هدية حسين : عبد عون الروضان يكتب فاجعته في زائية الوجد (ملف/8)

hadiya 5رجل عراقي يخشى الانزلاق، يسير دائماً على الصراط المستقيم، حتى في مشاويره اليومية يتعمد السير على الدرجات مبتعداً عن الطريق الذي يهبط بانكسار حاد، الرجل في عمّان، الوقت غروباً وحزيناً ومحفوفاً بأشجار سرو على الأغلب، تُذكّر الرجل بأشجار كان رآها قبل أكثر من عشرين عاماً في برلين، في مساءات حزينة أيضاً مثل مساءاته، حتى كأنه يشاهد نثار رمادها على العمارات الشاهقة وأعمدة النور والسيارات والمارة.
مساءاته تشبهه تماماً، تذكّره بأبيه المتوحد مع نفسه والذي قل ما يضحك.. مساءاته حزن متوارث تذكيه الحروب الطاحنة كلما خمد، تلك الحروب التي دارت رحاها من أقصى شمال الوطن الى أقصى جنوبه، حيث الأرض البكر تشوهها الخنادق والسواتر والمدافع والمواضع العسكرية والصواريخ وكل ما جاءت به أفكار رجالات الحروب، فيما الجنود منفذون لا يدركون وهم يضغطون على الزر أية نار يشعلون، مكرهون على ما يفعلون، وعلى الجانبين يسقط من يسقط، ويؤسر من يؤسر.
والأسير ليست له حقوق كما تؤكد الوثائق، سيُطاف بهم في الشوارع بسيارات مكشوفة، لا يعرفون مصيرهم، ينظرون بحيادية الى المتفرجين، وقد لا يضمرون أية نوايا سيئة تجاه الآخرين، هم أيضاً ضحايا جيء بهم من المدارس والبيوت وأحضان الأمهات والزوجات، وحملوهم الى الحدود (يكفنونهم بالخاكي والأحذية السوداء الثقيلة، ويعطونهم البنادق ويوزعونهم على الأصناف، تأخذهم السيارات العسكرية الضخمة، تسير وهي تهتز بحمولتها من الخاكي الملتصق بالأجساد الفتية، وتلقي بهم عند هذا الحزام الناقل أو ذاك، يقولون لهم بضع كلمات، هم لا يفهمون منها شيئاً ولكنهم يهزون رؤوسهم بالإيجاب، وهم يفكرون ربما بالأم التي تركوها في البيت، ينظر الواحد في عيني الآخر فلا يبصر سوى حفر سوداء معتمة، ورموش تخفق باستمرار، وابتسامات باهتة حول الشفاه، يغامر أحدهم الأكثر شجاعة فيفرد قامته في حوض السيارة المضطرب، ينظر بعيداً، لا شيء سوى الرمل الأحمر، ولا شيء سوى الأرض والمرتفعات الصغيرة هنا وهناك، يحس كل واحد منهم بعبثية كل شيء) ص 13ـ14
هذا هو الوجه الأول الظاهر من الحرب كما يصوره عبد عون الروضان في روايته “زائية الوجد” أما الوجوه الأخرى، الأكثر وجعاً، فسيدخلنا عالمها بهدوء حزين يشبه هدوء مساءاته التي يحشوها بذكريات الحروب، والتي يحمل ندوبها أينما ذهب، وبذكريات الفقد الذي عاناه من بغداد الى عمان، ذلك الفقد الذي أدمنه حتى لكأنه يخشى على قلبه من الفراغ إن ورد على خاطر الحزن أن يرحل.abd on 3
الأب حزين في زائية الوجد، والأم ربة حزن، والحزن متوارث أطالت عمره الحروب، الإبن طالت قامته وكبرت أحلامه فراودته الحرب عن نفسه، استدعوه في ليلة طويلة وثقيلة الوقع، ولا راد لمن استدعاه، وعد عائلته بأن يتصل بهم ويطمئنهم من هناك، لكن صوتاً آخر هو الذي اتصل من مركز الشرطة، ونداءات مراكز الشرطة أيام الحرب مثل نعيق البوم أو الغراب (الخوف من مركز الشرطة شيء غريزي لكن خوفي بلا حدود، جبل جثم على صدري، قطع أنفاسي، وجدتني فجأة أغرق في بحر من الخوف، لماذا تطلبني الشرطة بالتلفون؟ الشرطة لا يطلبون الناس بالتلفون ليحققوا معهم أو ليسألوهم رأيهم في آخر التطورات الدولية، أو ليناقشوهم في أمور نزع السلاح أو حظر التجارب النووية أو وضع الأسس الكفيلة بوقف الحرب الدائرة منذ ست سنوات عجاف، أو ليسألوهم عن أوضاعهم المعيشية والصحية.. ليس هناك من هذا في كل مراكز الشرطة في العالم، الشرطة تشفط من تريد من غير سؤال، تستطيع أن تمحو أثره من الوجود إن شاءت، أما أن يتصلوا عبر التلفون فتلك هي الكارثة) ص 28 ـ 29
هل تتذكرون رقصة زوربا؟ ذلك ما حدث لإحدى الأمهات وهي تمشي في جنازة ولدها العائد من الحدود الملتهبة ملفوفاً بالعلم، هي امرأة لا تقرأ ولا تعرف عن زوربا أي شيء، إلا أنها ترقص في موكب الجنازة رقصة الوداع الأخير (ترقص بإيقاع زوربوي مدهش، تدور حول نفسها وقد شدت عباءتها حول وسطها، غير عابئة بأحد، كانت منفصلة عن العالم بكل تأكيد، تعيش لحظات تجلٍ من نوع خاص، توحد مع الذات بعيداً عن كل المحسوسات.. هل سمعت هذه المرأة بزوربا؟ كان أنطوني كوين الذي جسد شخصية زوربا سيحسدها بكل تأكيد، سيبكي لها دون ريب رغم أن زوربا لم يبكِ قط، كان حزنه يمتزج بفرح من نوع خاص، هي الأخرى لم تكن تبكي، كانت ترقص بحماس منقطع النظير تحت تأثير إيقاع الطبل الذي له دور كبير في تصعيد هذا الموقف حتى الذروة) ص 31
هذا نوع من الأمهات رأيناه في الحرب، وما أكثرهن، وما تزال المطحنة تواصل عملها بكل جد، وعبد عون الروضان الذي فقد ولده في الحرب، ثم تلاه فقد ابنته، يمضي في (زائية الوجد) على مهل، ينزف دموعه بصمت وهو يغزل حزنه بأنامل فيها من الإبداع قدر ما فيها من الحزن الذي يعيش تحت جلده منذ ثمانينيات القرن الماضي…حتى أفراح الزواج صارت تقام على إرث الأحزان، فهذه واحدة قُتل زوجها في الحرب ولها منه ولد، تزوجت أخاه، وقد يأتي الزوج فيما بعد كما حدث في كثير من الأحيان، ويتضح بأنه كان أسيراً أو مفقوداً، لكن الأخ زوجة أخيه، أما طمعاً بالسيارة أو المنحة التي تأخذها الزوجة، أو من أجل ولدها لكي لا تتزوج بغريب.
السيارات العسكرية أثناء الحرب تدرج في الشوارع والدروب تأخذ الشباب وتهتز كأنها تعرف المصائر، خصوصاً وأن اللافتات السود المكتوبة بالخط الأصفر تواجهك أينما ذهبت، في الشوارع والساحات والأزقة وأبواب البيوت، كل بيت له حصة من الحزن والبكاء واللافتات، وقد هطل الحزن على بيت “الزين” حين عاد ملفوفاً بالعلم، أما اخته “الأميرة” فقد كظمت حزنها داخل جسدها، وراحت تنظر بحيادية الى المشهد (كأن الأمر لا يعنيها، أو كأنها تشاهد شريطاً سينمائياً أمام عينيها بحياد تام، حاولت النسوة استدراجها الى مربع البكاء حتى تنفّس عما في صدرها، وحتى تسرّب شيئاً من هول المفاجأة، لكنها كانت عنيدة، لم تستجب لأية إغراءات للبكاء، كانت محايدة بدرجة تدعو الى الدهشة) ص 43kh abd on 9
ما الذي حدث لها؟ ولماذا لاذت بنفسها وذهبت صوب غرفتها بكل صمت؟ ثم ارتدت الثوب الأسود وخرجت وهي على حالها، الأم تصرخ بها بينما هي “لم تختلج عضلة في وجهها، مارست حيادها المتعسف حتى أقصى حد” ولكن ما إن انفتح التابوت وألقت نظرة على الوجه الهادىء حتى راحت في بكاء هستيري كما لو أن بركاناً كان خامداً منذ دهر ثم وجد ثغرة للثورة.
زائية الوجد حكاية من آلاف الحكايا المتشابهات في الأحزان والمتماثلات في المصائر، الراصدات ليوميات الحزن العراقي المتوارث الذي ينبت أول ما ينبت في بيوت الفقراء.. وإلى تلك البيوت يأخذنا عبد عون الروضان، الى قريته في جنوب العراق، البيوت التي توارثت فقرها منذ مئات السنين (كانت البيوت يومها بحيطان عارية، يكشّر فيها الطابوق عن أنيابه، الفراغ بين الطابوقة والطابوقة، بين الساف والساف، مثل كهف غائر، قد يذهب الى الجهة الأخرى من الجدار، وقد ينفتح على الغرفة المجاورة أو على الجيران، وكانت الحيطان مأهولة بالعقارب من مختلف الأعمار والأحجام، كانت السقوف من الأعمدة والبواري، وكانت مستعمرات للحيات الصغيرة والكبيرة، كنا نشاهدها ترمقنا بعيونها الخرزية المدورة المغرقة بالكحل، تُخرج إلينا ألسنتها وهي تلتف حول نفسها وتتمدد) ص54 ـ 55
ومن تلك البيوت خرج الأب وأولاده، نزح الى بغداد مثل آلاف العوائل التي كانت تعاني الفقر والقهر وظلم الإقطاع، كبر الأولاد بأحلام لا تشبه أحلام الحروب التي كانت لهم بالمرصاد، لتغيّر فيما بعد خارطة الوطن، وتعبث بمقدراته، وربما كانت تسخر من تلك الأحلام على غفلة من النفوس المنضوية داخل بيوتها.
قدمت الرواية أكثر من بطل، الأب وهو يقص فاجعته، الأم التي أحست بالخطر قبل وقوعه، الأخت التي استعصت عليها الدموع فانحبست ثم انفجرت بشكل هستيري، الزين الذي رفض الهروب من الحرب، والذي كان بطلاً في حياته وبعد موته، بل حتى أثناء ما كان مسجى على دكة الغسل وهو يصوب نظره الى الأب، كما لو أنه يلقي عليه النظرة الأخيرة قبل الوداع.. الأماكن هي الأخرى زاحمت الأبطال في أفعالها وتأثيرها، نقاط الحراسة وما يجري فيها، مراكز الشرطة، الهاربون عبر طريبيل الى عمان ومنها الى المنافي من خلال مفوضية الأمم المتحدة، المدن التي تقيم مهرجانات الحزن كل عام في العراق بينما يترصدها الذئب اللابد في ظلام الليل، الذئب الذي أكل يوسف من قبل والذي يتناسل في كل الأزمنة، مرة على شكل عقرب ومرة على شكل أفعى في بيوت الفقراء، وثالثة يأتي على شكل صاروخ أو رصاص أو شظايا أو إعدامات بسبب الهروب أو “التخاذل” الذئب الذي يختبىء منذ الأزل بين طيات الجبال أو على قممها، في الكهوف أو في ظلمة الأزقة، هناك على الدوام ذئب حقيقي يترصدنا كما يقول عبد عون الروضان، وهو ذاته الذئب الذي ترصد الزين واختطفه، مسلحاً بقانون الحرب التي ذهب اليها المهندس والطبيب والمدرّس وكل صاحب شهادة عليا، صاروا جميعاً تحت رحمة عريف لا يحمل سوى الشهادة الابتدائية.
من الصعب جداً أن يكتب المرء فاجعته، ومن الصعب أيضاً أن نقرأ عملاً يحكي هذه الفاجعة عندما نكون على دراية بها، بل أحد شهودها، وهكذا كان الأمر مع عبد عون الروضان ومعي، فقد كنت أعرف زيدون (الزين) وأعرف اخته الأميرة والعائلة، ولذلك لم أمنع نفسي من التذكّر الجارح.. كل سطر يعيدني إليهم هناك في بغداد، الى تلك الأيام المشحونة بالتوتر على كل إبن أو أخ يذهب الى الجبهة، الى أيام العزاء والحزن المتواصل وموت الأميرة التي كانت تكظم حزنها فعرّش في جسدها مرضاً، وأكل خلاياها قبل أيام من موعد زفافها.
يا لتلك الحرب المجنونة التي أكلت الأخضر واليابس ولم تشبع بعد، ويا لهذا الرجل الذي فقد اثنين من أبنائه في عام واحد، كيف يكتب فاجعته الشخصية بين عمان وبغداد بكل هذا الوجد المشحون بالألم، ويمزج همّه بهم الوطن، يكتب الفاجعة دون أن يفقد خيوط اللعبة الفنية لروايته، لم تأخذه الأحزان ليشط عنها، لقد جاءت محملة بالأوجاع ومحافظة على نسقها الفني.
إن زائية الوجد وثيقة إنسانية تكشف بشاعة الحروب وما تخلفه في النفوس، وبشاعة مروجي الحروب عبر الأزمنة المريعة من تاريخ البشرية، وهي صرخة ضد كل أشكال الممارسات اللاإنسانية التي ترتكب ضد الجنس البشري.
صدرت الرواية في العام 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *