بيتر أوستينوف فلسطينياً!
د. زكي الجابر
تعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/44)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.

المقالة : 

بيتر أوستينوف فلسطينياً!
د. زكي الجابر
تعليق: د. حياة جاسم محمد

لم يُخفِ بيتر أوستينوف (Peter Ustinov) ارتباطه بفلسطين لا بإسرائيل. وقبل أن أضع بين يديك ما قاله عن سر هذا الارتباط وأين كشف هذا السر أجد في حكم الضرورة تسليط بعض الضوء على ملامح بارزة من شخصية هذا الرجل.
لقد تحدّر أوستينوف (1921-2004) من أب روسي وأم ألمانية. سجل اسمه لامعاً في تاريخ الفن والأدب باعتباره كاتباً وممثلاً مسرحياً ومخرجاً مسرحياً وسينمائياً ومنتجاً ونجماً تلفزياً ومجيداً في التمثيل الصامت والإيماء ومبدعاً في الكارتون ومخرج أوبرا.(1) وكان كذلك كاتباً روائياً وقصّاصاً وكاتب مقالات، وكذلك سفيراً لليونيسيف. إنه، كما رأيتَه، متعدد القدرات والمواهب، وفاز عن استحقاق بجائزة الأوسكار مرتين وبجائزة غرامي(2) والجائزة الذهبية العالمية،(3) بالإضافة إلى جائزة نقاد الدراما في نيويورك.
أبدع اوستينوف في توظيف وجهه المطاطي متقمصاً شخصيات عدة مثل بوش وريغان وشامير، ولقد شبه الأخير ذات مرة بأنه كلب سابح. ولعل أهم مقولة في تقدير إبداعه الفني جاءت على لسان الممثل والمخرج الكبير أورسون ويلز التي ورد فيها بأنه لو كان المسؤول القيّم على جائزة الأوسكار لما تردد في منحها كل عام إلى بيتر أوستينوف.
والآن، بعد هذه الفذلكة، لنعد سوية إلى أصل حكاية فلسطينية هذا الفنان العبقري. في كتابه الصادر في بوسطن وتورنتو عام 1973، والذي اختار أن يكون عنوانه “Dear Me” لما يحمل هذا المصطلح من معنى الأسى أو الدهشة أو نفاد الصبر، تحدث أوستينوف عن عمله سفيراً لليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) وما ينطوي عليه هذا العمل من دوافع إنسانية ومهمات نبيلة، وأشار إلى أنه خلال انشغاله بالمهمات تلك نشرت الوكالة اليهودية إشاعة مضلِّلة تقول بأنه تناول بالقذف إسرائيل وشوه سمعتها في صحيفة ألمانية ذات شهرة، كما أشارت الوكالة في ختام إشاعتها تلك إلى أن أوستينوف يهودي الأصل. وكانت حصيلة الإشاعة إلغاء حفلات إحدى مسرحياته التي كانت على وشك أن يرفع الستار عن فصولها، ولحقته عواقب أخرى قاسى منها الكثير.

سير بيتر أوستينوف
سير بيتر أوستينوف

وفي طيات كتابه ذاك يجيب أوستينوف عن تساؤل عن ارتباطه بإسرائيل. أما جوابه فكان قاطعاً، إن ارتباطه ليس بإسرائيل ولكن بفلسطين! وأردف قائلاً بأن أسرته برمتها غادرت في عام 1917 ما عدا عمته تابيثا “Tabitha” التي تزوجت عربياً فلسطينياً هو أنيس جمال Anis Jamal، وكانت تعيش معه في القدس حتى اضطرا إلى النزوح عند إنشاء دولة إسرائيل. يقول أوستينوف بأن أصدقاءه الإسرائيليين يعارضون القول بالاضطرار قائلين أن أي أحد لم يقسر على الحرب، وكان في وسع كل الساكنة البقاء ليصبحوا مواطنين صالحين تحت ظلال الدولة الجديدة. إن هذه الآراء، كما يرى أوستينوف، تتناقض مع الوقائع التي حدثت في أقطار أخرى. فمن العسير التصور بأن قطراً يصف نفسه بأنه (وطن قومي) يمكن أن يعامل بمساواة كاملة مواطنيه كافة من غير اعتبار للعرق أو الدين. ومهما يكن الحال فلا يمكن لك أن تتوقف للنقاش والجدال والطلقات تتطاير من حولك. وبألم يضيف أوستينوف إلى كل ذاك بأن عمته تسكن الآن شقة صغيرة في بيروت، أما دارها في القدس فهي تحت سلطة ما يعرف بحراسة ممتلكات الأعداء.
يختتم أوستينوف شهادته بالقول بأن أحد أصدقائه من اليهود، وهو سوسيولوجي ذو مكانة، قال له: ’’إن الفلسطينيين هم آخر ضحايا هتلر‘‘، وهو مضطر إلى عدم البوح باسم هذا الصديق لئلا يصبح عرضة لحكم متسرع وسوء تفسير.
وبعد، فذلك هو بيتر أوستينوف الذي أوصى ساخراً بأن يكتب على قبره: ’’لطفاً لا تسر على العشب‘‘. ولم يكن في إنجازاته بالعشب القصير بل شجرة
باسقة وارفة الغصون. إنه الكاتب المخرج للروائع “The Love of Four Colonels”(4)
و“Photo Finish”(5) و “Romanoff and Juliet”(6) والذي يحتفظ بتجارب فنية عميقة في ساحة العمل عند تصوير أفلام خالدة متميزة مثل “Spartacus”(7) و “Quo Vadis”(8). وقد أتحف المكتبة الأدبية العالمية بمجموعتي قصص قصيرة وروايتين وكتابين يضمان رسوماً كارتونية ناقدة.
وإذا ما كانت ملكة بريطانيا قد منحته لقب ’’سير‘‘ (Sir) لقاء إبداعاته فماذا بوسع العرب أن يمنحوه لقاء جرأته بإعلان ارتباطه بفلسطين دون أن يحسب لما يمكن أن يجره عليه هذا الإعلان من أذى ومضايقة في وسط عرف بتحيزه إلى جانب إسرائيل.
*******************************
(1) الأوبرا (opera) شكل فني يؤدي فيه المغنون والموسيقيون عملاً درامياً يجمع النص والموسيقى في مشهد مسرحي.
(2) Grammy Award جائزة تشريفية تمنحها الأكاديمية الوطنية للفنون التسجيلية وعلومها للولايات المتحدة اعترافاً بالإنجازات المتميزة في موسيقى اللغة الإنكليزية بصورة رئيسة.
(3) Golden Globe Award اعتراف أمريكي بالأعمال المتميزة في صناعة الفيلم والتلفزيون في الولايات المتحدة وخارجها، وتمنح في احتفال سنوي.
(4) The Love of Four Colonels ملهاة في فصلين، كتبها أوستينوف، ومثلت على مسرح برودواي في نيويورك (1953).
(5) Photo Finish ملهاة كتبها أوستينوف للتلفزيون (1965).
(6) Romanoff and Juliet ملهاة تسخر من الحرب الباردة، مستوحاة من مسرحية شكسبير ’’روميو وجولييت‘‘، كتبها أوستينوف وعرضت (1956) في إنكلترا.
(7) Spartacus فيلم أمريكي تاريخي (1960) مبني على رواية Spartacus للكاتب Howard Fast عن قائد عبيد ثار في القدم. مثل أوستينوف فيه دور تاجر العبيد، وحصل على الأوسكار لأفضل ممثل مُساعِد.
(8) Quo Vadis تعبير لاتيني يعني ’’أين أنت ذاهب؟‘‘، وهو عنوان فيلم أمريكي ملحمي (1951)، مثل فيه أوستينوف دور الامبراطور “Nero”، وفاز بجائزة Golden Globe لأفضل ممثل مُساعِد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.