حيدر عبد علاوي : في غياب الرقيب

haidar abed allawi 2إشارة :
في هذه المقالة يعالج الناقد حيدر عبد علاوي موضوعة الرقيب المهمة حيث يعتقد البعض أن غيابه المطلق هو الحل المؤكد. في جنّة الحرية المزعومة يُقتل كتّاب وتُمنع كتب وتُحجب مقالات (آخرها على الفيسبوك لكاتب عراقي) حينما لا تجاري أهداف أمريكا. واليوم، ألسنا بحاجة إلى رقيب يحجب الكتب الطائفية المسمومة التي تمزّق وطننا؟!. تحية للناقد حيدر عبد علاوي.

المقالة : 
كثرت الشكوى في العراق من الرقيب ،سواء الرقيب في المطبوعات او في الفن ،وكان النظام يتشدد ،ويختار الرقيب من صقور القوم في حزبه ونظامه الذين لاتأخذهم في حماية(المبادئ ) لومة لائم ،ونتيجة لذلك ازدحمت الرفوف بالمخطوطات المركونة والممنوعة من النشر وكانت المخطوطات رواية ام قصة ام شعر او غيره تعاد للكاتب مذيلة بملاحظات الرقيب ،وهذه الملاحظات تشمل العمل الادبي شكلاً ومضموناً،فالشكل وان كان لضرورة فنية للسرد والحوار او بناء النص لكنه عند رقيب ما قد يكون ممراً لفكرة وايديولوجيا مخالفة…
ومضمون النص وثيمته هو من صلب اختصاص الرقيب ،وكلما كان الرقيب خبيراً بعمله حاذقاً كلما استطاع اصطياد اللحظات الهاربة والمتخفية على غيره فيؤشر بخطه
الاحمر ،فالرقيب يعيش في شرايين النص ويتلصص خلف الكلمة فيعرف الهدف والوسيلة ،ويدرك ماتعنيه الكلمة وظلالها،وما كان لكاتب مهما تمرس ان يفلت من سطوة الرقيب الا ماتسمح به الحدود الدنيا المتاحة له لتمرير فكرة هنا وخاطرة هناك …
الكاتب الروسي الشهير سولجنستين عندما كتب رواية( ردهة السرطان) ودفعها للطباعة والنشر ،توقف الرقيب طويلاً ،ولان الكاتب كبير والدولة السوفيتية في وئام وعسل مع الكاتب بعد رفضه جائزة نوبل( الامبريالية) ،ابدى الرقيب ملاحظة ان الرواية بحاجة ان يقرأها من هو اعلى منه رتبة وقرار ،وصلت الرواية لوزير الثقافة الذي حملها بدوره الى رئيس الدولة الرفيق لويد بريجينيف قائلاً له : ايها الرفيق بريجينيف رواية سولجنستين لن تطبع وتنشر الا بموافقتك ،طبعاً بريجينيف قرأ الرواية ووافق على نشرها( إستثناءاً) على الرغم من تحفظات سلسلة المراجع في الرقابة كلهم …
الرقيب العراقي ،ولطبيعة الفرد العراقي وسيكولوجيته ،لايميل الى التهدئة وتمشية الحال ،بل تجده يتشدد ويكون ملكياً اكثر من الملك ،وقد سببت ملاحظات الرقباء في العراق مشاكل واساءت الى ادباء وكتاب مما دفعهم الى الهرب بجلدهم خارج العراق وطباعة كتبهم بكل يسر وهدوء…

سولجنستين
سولجنستين

ولا تقتصر الشدة والتعنت والبحث عن المجهول على الرقيب العراقي ،ففي الدول العربية رقابة لاتقل صرامة عنا ،فمصر والمغرب وسوريا وهي دول فيها ادب وفكر يتعايش الادب مع الرقيب في هدنة قلقة فكثيراً ماتخرق الهدنة ويتهم احدهم الاخر بخرقها …
الربيع العربي وثورة الاتصالات وفرت للكتاب الخروج والانفلات من ربقة الرقيب وسلطته ،فاخذت الكتب ودور النشر تتوالد وتتكاثر بصورة غير مسبوقة ،والمشكلة ان البعض من هذه المطبوعات لم تنفلت من سلطة الرقيب وحده بل كل سلطة ومحدد ادبي او معياري …
كان الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يقول:

نحن نكذب حتى على الخليل بن احمد
حين يضيق بنا الوزن والقافية…

شرعت المطابع باغراق السوق بمطبوعات كانت قد فقدت بريقها من طول مكوثها في خبايا الدور ودهاليز المكتبات الشخصية ،اعيد طباعة كتب كانت ممنوعة
كرجوع الشيخ لصباه ونسخ نادرة ممنوعة من الف ليلة وليلة ،وكتب اسلامية صفراء الورق والرؤية تبث سموماً وكراهية ،روايات إباحية حدّ العظم ،كتب السحر والشعوذة واخرى في الالحاد والكفر وتجاوز على الذات الالهية ،والانبياء …
بعد عشر سنوات من الانسلاخ من الرقابة والرقيب تصدرت اسماء لكتاب وعناوين لكتب ،وهرعنا من جانبنا ننهل مما جادت به المطابع في عصر الحرية والانعتاق ،مالذي وجدناه ونحن نتطلع لنصوص لاتملك سوى العنوان الكبير والطباعة الانيقة القشيبة ،
أعرف كاتباً راسل المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي من اعرق المؤسسات الثقافية العربية وصاحبها عبد الوهاب الكيالي ،فطلب الكيالي منه ان يرسل له صفحة من روايته التي يروم طباعتها ،فارسل الصفحة ،فرد عليه الكيالي بموافقته على طباعة الرواية بعد ان قرأ الصفحة ووجد انها تنم عن رواية صالحة للنشر، طالباً منه ان يحول مبلغ خمسة الاف دولار ثمن الطباعة مقدماً،وماذا عن باقي الصفحات ،والمضمون وتفاصيل الاحداث من الذي سيقرأها ويحدد صلاحيتها شكلاً ومضموناً …
عذراً سيد گيالي هل تكفي صفحة واحدة لشفاء باقي الصفحات من المرض والعدوى والخلل او حتى السرقة والسطو على جهد الاخرين وحقوقهم ،ام ان الخمسة الاف دولار هي الضامن و( انتي فايروس) عن كل خلل ومرض..
غياب الرقيب بهذه الصورة لاتقل خطراً عن حضوره المتعسف ايام الحكم الفاشي والفردي…
في لقاء مع تحرير صحيفة (الواشنطون بوست) قلت لهم هل لديكم رقيب ؛ هز رأسه احدهم وقال لدينا رقيب ورقيب متشدد ،وفي تفاصيل كلامه انهم حذرون جداً بخصوص ماينشر من إمور دينية وعنصرية او مايدعو للكراهية وتمزيق الصف الوطني في بلادهم التي تحكم وتدار بقانون يحمي الجميع ويحفظ حرية الرأي والكلمة لكن وفق القانون ..
واختم بحادثة حصلت معي سنة 2005 وبطلها رجل دين بسيط لايفقه من مهنته سوى ابجديات اولية تحتاج لسنين طويلة لترسيخها وتثبيتها ،كان يحمل كتاباً مقرفاً مقززاً تافهاً يحث على الكراهية وتكفير اخوة وشركاء في الوطن والتاريخ والحضارة ،الكتاب بحجم اليد ، صغير ، طبعت منه الاف النسخ ، سألت الشيخ البسيط الساذج :
مالذي يفعله هذا الكراس لثقافتنا وشبابنا وهل ان الوقت والوضع والازمات في العراق تتحمل مثل هذه الامور والقضايا التي هي محل شك وريبة عند مراجعنا ومفكرينا ؟!..
رد مستخفاً بسذاجتي وجهلي : استاذ اذا لم نعد للتاريخ ونحسم موقفنا مما جرى فيه فلن تحل المشاكل في عصرنا لانها امتداد لذلك اليوم الاسود في السقيفة …
انتهى كلام هذا الشيخ ،وتساءلت هل هناك ضابط او محدد او رقيب لمثل هذه الافكار وتقويمها والسيطرة عليها …
لابد من العودة الى الرقيب الموضوعي ، الوطني ، الشفاف والذي يعمل الى ان يكون الطبق الفكري الذي يقدم للمواطن صالحاً للاستهلاك البشري ،صحياً ويبني الروح والفكر والعقيدة بناءاً سليماً…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن العاصي : ينظر الأوروبيون إلى المسلمين على أنهم متخلفون.. التجريد الصارخ من الإنسانية .

“ليس عليك أو تكون وحشاً أو مجنوناً لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. يلزم فقط أن تكون …

| حاتم جعفر : في حاضرة الفن السابع .

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.