أ. د. نادية هناوي سعدون* : منازع التجلي الرمزي في 99 حجابا لأمل الجبوري

nadia hanawi 2وإذا كان العنوان عتبة الولوج إلى النصوص ، فانه أيضا بوابة الخروج من النصوص التي كان اغلبها قصيرة في عدد اسطرها إذ لا يتجاوز بعضها ثلاثة اسطر كما في حجاب العناق وحجاب الإدمان .
وقد يكون مجرد سطرين كما في حجاب الوشم وحجاب القيامة وقد يكون ست كلمات حسب كما في حجاب الموت .
والشعر هو أداة التعبير عن رؤية العالم بالمفهوم التكويني البنيوي عند لوسيان غولدمان .. تقول الشاعرة في نص حجاب اينانا :
الديوان مقبرة
والقصائد قبور في أجساد مختلفة

حين أهم بفتحه لا اعرف أية جثة للسر واريتها فيه . ص9
والنصوص جميعها سريعة في زمن قراءتها وبرقية في توصيل رسالتها ، إذ يأخذ بعضها بعضا ويلوذ بعضها في كنف بعضها الآخر حتى تكاد أن تشكل لوحات مقطعية متجسدة ضمن لوحة تشكيلية واحدة ولا تتوانى النصوص من أن تشكل نفسها في أشكال شعرية مختلفة لاسيما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والقصيدة القصيرة وقصيدة النص والقصيدة الومضة في تعامل غير محدد مع اللغة الشعرية المحملة بكم غزير من الأحاسيس الإنسانية التي يطغى عليها النزوع التشاؤمي المأساوي مع النظرة المزدرية للعالم الواقعي فمثلا تتحول حواء في نظر الشاعرة إلى هذا الشكل :
لحواء لسانان وأربع شفاه
اثنتان تسكنان الضوء
واثنتان في العتمة
في الضوء تستطيلان كخط الاستواء
في العتمة تنتصبان مثل عمود الباسبوس
لسانها الأول يتكلم لغات عديدة
لسانها الثاني لا يجيد الا لغة واحدة ص12
وتغص النصوص بالتذمر من هذا العالم المليء بالصور المصيرية لمعادلة حياة / موت فالقبر والفناء والنهاية هي مصائر الوجود :
قلبي قبر
رقد الطغاة حوله ص43
وتناوب فعلا العشق والعيش ليؤكدا نزعة الحياة ورفض الفناء . إنها المكابرة التي تتصارع مع ما هو محتوم :
اعشق وأحدق صوب الخلود
وأعيش وعيني على الفناء
اعشق لأتزوج الذكريات
وأعيش لأخون النسيان ص45amal aljobori
وتتلاحق في إطار حتمية المعادلة الإنسانية الحياة / الموت ثنائيات أخرى مثل بداية / نهاية و دخول / خروج ولادة / ختام جمال / قبح القتل /القتيل :
الجمال فينا والقبح نقيضان
يتعانقان في أحضان النهاية
القاتل فينا والقتيل يسيران في القداس
ذاته
وصولا إلى النهاية ص51
وتدور هذه الثنائيات في حركة محورية دائرية فكل واحدة تفضي إلى الأخرى من دون أن يكون هناك غالب ومغلوب :
أجراس الكنائس
موسيقى المآذن
كلها تتصارع لخلق النهاية
نحن وحدنا نجيء من تلك النهايات
لنخلق البداية ص52
وتميل بعض النصوص إلى توظيف المفارقة الساخرة من خلال التضاد بين المدلولات فنقرأ في حجاب القتل :
القتيل : كيف ودعت يومك بعد أن تركتني إلى الوداع
القاتل : لم انم لأنني لم أوغل في قتلك أكثر مما فعلت ص92
وحضور السخرية في النص هو نقد اجتماعي يستحضر المدلولات المسكوت عنها بطريقة التساؤل المتهكم :
كأن الذي حدث قد حدث
إن كان حقا
فلماذا حدث كل الذي حدث ؟ ص113
وتتعالق نصوص الحجابات مع مرجعيات تاريخية ودينية وأسطورية لتنتج نصوصا جديدة تحمل إحالات تعريفية ذات صبغة ميثولوجية..
فمثلا أن العنوان الرئيس يتناص مع حادثة الاحتكام التي تحكي قصة نبي الله داود عليه السلام مع المختصمين …
ومن ثم تصبح الحجابات التسعة والتسعين بغيا على صاحب الحجاب الواحد بالإحالة على الآية القرآنية ( هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة )..ومن التناصات الدينية التناص مع قصة قابيل وهابيل:
كنت الأمين على الأرض
فيما كان أخوك فردا من قطيع ماشية
ثم سقط وجهك
الذي ساقك إلى دم أخيك
ومن دلالة الولوج في الآية الكريمة ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) يأتي التناص في هذا النص “:
من شق
سم إبرة
من حدود بلاد
رحم مريم هو الخروج ص 58
ومن التناصات الأسطورية الإحالة على مشهد سبي اليهود في بابل وأساطير خلق الإنسان لاسيما أسطورة أن الأصل هو المرأة ..
وأسطورة شهرزاد التي تأتي لتحكي حكاياتها وكأن لا مسافات زمنية بين ما هو ماض وما هو حاضر أو مستقبل :
العودة حكايات ماكرة لشهرزاد
عالم توحد في اللامبالاة ص61

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *