حسين سرمك حسن: صقر عليشي.. رسالة مسمومة إلى الوالد!

في قصيدة “رسالة إلى الوالد” نقف على تفاصيل هامة من رؤيا الشاعر، الرؤيا التي تحاول رسم مقترب لحل معضلة صراع الأجيال الضروس، لكنا هنا لسنا في ساحة صراع الأجيال ذي الطابع الأوديبي المعروف حيث يسعى جيل الأبناء لقتل جيل الآباء. هنا يضعنا صقر أمام صراع رؤيتين. الأب يشعر أن ولده غير صالح وأنه سوف يطأطىء رأسه بفعاله، لكن الإبن يقرر خلاف ذلك. بؤرة الصراع خطيرة فهي ليست مسخّرة لانتزاع الأدوار والعروش والسلطات، بل لتحديد كيف يكون الإنسان صالحا:
“أنا ولد صالح يا أبي
أنا ولد صالح
وحياة الإمام
لن تطأطىء رأسك بي ..”. –قصيدة “رسالة إلى الوالد”-.
ليس لدى الإبن –حتى الآن- ما يفرض على الأب أن يخجل منه، أو أن يتوقع أن يكلل هامة وجوده الإجتماعي بالفضيحة. فهو -كما يقول- مثل كل الآخرين.. يخطىء كما يخطئون، وينام كما ينامون. لكن الإختلافات التي تخلق الحساسية الصراعية تبدأ بالإنسراب خفية وبهدوء.. رويدا رويدا.. يقدمها الشاعر في صورة جرعات صغيرة مسمومة.. الجرعة الأولى حين يفصح بلا تردد لأبيه –ومن جديد- أنه ولد صالح لكن مع منح ذاته سمات خرافية عجيبة وصادمة، فهو له حصة في حقول السماء، وله منصب في عالم النور. ومن حق الأب –لو كان شاعرا- أن يفزع من هذه الروح التحرّشية، من هذه النرجسية التي يضع ولده ذاته فيها في مصاف الكائنات السماوية، أو الآلهة الأسطورية. ويبدو أن النوايا المبيتة للإطاحة بالسلطة الأبوية ترفع راسها مهما حاولنا طمرها تحت أتربة نوايا الإنكار.. لابد أن صاحب المصلحة الأولى في “قتل” الأب كان شاعرا، فهو الوحيد القادر على القيام بذلك عبر قدراته الخلاقية الشعرية وروحه التحرشية:
“أنا ولد صالح
ولي حصتي في حقول السماء
وفي عالم النور لي منصبي ..”.
لكننا نواجه، في الواقع، إفصاحا شعريا “طبيعيا”، بل هو جزء من الخطاب الشعري، وفي صلب العمليات النفسية التي تقف خلفه.. الآن وبروح شعرية شيطانية يقدم الشاعر إخراجا فذا للصراع الجاثم على صدر مجتمعاتنا. صراع بين الحرية والقمع، بين الإنفتاح والإنغلاق، بين العقل الشعري المتصالح مع الحياة والمتوجه بحماسة نحو المستقبل، وبين العقل التابوي المنغلق على مظاهره الطقوسية الصخرية التي تنحدر به نحو هاوية الماضي. فالولد الصالح لا مشكلات لديه مع تعاليم الأنبياء، كما أنه -وهنا نفحة أو زفرة نرجسية ساخنة- عليم ليس بتعاليم الإله، بل بالذات الإلهية ذاتها، زاعما أن لا خبير مثله في شؤون هذه الذات:
“أنا ولد صالح
وليست لدي مشاكل تُذكر
معْ تعاليم أي نبي
وليس هنالك مثلي خبيرٌ
بذات الإله، عليمْ
وليس هنالك أعرف مني
بلاهوته الثاقبِ …”.

الشاعر صقر عليشي

وهذه الحلقات من الإعترافات تتصالح مع الأب المتحسب من عدم صلاح إبنه، تغويه، تهادنه، وتستدرجه، حيث تأتي الجرعة التحرشية مخلوطة بعسل الولاء والصلاح ذاته:
“سأعبر فوق الصراط
ومهما يكن مستقيم
سأعبر أسرع من أرنبِ ..”.
وهنا تنبثق من مخزون ذاكرتي الصورة الممتعة التي رسمها أبو العلاء المعري للصراط المستقيم في “رسالة الغفران”. فابن القارح يقترح على الجارية أن تحمله على ظهرها وتعبر به الصراط المستقيم، في حين أن صقر يبدي مقدرته على عبوره كأرنب منضبط وسريع. وقد تلذ للأب المتوجّس من عدم صلاح ولده حماسة إبنه هذه، فتضع غمامة مخدرة على استجابته النقدية، خصوصا وأن اعترافات الأخير الشعرية تأتي مراوغة وملونة وجذابة، عادة تنتشي روح الأب حين تحصل نرجسيته المنطفئة على شحنة توفرها نرجسية الإبن. والشاعر لا يقصّر في هذا الدور التلاعبي.. فهو يضفي على ذاته ملامح من ملامح الإله الإبن المعروفة:
“ينصّ اخضرار الشجر
على لون روحي
ويمتد ضوء القمر
على ضفتي مذهبي ..”.
وهذه هي روح الشاعر التي تخشى منها الآلهة.. روح نرسيس الذي وقف يتأمل ذاته في البحيرة ونسي الإنتباه لعربات الآلهة التي تمر فوقه في السماء.. فعاقبته.. لكن نقلة تشي ببوادر “عدم الصلاح” تأتي حيية لأنها مساقة بالمد المزدهي نفسه، والذي يدغدغ الدور الضامر للأب، هو يهدده في الواقع حين يحدثه عن الحقيقة.. كيف نذر حياته من أجلها.. وكيف أطلق نسر معرفته وإرادته خلفها.. فالحقائق مؤسسة ومرصوصة في عقل ووجدان الأب.. بل إن سرّ قلق الاب يكمن في أن ابنه يبحث عن حقائق أخرى.. عدم الصلاح المتحسب منه، الشر في مفهوم الأب، الشر الذي يخشى على الإبن من الوقوع في براثنه، يتمثل في هذا البحث العزوم عن الحقيقة.. الأب يراها واضحة وراسخة ومطلقة، والإبن يعلن بلا تردد انها محلّقة، معتمة، رجراجة، ونسبية.. الأب يشعر حتى بلا حاجة للعقل في الإيمان بهذه الحقائق، في حين أن الإبن يريد أن “يبحث” و”يفتش”، ويحكّم عقله.. عقله الشعري.. والمشكلة أنه يريد تناول الحقائق وفق طريق شعرية!!:
“وراء الحقيقة أطلقت عمري
وراء الحقيقة أطلقت نسري
وراء الحقيقة أطلقت شعري
إلى عالم غيهبِ ..”.
وهذا هو جوهر الصراع.. وما يسعّر ألسنة لهيبه بصورة أشد هو أن الاب الذي عاش عمره كله بقناعات استاتيكية جامدة على حقائق محددة، ونتفت ريش أجنحة نسر فضوله الإستكانة المعرفية حتى لم يعد يقوى على المشي الاستكشافي لا الطيران محلقا خلف طريدة الحقائق.. يقف أمامه إبنه الذي جاء ليصارحه بقناعات لا تتزعزع: الحقائق نسبية يا أبي!!.. هو- الاب- الذي تخيم على وجوده ظلمات الحقائق المطلقة.. حقيقة الله، حقيقة الخير والشر، حقيقة القدر، حقيقة المصير المرسوم والمحتوم.. سلسلة فولاذية من الحقائق المطلقة يأتي الإبن الشاعر الذي يريد التصالح مع أبيه ليقول: إن لا حقيقة مطلقة في الكون:
“والحقيقة نسبية يا أبي
هي كالشمس ظاهرة للعيان
وهي كالليل
في ذاتها تختبي ..”.
مُتعِب أيها الولد الشاعري!!..
في أحشاء صراع الاجيال يلوب صراع مستتر بين المقدس والمدنس.. لكن “القداسة” الشعرية المرفوضة تأتي جارحة لقداسة قيم كل الأجيال المرجعية ومفهوماتها.. لا يلوذ الشاعر بمساءلة الحقائق الكبرى الملغزة لاستنطاق مكامن الحقيقة، الرجفة الإنسانية الإنفعالية هي ربّ الحقائق.. هناك تتأسس الحقيقة بوجهها الإنساني الرحيم.. الحقيقة النسبية كرجفة أرواحنا استجابة للمثيرات الصغيرة.. قد تكون الحقيقة ملتفة على نفسها كظلمة الليل.. كصمت الصخرة.. لكنها بالنسبة للشاعر تكون واضحة للعيان كالشمس في رابعة النهار كما يُقال.. ولكن ليس في تجسدات تلك الحقائق الكونية المطلقة الكبرى، التي بمطلقيتها المهيمنة تخنق قبضة الآباء روح الأبناء، بل في تفصيلات “اللاشعور العاري” كما أصطلح عليه، ذاك الذي جعل الإنسان البدائي العظيم يحس بأنين الشجرة، ويشعر بغضب النهر، ويرتجف قلبه لانين الزهرة، ويتقاسم والحيوان المثكول عذابات ثكلانه. الشاعر هو الوريث الحق لأعظم تركة خلفها لنا الإنسان البدائي/الإنسان، اللاشعور العاري الذي تبزع عطاياه في لحظة الخلق الشعري حين تتخفف الروح من قيود الشعور الخانقة، وهذا صقر عليشي حين يتأكد من صمت الحقيقة في الصخور، لا يلتمس صوتها في الكليات التي أرهقنا بها الفلاسفة والمتكلمون المتحذلقون، بل في نداءات الحزن الفاجع التي يطلقها ظبي مثكول، ظبي يصوّت بأرخم ما يكون:
“وحين تأكد لي صمتها في الصخور
أتى صوتها في بُغام الظبي
أنا ولد صالح يا أبي ..”.
قد يسيطر على المتلقي إعتقاد أن هذه اللازمة: “أنا ولد صالح يا أبي”، التي تتكرر في نهاية كل مقطع من مفاطع القصيدة، تمثل الهاجس التكفيري الذي يطلقه الضمير الآثم في حضرة السلطة الأبوية، وممثلها أصلا الأنا الأعلى في بنيتنا النفسية، لكنها اللازمة التسترية، الإستدراجية، التي وفرت للإبن “الضائع” أن يصر على عدم صلاحه الشعري بإفصاحات متناوبة تتكفل بمروقها المستفز لغة الشعر الخلابة وصولا إلى مواجهة الأب بأطروحات الإمام الذي يؤمن به الأب ذاته، الإمام الذي اقسم بحياته الولد في استهلال الخطاب بحرارة: “وحياة الإمام- لن تطأطىء رأسك قدّام ربّك بي”، والإمام المقصود هو “علي بن أبي طالب”،الذي قال كلمته/ الإعلان الثوري: “ما جاع فقير إلا بما متع به غني”، البيان الذي يدين الأب المؤمن به قبل سواه:
“يقول الإمام:
وأنت تصدّق قول الإمام
ما اغتنى الأغنياء
إلا بما افتقر الفقراء
وأنت ترى ما ترى
فكيف لنا لا نسلُّ سيوف الضياء
وكيف لنا لا نشدّ
ونُربد
من غضبِ؟!
يا أبي..
يا أبي.. “.
وهنا في ختام المحاورة الماكرة، تتحول اللازمة السابقة “أنا ولد صالح يا أبي” إلى نداء محتج فارغ الصبر: “يا أبي … يا أبي” يشبه صرخة بالإدانة..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مقداد مسعود : المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين .

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد …

| د. خالد بوزيان موساوي : التشكيل والدلالة في قصيدة النثر؛ نص “بأي المجازات” للشاعرة الفلسطينية رحمة عناب نموذجا .

النص: “بأي المجازات” بأي المجازات اجاري عبارة الحضور في ملحمة نصّ شاخص الإخصاب حين تتورط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.