عدنان أبو أندلس : التجليات الأنثوية المتقاربة الرؤى والملامح والسيرة بين فرخ زاد وساناز زاده

adnan abo andalos 2بدءاً ، لم أبتغِ الكتابةً عن هذا التقارب بتساوي القدرة الشعرية بينهما حسبْ ؟.. ، بل بقدر التشابه الذي أراهُ يحيط بكل تفاصيل حياتهما الشعرية والشخصية ، حيثُ التشابه الشكلي العام ، من حيث الصوت والصورة الشعرية والجسمية والسيرة الذاتية ، الشاعرة فروغ فرخزاد رائدة إن لم تكن ْمدرسة بذاتها ، والشاعرة ساناز داود زاده فر تلميذة مجتهدة وذكية في تلك المدرسة ، لكنها جادة ومتابعة رغم حداثة شاعريتها .
من البديهي أن يتشابه صدى الصوت و الملامح بين شخصين قد لايجمعهما نسل أو قرابة ربما … وأن حدث ذلك فيكونُ قليلٌ جداً ، لكن المواءمة هذه والتقارب بين شاعرتين لا يجمعهما جامعٌ سوى ” الشعر ” أوتقارب حروف الإسم ؛ هذا التوافق السيكولوجي لشاعرتين من جيلين مختلفين فذاك نراهُ غرابة نوعما ؛ وإن حدث فربما من النوادرالغرائبية .
من خلال المتابعة لسيرة الشعراء ؛ وجدتُ المقاربة بين هاتين الشاعرتين ، من حيثُ الشكل والنشأة والتجلي والرؤى ، لكن الصفة الأخيرة فيها شيء طفيف من الاختلاف، وذلك للتفاوت الزمني و القدرة الشعرية واللغة ، وقد نقول بأن الشاعرة ساناز زاده تسير على خُطى فرخ زاد .
قد يتوافق تقريباً !.إن لم نقل متطابق تماماً ، فـ فرخزاد – لها من أفكارها الجدلية العميقة وهذا ما يحبُّذ متابعة نصوصها كل حين – متمردة – متحررة – سكنت مدينة الأحواز –ومن عائلة مسلكية – إنتقلت إلى طهران – لها من المحيط الأجتماعي قسوة – لها تجليات شعرية حادّة – رغبات ملتاعة في المعرفة كلياً ، كتبت الشعر في باكورة عمرها الغض .
فـ الشاعرة ساناز بنفس العمر من حيثُ بدأت كتابة الشعر وبالتطابق الذهني للـ –الأفكار – الجرأة – التمرد – التحرر الشعري – ومن عائلة مسلكية أيضاً – سكنت هي الأخرى مدينة الأحواز ، وتعيش حالياً في طهران ، لهما نزوع أنثوي حاد في الكتابة والرغبة في التفجير والتشظي والمفارقة ، ففي رغباتهما الملتاعة ما يطابق رؤى الشاعرة الإيرلندية ” ماري دوروس ” تقول في جملتها الشعرية الصارخة ” فمكَ مثل بستان ملؤهُ عسلاً على لساني ” .
وأيضاً ما يوافق رؤى باذخة في الرغبة للشاعرة الهندية ” كمالا داس ” ثريا” تقول فيهِ :
من السهل أن تحملني رجلاً على حبك
كوني صريحة فقط
في رغباتك كامرأة
– قفي عارية أمام المرآة معهُ
– كي يستطيع رؤية نفسهُ الأقوى
– ويصدق نفسهُ ” .farokh 2
– وقد يلاحظ القارىء في هذا التشابه بنصوصهما معاً وفق تفريغ عاطفي محبب للخلجات النفسية الغائرة في الأعماق ، لنرى مقطع من قصيدة فرخزاد تقول :
جسدي محمومٌ
من ملامسة يديك
ضفيرتي تنحلُ بأنفاسك
شفتاك …
الإحساس الدافئ بالوجود
ضعها برفق على شفتي
كلما اقتربت شفة من شفة
انعقدت نطفة في إحدى النجوم
الملامسة هو الإحتكاك الأولي للبدء بالرغبة ، ينتج من أثرها- المطاوعة – التخدير الآني – الإطمئنان النفسي والذي يأتي تباعاً مثل – أوار الإحتراق –محموم – أما الضفيرة هي الركيزة الباذخة في التوظيف وتمثل الأنوثة بالتمني ،لذا يلاحظ بأن أكثر الفتيات وحالما يدبُ بهن الغزل يمسكن الضفائر للملامسة والتمسد –فـ للشفاه قمة التمني للملاقاة بإحساس مرهف –هذا النص المكثف مبني على الإغراء الباذخ بالرغبة –فهي الإخصاب المثمر من إنعقاد نطفة وولادة نجمة في أعالي الأثير –الروح .
ويقابلها نص الشاعرة ساناز تقولُ :
مع دخانِ سيجارتكَ
وبأخر جرعة
أزولُ أنا
مع سيجارةٍ أُخرى
أنت تحترقُ
لقد تعودت عليّ
إذا تركتني
فإن صوت سُعالك
سيصدرُ من فمي sanaz
كما بدأنا مع فروخ فرخزاد نرى التقارب الرؤيوي هنا أيضاً مع ساناز من حيثُ توظيفها للمفردات المنتقاة مثل – ملامسة – إحتكاك –إحتراق – فـ السيجارة –رغبة روحية ولذّة ناتجة عن تخدير آني – فهنا يظهر الإحتراق بأنتعاش روحي وإرتعاش جسدي –المعانقة –فالحاصل اللقاء والمثمر –إذابة الروحين معاً ، أي اللذة في نهاية المطاف .
يلاحظ القاسم الجامع بينهما هو الاشتغال على الجسد ، فالجرأة جمعتهما في الطرح والتمرد والثورة على الخمول بتلك اللغة غير المألوفة لمجتمعً شرقي مغلق ، فجاءت رؤاهما المقاربة في الطرح الإيروسي الضاج بالرغبة الجسدية ،ليس كما يبتغيان وكما هو قريب من التخيل اللحظي ؛ بل توظيف شعري مميزحُمل على ركيزة الجرأة والطرح ، حيثُ المحمول الدلالي في الإستجابة لشهوة الفم –المشترك في التوظيف الرمزي – الضفيرة – شفتاك- الأنفاس – نطفة –هذا في رؤى فرخزاد .
أما في رؤى ساناز تقابلها المفردات –سيجارة – صوت –سعال –الفم ، فكانت الضربة الأخيرة لكلتيهما هو الشق النفسي كنتاج مثمر – الروح –إخصاب – فـ دخان السيجارة تواءم ذلك مع الملامسة –مصدرهما –الفم حتى جاءت الضربة الأخيرة –كون الأنفاس المتلاحقة –إنعقدت في الفم أولاً –بـ إخصاب أيضاً –ربما نتج عنهُ شق نفس آخر لاحقاً .
لذا يلاحظ توظيف المفردات المتقاربة والمتشابه والمقارتة نراها جلياً في قصائد فروغ وكما يلي : الضفائر – الخمر –الرائحة –الدخان –السيجارة –الحب –الأصطناعي – الفسفور –الرقص –محموم – السرير –الحضن –التمني –المرآة –اللون – الأخضر – شجرة التفاح –الموت .
كذلك إلتقاطها أي ” المفردات ” عند ساناز : الحضن –سيجارة –دخان –سرير –شجرة التفاح –الرائحة –المرآة –الأخضر –الموت –الرقص –الحب – اليورانيوم . وهكذا أضفت إلى نصوصهما محرك أساسي بفاعلية متحفزة رغم جمادية المفردات إلا الشفافية قد طغت عليهما –فمنحتهما ديناميكية من قوة ونشاط وحيوية .
حقيقة أن الشاعرتين لهما حسٌ متقارب ومكتنزات ناضجة بالمعادل الشعوري ، ففي نضوجهما تلاعب بمفردات تطاوع مخيلتهما أبداً وكأنها مخصصة لذاك العمل ، هذا ما لم نألفهُ في الشعر النسائي الشرقي إلا نادراً ، قصائدهما تلعق العسل بلسان الشعر ، لهما نفس السماة الشعورية برغبة ما – تركيزهما على فكرة محاورة الجسد وتوظيف إنفعالاتهِ بقلم متحرر رغم تصدّي دهاقين النفاق بـ حرملس “.
هذا البناء أساسهُ الرغبة الجامحة شعراً –المتوثبة معنى –مردهُ إرتكاز على منعطف نفسي ذو صراع وبحدة –هذا المعيار النسبي للتوافق والمقاربة متطابقة رغم أنهما من جيلين مختلفين والفارق الزمني بينهما مايقارب نصف قرن تماماً .

17-6-2016 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : المنهجية النقدية عند الدكتور نبيل طنوس .

للدكتور نبيل طنوس جهود بحثية، استهدف بها دراسة أعلام من الشعر الفلسطيني، عدا ترجماته المتعددة، …

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.