الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (29)
كتاب عن تبعية المثقف العراقي للاستبداد !

ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (29)
كتاب عن تبعية المثقف العراقي للاستبداد !

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة : 
هذا كتاب مهم ، وجاء في وقت احتدام الأسئلة عن المثقف العراقي ودوره ومسؤوليته في كل ما يجري في هذا البلد وفي العالم عموما ، وموضوع هذا الكتاب يتسق مع مجريات الحاضر وكأنه جاء ليجيب عما تمر به اللحظة المعيشة من أسئلة ومحن ومآزق وليس هذا بغريب طالما انه حديث زمنيا ( من إصدارات 2014 )ويجمع بتحليل واف ابرز ما يملأ أذهاننا ب( أسماء )وموضوعات مهيمنة على الماضي والحاضر بل قد تستشرف الغد القادم أيضا ! وان كان الكتاب يحمل عنوانا لافتا هو ( صدام المفاهيم بين التحرر والاستبداد ) فهو ينكئ الجروح كلها لأنه يتحاور – ولا أقول يتهم – مجموعة من المثقفين المعروفين فيما أدوه من مهام واعمال ستطيح بهم الى دائرة السؤال وربما الإدانة المسندة الى البراهين ! فهو كتاب يعنى بحالة المثقفين الذين قادوا وأغروا مواهبهم ونوازعهم الفردية الى ساحة الاستبداد وتعاضدوا مع المستبدين بحثا عن اقصر الطرق لتحقيق طموحاتهم الخاصة حتى وان حصل ذلك على حساب الشعب المسكين وبمرأى منه !.
لعل اهمية الكتاب تنبع من جدية مؤلفه – وهو الأديب والصديق رياض الفهد – الذي وفر ما تحتاجه دراسته هذه من معلومات ومصادر تجعل من موضوع حساس ( كالذي يتناوله ) وسطا جاذبا وقادرا على إشباع رغبة القراء عموما ، كما ان اشتغال الفهد بالأدب ككاتب قصة ورواية مكن لغته البحثية هذه من تطويعها لإيصال مادته ومضمونه بكل سلاسة وإنماء وهذا ما يحسب له بكل تأكيد ، وبالرغم من ضخامة العنوان واستيعابه لدلالات شتى الا إن الفهد حصره منعا لتشابكه وتشظيه بعلاقة سالبة واحدة هي
( علاقة المثقف بالسياسي ) وكيف ان هذه العلاقة قد تقود الأول الى التبعية الذيلية إلى الثاني بعد ان تختلط بها حالات التقرب والتوهم والانجذاب ولهذا يكتب المؤلف برهانه على انكسار هذه العلاقة في مقدمته وكأنه يستنتج بحزن كظيم (( أن المثقف الذي يمثل أكثر عناصر المجتمع حساسية لم يتخلص بعد من تبعيته وتماهيه مع قوى الاستبداد السياسي خاصةً في الجغرافيا العربية لذلك فإن فكرة معاودة قراءة هذه الظاهرة تأتي من بوابة علاقة المثقف بالسلطة وإشكالية الاستبداد وأثرها في المشهد الثقافي ..)) وأصبح واضحا لكل من يقرا الكتاب ان ما جاء به المؤلف من أسباب ( ولا سيما التبعية والتماهي) كانت من دوافع سقوط المثقف في قبضة الاستبداد السياسي أو أن إضاعة هوية المثقف وتبديد ملامحه الخاصة كانا خير ممهد لتلقفه من قبل الاستبداد وهذا ما سنعرفه لاحقا في متن الكتاب ّ!.reyad alfahad
لكن المحنة التي يطرق عليها رياض الفهد باستماتة منه ومقاربة من جهات عدة تستحق الجهد فهي تشف عن حقيقتين متلازمتين : أولاهما ان المؤلف ينطوي على رغبة معلنة ( وليست باطنية فحسب ) بكشف الأستار كلها وتعرية الأسماء التي استجابت بوعي مخدوع للانضمام الى جهة الاستبداد ومناصرته وتبعية المستبدين من اجل مصالحهم الضيقة المؤقتة متناسين أدوارهم التنويرية الحقيقية في التقصي والذود عن النبل وحجم خذلانهم لوسطهم وشعبهم كما تجاهلوا ، وسط المكارم والأعطيات التي يبذلها عليهم المستبد وأعوانه ، ان التاريخ لن ينسى ما صدر عنهم من موبقات ولن يرحم حتى النيات في قلوبهم ، إضافة الى حكم قاطع يكتبه الفهد عن مرحلة تاريخية آفلة رصد خلالها ان أغلبية المثقفين العراقيين (( تورطوا في التماهي مع ظاهرة الاستبداد لاسيما وإن الشعب العراقي الخارج لتوه من خيمة الطغيان وهيمنته فإنه لا يمكن القول بعد مضي ما يزيد على العقد من الزمان أن نقول أنه قد شفى من آثار ذلك الوباء الشامل بدليل إن الكثير من الكتاب والأدباء والصحفيين والفنانين ما زال يحملون آثار تلك الظاهرة إن لم نقل إن البعض لا زال يحن إلى حقبه السوداء))!.kh reyad alfahad
ان الاكثر جذبا لهذا الكتاب يكمن في ضخامته ( 567 ) واتساعه لعشرة فصول كاملة وهذا مما يتيح للكاتب فرصة لان يتناول مادته ( وهي عن الاستبداد / الوجه الاخر للديكتاتور ) بكل سعة وشمول اضافة الى الجدية التي عرف بها الكاتب منذ عقود ، ولكن لشدة ما يفاجئنا الكاتب حين لا يحصر بحثه بالنطاق المحلي – على اهميته- بل يشرع بداب ورصانة في تقديم الادلة على ان ( الاستبداد ) هي ظاهرة عالمية خرجت عن المحلية الى النطاق العربي ومن ثم الى العالمي لتصبح ك (( الوباء )) بالغ الخطورة ان في جوهره ام في اثاره، من هنا يتصدى الفهد بشجاعة لهذه الظاهرة ويتلاحق معها انى تكون وكيفما ظهرت وباي انتاج قدمت نفسها !.
لا نعجب لتناول رياض الفهد الكاتب الصحفي حسن العلوي كأبرز نموذج في المسار العراقي وأسباب التصاقه وتمثيله للسلطة المحلية وهي في أوج استبدادها والنوازع التي دفعته لذلك ويرى الفهد ان الترويج الصحفي كان من أساسيات صناعة الديكتاتور ،وفي المسار عينه يكشف الكاتب عن العلاقة المضطربة بين الشاعر ألجواهري و( الحاكم) عبد الكريم قاسم ، أما في المسار العربي فنقرا فصلا جميلا عن علاقة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل ب ( الجنرال ) جمال عبد الناصر والتعالق بينهما حد التماهي ، وعلى النطاق العالمي ينتقل الكاتب للكشف عن العلاقة بين ديغول الجنرال والوزير المثقف اندريه مارلو ، في حين ان ( قراءات في تجارب ثقافية في النظم التوتاليتارية) كما عنونها ستأخذ من الفهد جهدا غير قليل لتبيان العلاقات التي حتمتها عدة تجارب في ظل أنظمة شمولية وهذا ما يوضحه الكاتب حين يخترق حواجز دول مثل روسيا وألمانيا وايطاليا وهي تعيش حقبا ظلامية في ظل الستالينية والهتلرية والفاشية !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

طبعا لن يكمل رياض الفهد كتابه الهام هذا قبل ان يشرع مبضعه التحليلي في اكتشاف مواطن لافتة من الجمال والمواقف الممثلة للجوهر الإنساني والمسيرة المتصاعدة مع الحياة والتقدم برغم الأهوال المحيطة والاتجاهات الممضة ولعل تجارب مورافيا وإيزابيل أللندي وتوماس مان واستورياس وهيرتا مولر كانت ردا بليغا على ما سفحه كتاب وادباء الدكتاتورية كما انها ستبقى قبل هذا وذاك ادبا انسانيا تفتخر به العصور والناس جميعا !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *