الرئيسية » ملفات » جمال جاسم أمين : مقترب لقراءة “صمت الأكواخ” (ملف/45)

جمال جاسم أمين : مقترب لقراءة “صمت الأكواخ” (ملف/45)

jamal jasem aminإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة : 
منذ مجموعته الأولى “العبور إلى مدن الفرح ” وحتى “صمت الأكواخ ” يراهن الشاعر
” عيسى حسن الياسري ” على إمكانية تفجير وقائع الواقع شعريا ً, ولعل الماضي الذي عاشه الشاعر – حياته الأولى – لها النصيب الأوفر في عملية فهم الواقع لديه , وثمة فرق شاسع بين
الهروب والأغناء , بمعنى أن الشاعر هنا لا يهرب من الراهن هروبا ًسلبيا ً , بل يعمد إلى تعبئة هذا الراهن وإغنائه بنظرته الشمولية , والماضي كجزء من الواقع البديل – الغائب أو المغيب عمدا ً- هو في الوقت نفسه جزء من هذه النظرة التي وصفناها بالشمولية , ذلك لآن تجربة الشاعر تجربة كلية لا يمكن تقسيمها على وفق التقسيم الرياضي للزم – ماضي , وحاضر , ومستقبل – . وتأسيسا ً على هذا الفهم يتحرر – الجنوب – من معناه المكاني ليدخل المعنى الشعري الأوسع , حيث أن ّهذا الجنوب ليس جزءا ًمن العالم بل هو العالم كله . الجنوب هو الأرض وبذا يرتبك فهمنا التقليدي لمعنى الجهات بالوصف الجغرافي , ويتعطل عمل
” البوصلة ” المعروفة ليصبح الألم هو بوصلتنا الجديدة , فما دام هناك ألم هناك جنوب , ولعل الشعر وحده يمتلك الحق في هذه الخلخلة حيث يسعى – أي الشعر – من خلال خلخلة البسيط إلى خلق المركب وهذا في رأينا أحد المفاهيم التي نقصدها بقولنا – الشعر تجربة كلية – , ذلك أن الأجزاء التي نألفها كأجزاء لا تحتفظ بحدودها التقليدية بل أن حساسية الشاعر وتوقه الأزلي
إلى المطلق هما اللذان يحددان طبيعة الأشياء والمفاهيم بالنسبة له .إ
إننا نسوق هذه المقدمة لإلقاء الضوء على الملامح الرئيسية لتجربة الشاعر الياسري عموما ًسواء في – صمت الأكواخ – أم غيره من الكتب التي أصدرها ما دام هناك قاسم مشترك اسمه – الجنوب – وبالمعنى الذي يتعدى حدود الجغرافيا كما ذكرنا , ولذا فإن أي حديث بهذا المعنى يصلح أن يكون توطئة للحديث عن الياسري , وهذا هو مبررنا في استعارة عبارات
– بورخس – , واستخدامها كتصدير لهذه المداخلة .aisa hasan alyasiri
ثمة أشياء يتميز بها الشاعر الياسري عن كل الذين أشاروا , أو تبنوا مهيمنات شعرية شبيهة بمهيمناته , تلك هي استغراقه وإفراطه في تأمل أدق مفردات الواقع الجنوبي , هذا الواقع الذي وصفناه سابقا – ًبالماضوية – , ذلك لأن مفردات الحياة الحديثة وصخبها وما أدخلته الصناعة على الناس ساعدت على انحسار العديد من المظاهر التي يحتفظ بها الشاعر إلى الآن , ولكي نشخص اهتمام الشاعر بهذه الوقائع الدقيقة نذكر قصيدته ” أبو ابشوت ” هذا النهر الصغير الذي لا يعرفه أحد سوى سكان – الجنوب – المحليين , إذ يتحول شعريا ً إلى أمير جميل كما يقول الشاعر :
” أبو ابشوت كان أميرا ً جميلا ً
وكنت ُأبادله الحب َ
عند الصباحات أركض فوق ليونة رملته ِ
وفي الليل يغمرني بالنعاس البريء … ” .
ولو تأملنا هذا المقطع لوجدنا تأكيدا ً لصفة – الماضوية – التي ذكرناها حيث الاستخدام المتكرر والمقصود لصيغة الماضي نحويا ًمثل – كان أميرا ً- .. – كنت ُأبادله الحبَ – , لذا فإن هذه المفردات و – أبو ابشوت – من ضمنها وقائع الشاعر المهددة بالانقراض , حيث يغزو الأسمنت ببلادة برودته قرى الجنوب القصبية والتي هي بالتالي مهددة بالانقراض أيضا ً كما يقول الشاعر :
” قراك ِ القصبية ُ تنقرض كسلالة نادرة ٍ
ورائحة القهوة ما عادت تنبعث من ..
أردان صباحك ِ … ”
هنا يمكننا القول أن الشاعر – عيسى الياسري – وعبر كل دواوينه استطاع أن يخلق لتجربته طعما ًخاصا ًومناخاً لا يشابهه مناخ , وهذا التفرد هو الدليل الأكيد على أصالة تجربة الشاعر ,وصدق موهبته , ومواقفه الشعرية عموما ً , إننا ومن خلال النظرة الفاحصة للنصوص يمكننا أن نعثر على مهيمنات قد ترد هامشيا ً في قصائد الشعراء إلا أنها – لديه – تحولت إلى طقوس شخصية ذات دلالات عميقة في حياة الشاعر وشعره . kh aisa 11
ولغرض الاستشهاد فقط يمكننا أن نذكر موضوعة – المرأة – بوصفها إحدى المهيمنات الشعرية في منظومة أفكار الشاعر الياسري حيث لا ينوي الشاعر تذكيرنا بشيء مما نعرفه عن هذه المفردة – المرأة – , وخاصة المعنى السائد ” العاطفي – الغرامي ” بل هي جزء من مفردات الحياة الجنوبية لديه , أي أن المرأة لدى عيسى الياسري ليست أية امرأة بل هي الجنوبية على وجه التحديد , المرأة المرادف الطبيعي للقرية والحقل والليالي الشتائية القاسية :
” إذ يشتد البرد ْ
أحلم ُبرداء يشبه شعرك ِ
أنشره فوق حطامي … ”
فالشاعر –هنا- وبكل بساطة يبحث عن ملاذ بعد أن انحسرت حقوله وقراه وتناهبته مشاعر الغربة , الأمر الذي يضفي على اغلب القصائد ألما ً وحزنا ً شعريين , المرأة مهرب ما دامت الحياة أزمة متفاقمة , ولعل الشاعر الحقيقي وحده القادر على تشخيص شراسة هذه الأزمة حيث المفارقة الصارخة بين حياتنا الحقة – الغائبة – كما يسميها ” رامبو ” وبين حضور الصلف والتفاهات التي ترهقنا باستمرار , وهنا يأخذ الشعر دور الشاهد والشهيد , حيث يرفض أو يتمرد بينما تظل الأشياء ” المرفوضات ” التي يرفضها كما هي عليه , الأمر الذي يجعل من الشعر فعلا ًمستمرا ً لا يتوقف فما دام هناك قبح ونفعية هناك بالتأكيد شعر يطفح بالجمال الخالص والسامي .
فالشعر بهذا المعنى شهادة , والشاعر عيسى الياسري واحد من الشعراء الجديرين بهذه الشهادة , إذ حافظ على الوظائف الأساسية للشعر وهذه مسألة ليست بالسهلة الآن .

………………………………………

” شاعر وناقد .. جريدة الثورة .. .”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *