ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (28)
التواصل العنيد برغم الإخفاق الثقافي ! 2 – 2

nadhum 7إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
بعد أكثر من أربعين عاما قضيتها في مجاليّ ( العمل الثقافي والصحافة الإبداعية ) يمكنني الخروج بخلاصة مفادها ان المجتمع الثقافي ينقسم عموما الى فئتين : أولاهما الذين يحبون مجتمعهم بأعمالهم ونياتهم وثانيهما الذين يكرهون مجتمعهم ان كان في يومياتهم أم في خططهم او في نفوسهم المكتظة بالأوهام والنرجسيات او تفضيل الذات الفردية علي ذوات أخرى جمعية حتى لو شاء ذلك التفضيل امحاء الجمع الآخر وفي هذا تفصيل كثير!، واتصالا بهذه الخلاصة ( او إفادة منها ) وجدت ان بعض العاملين في الحركة الثقافية هم يسعون لتكبير أسمائهم وتلميعها حين تتصاغر او يقل بريقها وتتبخر مع أنهم فاشلون ومجدبون وبعيدون عن أية إضافة بل لن نندهش لو اننا وجدنا اسما لأوهام أو (( إمعات )) في أعلى المناصب الإدارية والمراكز المهمة وهم يتسنمون ويسلمون القرارات المؤثرة ! وهذا يحدث طالما ان هناك من يتناسى ( وسط شيوع الجهل والاحتكام لبواعث غير ثقافية ) للفئة الأولى المحبة وأسماء الذين اتخذ من الثقافة سلالم لتصعيد الآخرين الى حيث حقوقهم ومواهبهم التي ملت من كثرة الرقاد والتجميد والصراخ في حقول منسية لا نفع يرتجى منها .. وهنا علي ان استذكر الأديب محمد رشيد !.
مذ التقيت هذا الاسم لأول مرة – وكان ذلك في أواسط العقد التاسع من القرن الماضي – حدست انه يمتلك الطموح الكافي لتحقيق ما يرغب لو شاءت سيرته الفردية لكن أعجب ما عرفت يومها انه من النوع (( الغيري )) الذي أفضله وأكاد أتشبث بوجوده لأنه يعطي ترجيحا وتوازنا للعالم الذي أحب ويزيد من توسيع هذا العالم بالمحبة والعطاء ونثر الخير لمن شاء أو طرق سمعه ووجدانه، والسنون والمحن المتتالية أثبتت لي ان أديبنا الشاب محمد رشيد قد نذر نفسه لغيره ورهن طموحاته لصالح العمل الثقافي ( كوته الوحيدة التي ينظر ويحكم من خلالها ) حتى أننا لنجده يتماهى معها لإضاءة ظلامات المجتمع المحلي ( العمارتلي ) والكبير ( العراقي ) بل اثبت ببراهين كثيرة قدرته على رفع الحيف عن المنسيين والمظلومين والعمل على توجيه أشعة كاشفة للزوايا البعيدة لانقاذ أولئك المبعدين بسبب تقاطعات ضيقة والكشف عن الأسماء والطاقات الموهوبة التي تركتها (( المسيرة )) خلفها بعيدا!!.mohammad rashid 2
وليس صحيحا ان محمد رشيد غيّر من نظرته لمجتمعه فقام بادوار مفاجئة او انه قد دخل هذا المجتمع من زوايا أخرى ليظل من المذكورين فيه فلا ينسى (!) لكن مراقبا مثلي آثر الحياد على أي وهم آخر لابد من يصحح هذا القول الكاذب الذي يخفي فشلا وجدبا واضحين فالرأي السليم يقول ان محمد رشيد يمتلك محبة لمدينته وبلده وعالمه لا يمكن تحجيمها وهو لهذا يجري تصويبا مستمرا في ما يقدمه او يشرع به كما انه يسارع بمد يده البيضاء لتقويم الخلل الظاهر وتصحيح المعوج من الأشياء، لقد أدرك إن المجال الثقافي اكبر من ان يمثله مؤتمر او مهرجان – رغم نبالة القصد – فما كان منه إلا ان يفيض مشاريع متتالية يمكنها إضاءة الزوايا المظلمة او المهملة في قطاعات المجتمع الأخرى :هكذا رأيناه يستنصر الأيتام والشيخ والعاجزين وسكان الطرقات والمرضى و مالئي الشوارع وغيرهم كثير!.
وقد يسال سائل ولكن ما علاقة هؤلاء بمجاله الأدبي الذي مررنا عليه في الحلقة الأولى من هذا الحديث ؟! أجيب استرشادا بتجربة حياة مشتركة ان محمد رشيد ينظر الى واقعه ( المحلي والعربي والإنساني ) بأنه حاضن للأنشطة كلها اعتبارا من العاطلين والأطفال والعجزة وانتهاء بما يضمه من أدباء ومبدعين وان الجميع بحاجة الى رعاية لإظهار ممثليهم في الأضواء والعلن لتكريم بعضهم وتشجيع بعضهم الآخر على الاستمرار برغم كل الظنون السالبة والمعطلة لقدراتهم وانطلاقانهم ! ربما لهذا الاتساع في النظر المبدئي فقد تم منحه وسام الثقافة العراقية من مؤسسة سومر للعلوم والفنون والآداب في هولندا وألقيت ثلاث شهادات بحقه من كبار العاملين بالثقافة العراقية ،لا شك ان حركة غيرية دائبة ستقابل بالشكوك والعداء من بعض الشاكين والمخربين وضعاف النفوس من ناحية ولكنها ( في الآن ذاته ) ستلفت أنظار الجهات المعنية من داخل وخارج القطر فتحيط محمدا بالجوائز والألقاب وكلمات الإطراء والعرفان التي تليق بسيرته : الم يكن هو من أسس جائزة عراقية مهمة هي (قلادة الإبداع) وقد منحتها دار القصة العراقية لعشرات المبدعين العراقيين ؟ ولا نندهش لو انه قد أسس مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال كذلك (جائزة العنقاء الذهبية الدولية) وعد أطول مهرجان في العالم مدته (3سنوات) وأول مهرجان دولي يكرم المبدع في بلده، ثم انه أسس مهرجان الهُرّبان السينمائي الدولي المتجول عام 2009 إضافة إلى تأسيس مؤتمر القمة الثقافي الأول عام 2011 واعتبر أول مؤتمر قمة ثقافي في الوطن العربي ، وبناء على هذا الحراك المجتمعي فقد اختير رئيسا لـ(الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) يوم 15/12/2013 في بغداد ضمن المؤتمر التأسيسي الأول ؟!.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

دلوني على أديب واحد فكر بالطفل والتفت لعالمه فأسس (برلمان الطفل العراقي ) بأجنحته المختلفة ونشر سلسلة من المطبوعات الثقافية له وعنه حتى يستيقظ النائمون ؟ ولا ننسى هنا انه قد حصل على لقب سفير شعبي لثقافة وحقوق الطفل من قبل الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية عام 2008 ومنح لقب سفير نادي ثقافة الأطفال الأيتام في العراق عام 2007 ومنح جائزة الدفاع عن حقوق الطفل من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 2009 وله اجتهاد نوعي يحسب له حين أسس مشروع (النخلة البيضاء) وتحقق منه (كاليري النخلة البيضاء للأطفال الأيتام الصيفي ) و(دار النخلة البيضاء لرعاية وتأهيل أطفال الشوارع) عام 2008 إلى عام 2010 وغيرها الكثير من المشاريع والجوائز ، وأنا اسأل قبل ان لنهي هذا الحديث : هل إن الذي أفاض بمحبة خالصة لمجتمعه ولعالمه الإنساني يستحق ان نكلله بالنياشين والورود أم نلاحقه باللعنات وحملات التشكيك والمعتقلات ؟! أنقيم لمحمد رشيد حلقات الشكر ونزجي له التهاني لأنه باجتهاده أصبح شخصية مرموقة محليا ودوليا أم نفتح كوة للصغار حتى يحرقوا أرشيفه الخاص بالقصة العراقية ثم نهب بيته ودفعه حتى يبيع قطعة أرضه الوحيدة ؟!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    الغيرية من الصفات الهامة التي تفيد المجتمع و لإنسان. و تضخيم الأنا مرض يتسبب بهدم كل العلاقات و ينخر في جذع الإنسانية كما يفعل الوباء.
    أما نهب تاريخ و تراث رجل من “زماننا” فهذه عادة لا أحد بمنأى عنها.
    ألم يلاقي محمود بريكان حتفه بطعنة سكين. وفي سوريا مات عبدالباسط الصوفي في الأربعين من عمره في إفريقيا بالملاريا لأنه كان معدما و عمل هناك بتدريس اللغة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.