذه الأحوال لا يأتي البيت الشِّعري ليكوِّن وحدةً دلاليةً مستقلةً بل يرتبط بما يعقبه من أبياتٍ ممّا يحقق نُمُوّاً مُعقداً في بناء القصيدة.
ففي قصيدة ” ظلام “( ) يستعمل الشَّاعر أداة الشرط ” مهما ” وتأتي جملة فعل الشرط طويلة عَبْرَ تتابع العطف وتكرار الأداة أكثر من مرة ولا يأتي جواب الشرط إلا في البيت الخامس عشر بعد الأداة الأولى، فقال:
فإنَّك مهما تُشِعْ من سَوادْ

وتُلبسْ دياجيك ثوبَ الحِداد

ويُذرَ مع الرِّيح منك الرَّماد

ومهما ارتَمَتْ خافقاتُ الظَّلالْ

فُوَيْقَ السُّهوبِ وبين الرِّمالْ

ترجّفُها بين آلٍ…. وآل:

كآبةُ ديجورك الزاحِفِ

ووحشةُ زِنْجِيِّك الرّاجِفِ
ج
ومُلْهِمُ قَيْثارِكَ العازفِ

ومهما ترامَتْ رؤوسُ الجبالْ

تُثيرُ من الرُّعب مثل الخَبالْ

بحيثُ تهيمُ بناتُ الخَيالْ

وقد آدَ منهُنَّ وزْرُ الخَطايا

حواسرُ من فَرْط هَوْلٍ عَرايا

تجوسُ الثَّرى وتجوبُ الثَّنايا

فلستَ ببالغِ رُعْبِ البرايا

إذا خطرَتْ في بُرودِ الجَلال

وقد سَتَرتْ جِيَفاً في الحَنايا

وإن هي زَرّتْ جيوبَ الكَمال

وقد راعَها قُبْحُها في المرايا

فجاء جواب الشرط في قوله:
فلستَ ببالغ رُعب البرايا

ولا يترك الاستعمال خالصاً لـ ” مهما ” لكنه يتبعه بأداتين أُخْرَيين من أدوات الشرط وهما “إذا ” و ” إنْ ” ويجعل من جواب ” مهما ” دليلاً على جواب الشَّرط المحذوف فيهما، إن هذا النوع المعقد من الرَّبط بين عناصر التركيب الشرطي لا يبلغه إلا الشَّاعر المتمكن من اللغة وأساليبها وتدلُّ على براعته في استثمار خصائص هذه الأساليب الَّتي هي في الأصل مَبْنِيَةٌ على جملة معقدة وليست سهلة.
وينهج النهج نفسه في المقطع التالي من القصيدة نفسها فيفتتحه بأداة الشرط ” إذا ” ويُفَصِّل في فعل الشرط ثُمَّ يكرر أداة الشرط سبع مرات يعقبها في كل مرة بجمل شرطية ليأتي جواب الشرط بعد مرور واحد وعشرين شَطْراً بقوله:
فَعُدْ أنت يا زاهياً كالغُرابِ

ويا شامخاً كالحُلُومِ الغِضابِ

ويا نافِذاً نافعاً كالحِرابِ

فَلُفَّ البرايا بهذا الخِضاب

تجدِّدْ به عهدها بالشباب

وفي هذا الشاهد فصل الشَّاعر بين المعطوف عليه ( فعدْ ) والمعطوف ( فلفّ ) بتراكيب من النِّداءالذي يتحول إلى خبر تتنوَّعُ من خلاله الصور وهو وسيلة سهلة يستثمرها الشَّاعر بغزارة في شعره مما يجعلها تُسهم أيضاً في مَدِّ القصيدة .
ولا ينتهي المطافُ بالشَّاعر وهو في معرض القَسَم باستعمال هذا الأسلوب استعمالاً أَلِفَتْهُ قواعد اللغة لكنه يسلك سبيل التنويع بالمُقْسَم به حينما يصف عيني ” أنيتا ” بصفات عديدة يحشد لها الشَّاعر أنواعاً جديدة من المقسم به يَبتدعها خياله العميق في تشعُّب يصور عينيْ
” أنيتا ” تصويراً حسياً بارعاً وذلك كله يجري عبر التنويع بالمقسم به إلى أن يأتي جواب القسم بعد مساحة قولية كبيرة مما يجعل القصيدة تمتد بهذه الوسيلة فقال ( ) :
إيْ وعينيكِ والخيالِ الشرودِ

إيْ وهذا الغَوْرِ السحيقِ البعيدِ

بين مُوقَيْكِ يَسبِقُ الأبعادا

إي و” صحراءَ ” صَحْصَحٍ . . . تَتَنادى

عَنْدَها من ” عوالمٍ ” أصْداءُ

إيْ ولَمْحٍ . . . ! من السَّنا يتهادى

فتسيرُ الأطيافُ والأهواءُ

خلفهُ :
إيْ وصامتٍ كالجليدِ

ومُدَوٍّ كقاصفاتِ الرُّعودِ
منهما :
إي وذلكَ ” الانسان ِ” !

هازئاً بالمَلاك والشَّيطانِ :

لاَمتداد الفضــــا وعُنْفِ الدَّيــاجي
وخِضّمٍّ من بَحْره العَجّاجِ

دون هذا الطَرْفِ الكحيل السَّاجي

رَوْعَةً وانْبساطَة واقتِدارا

إيْ وعينيكِ حِلْفةً لا تُمارى

إن جواب القسم يأتي بعد امتداد القصيدة عبر التنويع في المقسم به وهو أثرٌ من آثار القرآن الكريم في أسلوبه أيضاً سنقف عليه في موضع آخر والذي نحن بصدده أن هذا النوع من البناء يفسح المجال للشاعر لأن يمد التراكيب فيطول نَفَسُهُ الشِّعري .
ويَمُدُّ الشَّاعر القصيدة حين يُنَوِّعُ في أحوال فعل القول ولا يأتي مَقُوْلُ القول إلاّ بعد أبيات عدة ففي قصيدة ” في مؤتمر المحامين ” ( ) الَّتي مطلعها :
سلامٌ على حاقدٍ ثائرِ
ج على لاحِبٍ من دَمٍ سائرِ

يقول الشَّاعر:
أقول وقد لاح غولُ البلاء
يفرِّج عن شِدْقِهِ الكاشِرِ

وخفّتْ ” للندنَ ” تلكَ اللُّصو
صُ تَلْبَسُ ثوبَ الدُّجى العاكِر

تحوكُ برغمِ أُنوفِ البلادِ
نَسيجَ الهلاك لها الدامرِ

وراحت تُسيلُ بألعابها
لُعابَ الأفاعي يدُ الساحر

وذرّتْ قرونٌ لمستعبَدٍ
بِنَعْرَةِ سيّدهِ الناعر :

إلى كمْ تداري شيوخ العراقِ
وأقطابُ محورهِ الدائرِ

عُجُولاً تُربّى لِمُستَعْمِرٍ
ويُلْعَنُ في عِجْلِهِ ” السَّامِري ”

فامتَدَّتْ أحوالُ القَوْلِ خمسة أبيات إلى أنْ وصل إلى مَقُول القَوْل في البيت السادس وتاليه .
وقد بنى الشَّاعر مقطعين كاملين من القصيدة نفسها على التفصيل في القول لكنه لم يستعمل الفعل ” قال ” أو أحد مشتقاته بل استعمل الفعل ” أبِثُّكُمْ ” ( ) ثُمَّ يأتي المقطع بأسره مفصلاً لما يريدُ قولَه فيطول نَفَسُهُ الشِّعري من جهة ومن جهة أخرى يُحيطُ بالفكرة من جوانبها كُلِّها .
ويختارُ الشَّاعر تركيب النِّداءويفرط في صفات المنادى ويفصل بين النِّداءوجوابه عبر التنويع في صفات المنادى فقال في قصيدة ” ذكرى أبو التمن ” ( ) :
ايهٍ شبابَ الرَّافدينِ ومن بهمْ
يرجو العراقُ تَبَلُّجَ الأسْحارِ

الحاملينَ مِنَ الفَوادِحَ ثِقْلَها
ج ليسوا بأَنْكاسٍ ولا أَغْمارِ

والذائدينَ عَنِ الحِياضِ إذا انْتَحَتْ
كُرَبٌ ولاذَ مُكابِرٌ بِفِرارِ

والباذلين عَنِ الكرامةِ أُرْخِصَتْ
أغْلى المُهورِ وأفدحَ الأسعار
الفَقْرَ إذْ طُرُقُ الغِنى مَفْتُوحةٌ
والبؤسَ إذْ غَدَقُ النعيم جواري
ج
ومؤجِّجينَ نُفُوسَهُمْ وقلوبَهُمْ
شُعَلاً يسيرُ على هداها الساري

والحابسينَ زئيرَهم بِصدورهِمْ
ج فإذا انفَجَرْنَ به فأيُّ ضَواري

والقانعينَ من الحياة رَخِيَّةً
بلُماظَةٍ ومن الكَرى بِغِرارِ

والمُغْرياتُ مُراوداتٌ تُرْتَجَى
وتخيبُ من عُوْنٍ ومن أبْكارِ

يَرِثونَ للمتفيّئين ظِلالَها
عِلماً بما شُريَتْ به منْ عارِ

لا تَيْأَسُوا أنْ لم يلُحْ مِنَ لَيْلةٍ
فَجْرٌ ولم تُؤذِنْ بضوءِ نَهارِ

فيأتي جواب النِّداءبعد مرور عشرة أبيات، إنَّ هذا النوع من البناء يُسهم أيضاً في مَدِّ القصيدة بالقدر الذي يراه الشَّاعر كافياً للتعبير عن الفكرة الَّتي يريد توصيلها.
ومن وسائل الشَّاعر الأخرى الَّتي يستعملها لامتداد القصيدة وتنويع الصور والأفكار اللجوء إلى النفي لكونه يتيح له أنْ يطيل ما شاء فيستعمل النفي بوصفه أداةً لُغَوية تعبِّر عن الرفض وحدة الانفعال في مسارات مختلفة، والنفي بطبيعته، أسلوب يتيح للمتكلم انْ ينفي أمراً واحداً بطرائق من النفي متعددة لكونه أسلوباً غنياً بالأدوات على حين نرى أنَّ التعبير باستعمال أسلوب الاثبات محدود ولا يتوفر على صور تركيبية كثيرة، أيْ أن الجملة المثبتة لا تفسح التعبير بطبيعتها إلا في نطاق محدود لكن الشَّاعر يخرجها من محدوديتها ويَمُدُّ فيها باستعمال التكرار وصنوف التوكيد والعطف وغيرها.
ومن القصائد الَّتي برع الشَّاعر فيها باستمرار الاثبات والنفي ليشتركا في بناء القصيدة بشكل ملحمي يهدف به إلى التمييز بين صنفين من البشر هما الثائر الحاقد المُسْربَل بدماء التضحية والشهادة والخانع الذليل الذي لا حول ولا قوة له تمكنه من تغيير حالة البُؤْسِ الَّتي يعيشها العراق آنذاك تلك القصيدة هي ” في مؤتمر المحامين ” ( ) الَّتي يستعمل فيها التحية الإسلامية وسيلةً للتمجيد والإجلال والدُّعاء فقال:
سلامٌ على حاقدٍ ثائرِ
على لاحِبٍ من دمٍ سائرِ

يَخُبُّ ويعلَمُ أنَّ الطريـ
قَ لابُدَّ مُفْضٍ إلى آخر

كأنّ بقايا دَمِ السابقيـ
ـن ماضٍ يُمهِّدُّ للحاضر

كأنّ رميمَهُمُ أنْجُمٌ
تُسدِّدُ من زَلَل العاثرِ

ثُمَّ يستعمل النفي وسيلةً للتحقير والتحفيز في آن واحد ووسيلة لحشد الصفات الرديئة إلى نمط بشري آخر فقال :
وليس على خاشِعٍ خانِعٍ
مُقيم على ذُلِّهِ صابرِ

عفا الصبر من طلل داثر
ومن متجر كاسدٍ بائرِ

يغلّ يدَ الشعْبِ عن أن تُمَدَّ
لِكَسْرِ يَدِ الحاكم الجائِرِ

ويأمرُه أنْ يُقِرّ النزولَ
ج على إمْرةِ الفاسقِ الفاجِرِ

ويمضي الجواهري في قصيدته باستثمار هذه الوسيلة ” سلامٌ على ” حين يتعرَّض لنماذج بشرية لها مكانة عظيمة في نفس الشَّاعر والمتلقي و ” ليس على ” حين يتعرض لنماذج أخرى اتصفت بالخنوع والذل والخوف ويطغى على القصيدة تمجيدٌ للتضحية والشهادة .
ويبني الشَّاعر قصيدة ” أقول مللتها وأعود ” ( ) باستعمال النفي وسيلةً ليدفعَ عن نفسه قالَة نَفَر اتهموه بتقلب عواطفه ومشاعره تبعاً للظروف فقال في مَطْلعها :
أقولُ مَلَلْتُها وأعودُ شَوْقاً
كأنّي ما عَشِقْتُ ولا مَلَلْتُ

بَلى وكأنَّني لم أُثْنِ منها
أماليدَ الغصونِ ولا أمَلْتُ

ولا سالَتْ بأكؤُسِها دِهاقاً
معطرة الحِفاف ولا أسْلتُ

ولم أعكِفْ على مرضى جفونٍ
ولم أبْرَأْ بِهِنّ . . . ولا اعتلَلْتُ

مَضَتْ عَشْرٌ وعامان استقلاّ
وما استَعْفَيْتُهُنَّ ولا استَقَلْتُaljawahiri  1

فالتفصيل في خبر ( كأنّ ) بتكديس جمل منفية معطوفة استعمل في أثنائها أدوات النفي : (ما ولا ولم) فضلاً عن التزامه في القافية جملاً منفية معطوفة في أبيات المقطع الأول تأتي على نمط واحد هو :
واو العطف + لا النافية + فعل ماضٍ مسند إلى تاءِ الفاعل
وعلى الرَّغم من أنَّ الشَّاعر يستعمل النفي في الظاهر فإِنَّه يُبَطِّنُ الاثبات في مواضع النفي جميعها وبهذه الوسيلة بإمكانه أنْ يطيل فيها ما شاء فهو يستعمل النفي ليثبت حقيقة أنَّه ما يزال في عنفوان شوقه إلى مَوْئل غربته ( براغ ) وعلى الرَّغم من أنه اشْبَع رغبات عديدةً لديه لكنه يشعر تجاهها شعور المحب الذي لا يُرِيمُ عن حبه .
ويمضي الشَّاعر في استعمال النفي في معظم أبيات القصيدة ويتحوَّلُ النفي فيها إلى وسيلة يتعدد فيها الخبر بصور مختلفة فقال ( ) :
تسرّهمُ هِناتي لم أُسائِلْ
بهم ” عُرَّ الهِنات ” ولا حَفِلْتُ

ولم أخبط معاجِنَهُمْ فحَسْبي
ج بها الشِّعراتُ منها قد سللتُ
جج
ولم أسْألْ مغازِلَهُمْ خُيُوطاً
غنىً عنهنَّ بي فيما نَسَلْتُ

كذاك خُلقْتُ ما ساوَمْتُ خِدْني
على العَورات منه ولا اهتَبلْتُ

ولا خودِعْتُ بالأمجاد يوماً
ج ولم أهتُفْ بهنَّ ولا ابتهلت

فاستعمال النفي بهذه الطريقة يتيح للشاعر أنْ يَمُدَّ القول في القصيدة بالقدر الذي يفرِغ فيه الشَّاعر ما تَضْطَرِبُ به نفسه من غَيْظٍ حتَّىيأتي النفي مشوباً بالقَسَم توكيداً له.
إنَّ الجواهري يمتلك طاقةً انفعاليةً هائلةً لا تستطيع أن تتحمل الضيم أو الحزن أو أيَّةَ إساءة تجرح كرامته فينبري لذلك ويرد رداً عنيفاً لا يرحم خَصْمَهُ ولذلك يعتد الشَّاعر بنفسه اعتداداً عظيماً ويترجم ذلك الانفعال عن طريق مد القول في القصيدة .
ومن الوسائل اللُغَوية السهلة الَّتي يعتمدها الشَّاعر في إطالة نفسه الشِّعري استعمال العطف بطريقة مكثفة إذ تأتي المعطوفات تباعاً فتمتد القصيدة، وعلى الرَّغم من أن العطف يسهم في تنوع الصور وتراكمها لكنه يسهم في امتداد القصيدة وقد تكون هذه وسيلة نثرية ومأخذاً على شاعر كبير كالجواهري لكنه ينهض بها بواسطة التنويع في الصور وتبقى العبارة رصينةً مهما امتدت القصيدة .

ومن الشواهد الكثيرة على هذا المنحى قصيدة “سائلي عما يؤرقني”( )
سائِلي عمّا يؤرِّقُني
ج لا تَسَلْ عنِّي . . . ولا تَلُمِ

حالَ ريعانُ الشُّموس ضُحَىً
وتَمَشَّى الثَلْجُ في الضَّرَمِ

وانْطَوَتْ دُنْياي في كَفَنِي
ج وتَقَضّى العُمْرُ كالحُلُم ِ

وتمطّى ” الغُوْلُ ” مُحْتقناً
من دَمٍ يُمتصُّ وهو ظَمِي

ألفُ أُظْفُورٍ بألْف يَدٍ
ألفُ نابٍ بين أَلْفِ فَمِ

ورُؤى الأطيافِ تَجْرِفُنِي
قَشّةً في سَيْلِها العَرِمِ

فأنا كالمَوْج مُنْصَرِماً
في عُبابٍ غيرِ مُنْصَرِمِ

وأنا كالبَرْقِ مُنْطَلِقاً
فاتَ حتَّى حِيَلُ لم يُشَمِ

وأنا كالعُودِ يَقْضِمُهُ
ساربٌ من سارِحِ النَّعَم

وعلى الرَّغم من تكرار العطف نجد الشَّاعر يستخدمه وسيلةً للربط بين التراكيب من جهة ومن جهة أخرى وسيلة للتنويع في الصور.
ويستعمل العطف وسيلة لمَدِّ القول وتنويع الصور بشكل واضح في القصيدة الَّتي يحيِّي بها وفاة الرئيس الراحل عبد الناصر فقال( ):
قالوا: أبٌ بَرٌّ فكانَتْ أمةٌ
ج ألَِفاً ووحدَكَ كُنْتَ فيها الباءَ

خَبطَتْ كعشواءٍ عُصوراً وانثنتْ
مهزومةً فأثَرْتَها شَعْواءَ

وأنَرْتَ دربَ الجيلِ شاءَتْ دَرْبَهُ
خَيلُ الطُغاة عَمِيّةً تَيْهاءَ

وعرفتَ إيماناً بشائرَ وَعْيهِ
إذ كان يعرِف قبلها إغواءَ

وانصَعْتَ في سُوُدِ الخُطوب لئيمةً
تُسدي طلائعَهُ يداً بيضاءَ

وبرِمتَ بالطبقات يَحْلِبُ بعضُها
بعضاً كما حَلَبَ الرعاةُ الشاءَ

ووددتَ لو لم تَعْتَرف شرَّيهما
لا الأغنياءَ بها ولا الفُقراءَ

وجَهِدتَ أنْ تُمضي قضاءكَ فيهما
لِتُشيدَ مُجْتَمَعاً يفيضُ هَناءَ

ويستثمر الشَّاعر العطف وسيلةً لزَجِّ جمل منفية يراكمها وهو على وعي بأن آلية العطف تسمح له بعطف المثبت والمنفي فيتسع مجال استعماله في القصيدة فقال في قصيدة:
“جمال الدين الأفغاني”( )
صليبَ العود لم يَغمزْك خَوْفٌ
ج ولم تَسهَلْ على التَّرفِ انعقاِدا

ولم تنْزِلْ على أهواءِ طاغٍ
ولا عَمّا تريدُ لما أرادا

ولم تجدِ الاماني والمنايا
مُبَرّرَةً عن الحَقِّ ارتدادا

ولم أرَ في الرِّجال كمستمدِّ
من الحقّ اعتزازاً واعتدادا

وكان معسكرانِ : الظلمُ يَطْغى
ومظلومٌ فلم تَقفِ الحيادا

ولم تحتجَّ أنّ البغي جَيْشٌ
وأنَّ الزاحفين له فُرادى

ولا أن الليالي مُحرِجاتٌ
وأنَّ الدهر خَصْمٌ لا يُعادى

وأنّ الأمرَ مَرْهونٌ بوقتٍ
ينادي حين يأزفُ لا يُنادى

إنَّ تعدد العطف قد يضعف الشَّاعر ويستهلك قدرته وطاقته في التصوير لكن الجواهري يستثمر العطف بسيل من الصور والمعاني الموحية مما يجعله محافظاً على متانة لغته وأسلوبه ويسمح له بمَدِّ نفسه الشِّعري بوصفه وسيلة سهلة لا تحتاج عناءً طالما امتلك الشَّاعر اللغة وسعةَ الخيال.

الهوامش :
(1 ) للدكتور يونس السامرائي دراسة في هذا الجانب ضمها كتابه الموسوم بـ ” أبحاث في الشِّعر العربي “.( 2 ) رأي ابن جني ورد في تاج العروس ( قصد ): 2/467.
( 3 ) العمدة لابن رشيق القيرواني: 1/188 – 189.
( 4 ) الحيوان: 3/98.
( 5 ) رجَّحَ الدكتور يونس السامرائي أن تكون القصيدة القصيرة مؤلَّفة من ثلاثين بيتاً وما زاد عن ذلك فهو من قبيل القصيدة الطويلة ينظر أبحاث في الشِّعر العربي: 15.
( 1 ) الشِّعراء نقاداً: 187.
( 2 ) ذهب إلى ذلك الدكتور علي الشرع في دراسته الموسومة: بـ ” بنية القصيدة القصيرة في شعر ادونيس ” 53.
( 3 ) نقلاً عن المصدر نفسه: 51 وينظر الشِّعر الشعبي المعاصر للدكتور عز الدين اسماعيل: 246.
( 4 ) يرى الدكتور عز الدين اسماعيل أنَّ عصر الملاحم انتهى وأنَّ القصيدة الطويلة هي البديل عنها، ينظر الشِّعر الشعبي المعاصر: 248.
( 5 ) الشِّعر العربي المعاصر: 251.
( 6 ) شعرنا الحديث. . . إلى أين، غالي شكري: 95.
(7) عرض الناقد غالي شكري نموذجاً للقصيدة القصيرة وهي قصيدة “الذي يأتي ولا يأتي” لعبد الوهاب البياتي بوصفها قصيدة قصيرة على الرَّغم من تكونها من ثمانية عشر مقطعا، ينظر: شعرنا الحديث… إلى أين؟: 95ـ96.
(1) بنية القصيدة القصيرة في شعر ادونيس: 55 ( الهامش ).
(2) شمل الإحصاء ديوان الجواهري ط. وزارة الأعلام فقط.
(1) الديوان: 7 / 17.
(1) الديوان: 5 / 119.
(2) الشِّعر العربي المعاصر: 261 وعدّ الدكتور عز الدين اسماعيل هذا البناء شكلاً من أشكال القصيدة الحُرّة لكنني أجده ينسجم تماماً مع بناء القصيدة عند الجواهري.
(3) الشِّعراء نقاداً:187.
(4) من مقال “موسيقى الشِّعر” في ضمن قضية الشِّعر الجديد، الدكتور محمد النويهي:20ـ21.
(5) محمد مهدي الجواهري، دراسات نقدية: مقال سليم طه التكريتي “الجواهري صحفياً”: 193.
(1) العمدة: 1 / 186.(2) نفسه والصفحة نفسها.
(3) مجلة الكلمة ع 2، س 1972: 48.
(4) قضايا الشِّعر المعاصر، الدكتور احمد زكي أبو شادي: 125.
(1) مجلة شعر ع 38 ربيع 1968 في لقاء أجري معه.
(2) الجواهري شاعر العربية: 1 / 53.
(3) مجلة الكلمة: 46 – 47.
(4) الديوان: 3 / 41 وينظر قصيدة ” إلى الشعب المصري ” 4 / 25 إذ يتحدث عن مصر وتاريخها وجمالها وشعبها وصلتها بالعالم ثُمَّ بالعراق ثُمَّ يحيي مؤتمر الثقافة ويحيي الدكتور طه حسين ثُمَّ ينتقل إلى نفسه يبث لواعجها وهو في ذلك كُلِّه يعتمد النِّداءوسيلةً لإستطراده.
(1) الديوان: 3 / 149.
(2) الديوان: 3 / 208 وكذلك في قصيدة ” أزِحْ عن صَدرك الزَّبَدا ” الديوان: 6 / 209 في خمسة مقاطع ومن أمثلة الاستطراد عند الشَّاعر قصيدة ” الخطوب الخلاقة ” الديوان: 5 / 251، وقصيدة ” في مؤتمر المحامين ” الديوان: 4 / 91 وغيرها.
(1) الديوان: 5 / 207 والشَّاعر يستعمل هذه الطريقة في قصائده القصيرة لكنه يعمد إلى تكرارها في أثناء المقاطع كما فعل في قصيدة ” بريد الغربة ” الديوان: 5 / 239.
(2) الديوان: 4 / 197.
(3) نفسه: 5 / 81.
(4) نفسه: 5 / 193.
(5) نفسه: 5 / 119.
(6) الديوان: 5 / 309.
(1) الديوان: 4 / 61 وهناك العديد من القصائد الَّتي بناها على تكرار صيغ أو تراكيب معينة نحو ” تنموية الجياع ” 4 / 71 و
” أطبق دجى ” 3 / 405 و ” ما تشاءون ” 4 / 125 وغيرها.
(1) مجلة شعر، ع 38: 60.
(2) الديوان: 2 / 155.
(3) الديوان: 3 / 349 وقصيدة ” زوربا ” الديوان: 5 / 373.
(4) ظاهرة الشِّعر المعاصر في المغرب: 81.
(5) نفسه: 83.
(1) الديوان: 4 / 353 ونظم القصيدة عام 1959.
(2) اللزوميات: 1 / 30.
(3) المرشد إلى فهم أشعار العرب، عبد الله الطيب: 1 / 46 – 55.
(4) نفسه: 1 / 59.
(5) نفسه: 1 / 62 وينظر أبحاث في الشِّعر العربي: 68.
(6) ينظر الديوان: 1 / 189، 293 و 2 / 251 و 5 / 25، 29، 31.
(1) قضايا الشِّعر المعاصر، احمد زكي أبو شادي: 127.
(2) الديوان: 1/83.
(3) أبحاث في الشِّعر العربي: 25.
(4) الديوان: 3/319 وفعل ذلك في قصائد عدة منها قصيدة ” براها” الواقعة في (100) بيت توصل إلى قوافي (72) بيتاً منها
بالجار والمجرور والجر بالإضافة ينظر الديوان: 5/ 63. وقصيدة “يا دجلة الخير ” المؤلفة من (165) بيتاً توصل إلى قوافي
(85) بيتاً بالطريقة ذاتها، ينظر: 5/81 وقصيدة “اللاجئة في العيد” المؤلفة من (119) بيتاً توصل إلى قوافي (62) بيتاً بالوسيلة
ذاتها ينظر الديوان: 4/115 وغيرها من القصائد.
(1) اعتمد الشَّاعر النعت وسيلة للوصول إلى القافية في (86) بيتاً من أصل (129) بيتاً في قصيدة (في مؤتمر المحامين) ينظر
الديوان: 4/ 91.
(2) الديوان: 3/269.
( 3) الديوان: 3/259.
(1) لغة الشِّعر العراقي المعاصر، عمران خضير الكبيسي: 28.
(2) الديوان: 4/199.
(3) العمدة: 2/3، البديع لابن المعتز: 47 وله نظائر كثيرة في ديوان الشَّاعر.
(1) سنعرض في الفصل الرابع قدرة الشَّاعر على التصرف بالمفردة ليس في القافية فحسب بل في القصيدة بأسرها.
(2) الديوان: 3 / 289.
(3) نفسه: 3 / 251.
(4) الديوان: 3 / 109.
(1) في اللسان والقاموس المحيط: “هو رَحْب ورحيب ورُحاب بالضم” ينظر اللسان: 1/413 والقاموس المحيط:1/ 72.
(2) اللسان: 1 / 254، والقاموس المحيط: 1 / 44.
(3) الديوان: 5 / 47.
(4) الديوان: 3 / 97.
(5) في اللسان: 3 / 370: “قدته فانقاد واستقاد إذا أعطاك مقادته”.
(1) الديوان: 5 / 88.
(2) في اللسان والقاموس المحيط جمع فرعون على فراعنة ينظر اللسان: 13/ 323 والقاموس المحيط: 4/ 256.
(3) لم يرد جمع ماعون في اللسان ولا في القاموس المحيط ينظر اللسان: 13/ 410 والقاموس المحيط: 4/ 271، وجاء في اللسان والقاموس المحيط: “والسجين: المسجون جمعه سجناء وسَجْنى” ينظر اللسان: 13/ 203 والقاموس المحيط: 4/ 233.
(4) تطور الشِّعر العربي الحديث في العراق، الدكتور علي عباس علوان: 315.
(1) أشار السيد أحمد خَطّاب عُمَر في بحثه الموسوم بـ”أثر القرآن في شعر الجواهري” إلى ان الجواهري كان متأثراً بلغة القرآن في فترة العشرينيات الَّتي مثلها الجزء الأول من ديوانه أما في أجزائه الأخرى فإن هذا التأثر يضعف كلما تقدم الشَّاعر في العُمر: ينظر مجلة المورد مج 7 ع 2/ 1978: 217 – 232.
(2) مجلة الأديب العراقي العدد الأول شباط 1961: وفيها مقالة للشاعر عنوانها: “المفردة حياة حافلة وليست حروفاً”.
(3) أبو نؤاس لابن منظور: 50.
(4) الديوان: 1/ 47 ( المقدمة الَّتي كتبها الدكتور علي جواد الطاهر ) وينظر مجلة شعر ع 38 س 1968: 47.
(1) الجواهري شاعر العربية: 1/ 45 ومجلة الشِّعر: 58.
(2) الديوان: 1/ 51 ( المقدمة ). وأشار الجواهري إلى اثر العديد من الشِّعراء على فنه الشِّعري ينظر مجلة الكلمة ع 2/ 1972
52 – 58.
(3) أشار إلى قسم منها الدكتور احمد خطاب عمر في بحث سّماه ” معان سبق إليها الجواهري ” ينظر مجلة الكتاب ع 9 س 9 بغداد
1975 : 120 – 126 وينظر بحث الدكتور هاشم الطعان ” الجواهري والتراث ” في ضمن محمد مهدي الجواهري دراسات
نقدية: 131 وبحث الدكتور ابراهيم السامرائي ” لغة الشِّعر عند الجواهري ” في ضمن محمد مهدي الجواهري دراسات نقدية:
183 ، وينظر الجواهري شاعر العربية : 1 / 46 .
(4) حلبة الادب: 3 ط، النجف 1965.
(5) الجواهري شاعر العربية: 1 / 45.
(1) الجواهري في جامعة الوصل: 25.
(2) على الرَّغم من ان بناء الجملة يدخل في مجال التركيب لكننا سنعرض له بالطريقة الَّتي تبين أثره في امتداد القصيدة.
(3) الديوان: 3 / 88.(1) الديوان: 4/146. (1) الديوان : 3 / 364 – 365 وينظر 3 / 126 قصيدة ” طرطرا ” و 3 / 265 قصيدة ” أخي جعفر ” وغيرها .(1) الديوان : 4 / 91 .(2) الديوان : 4 / 97 – 98 ، واستعمل الفعل ” غنّت ” بدلاً من فعل القول ووسيلة ذكر خلالها أغنية وصيفة أفروديت في عرض
مفاتن سيدتها ينظر الديوان : 2 / 163 .
(1) الديوان : 3 / 145 .
(1) الديوان : 4 / 91 .
(2) الديوان : 6 / 99 .
(1) الديوان : 6 / 100 – 101 .(1) الديوان: 6 / 119.
(2) الديوان: 6 / 53.
(3) الديوان: 3 / 99 وينظر قصيدة “ألقَتْ مراسيها الخطوب” 3/ 111، و “عبد الحميد كرامي” 4/ 39 و “اللاجئة في العيد”
4/ 113 وغيرها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.