د. صالح الرزوق : الرموز النباتية في شعر يحيى السماوي

saleh alrazokيشكل الغطاء النباتي في شعر يحيى السماوي مفتاحا أساسيا لفهم عالمه النفسي وخلفياته.
والمقصود بالغطاء النباتي أسماء الأشجار والنباتات البرية أو المنزرعة التي يذكرها في سياق عام وأحيانا خاص ومتحول.
وعلى وجه الإجمال يمكن تقسيمها من وجهة نظر لغوية إلى ثلاث مجموعات: الأشجار التي يزيد طولها على مترين أو ثلاثة كالنخيل والتفاح والكرز. وهي أشجار باسقة تقاوم الفناء وتعتبر رمزا للبقاء والديمومة. ولكنه يتعامل معها في مجالين دلاليين.
– النخيل يختص عنده بالشموخ والتحمل. وانكساره يوازي الهزيمة أو النكبة. كقوله:
البستان مذبوح النخيل ( إشارة لرهاب الخصاء. كأن النخل يعادل الانتصاب أو التباهي بالذكورة القضيبية).
– وأشجار البساتين تختص بالمتعة العابرة والبهجة الأوديبية. ويختصرها حتما بثمارها..
كما لو أن هذه الثمار هي جائزة نسائية أو أمنيات تعبر عن مرحلة الجنس الفموي عند الرجل. وأصدق مثال عليها قوله:
خبئ عن فمي الوحشي تفاح بساتينك.
وقوله:
سدي باب وادي التين والزيتون لو جئتك.
ومن الواضح أن الطبوغرافيا يستعملها للإسقاط والتماهي مع المؤنث. وهذه بلاغة شعرية طالما لجأ إليها شعراء المقاومة من أمثال نيرودا وإيلوار. حيث الشقوق والثغور رمز للفرج، ولو شئنا التهذيب لأحضان النساء كما يؤكد بيير داكو في كتابه (لاشعور الأعماق).
ثم الأعشاب والشجيرات التي ترتبط بالذاكرة الجماعية مع الغذاء والأرض. ونادرا ما تأتي بسياق منفرد.
ويتعمد يحيى السماوي في هذا النطاق إضفاء قيمة فوق تغذوية على نباتاته، فهي ليست مثل الثمار مصدرا للبهجة (أو رمزا من رموز المرأة)، ولكنها تدل على الحاجة. إنها قوت الإنسان (ورمز من رموز الرجولة) كما هو الحال في صور القمح والشعير، وغالبا تتلازم مع مفردات تأكيد وإخبار كالحقل والبيدر والسنبلة…
مثلا يقول:
وأضـحـى الـحـقـل مـسـغـبـة
بـيـادره الـهـوان
ويقول أيضا:
فـحـقـلـي قـبـلـهـا لـلـعـشـبِ
رمْـسُ
فهي تأتي في القصائد ضمن تراكيب وظيفية. حيث أن القمح يدل على الرغيف والتنور. والشعير يدل على الفقر والفاقة والعوز أو شظف العيش.
وأحيانا تكون الوظيفة خاصة بالكساء مثل نبات الخيش (القنب المعروف أنه خشن الملمس ويحمل في الذهن دلالات تدل على التحمل)، أو مثل نبات الكتان (الذي يرى أنه أردأ أنواع الخيوط كما جاء في لسان العرب). yahia 10
ولا بد هنا من التنويه أن الشاعر السماوي يتعامل مع هذه المفردات بإيحاءاتها وليس من خلال صورها. فالكتان في الوقت الراهن وبعد التطور الصناعي والزراعي من الخيوط الناعمة المنافسة للحرير. وهذه ناحية هامة تساعد على تفسير عقلية الأستاذ السماوي وتصنيف حساسيته الشعرية.
ويمكن اعتبار هذه المفردات بمثابة زلات اللسان التي تضمن للقارئ مدخلا إلى لاشعوره. فكل معاني مفرداته تنتمي لمراحل سابقة من الوعي الاجتماعي. ولو قمت بجرد عام لها ستلاحظ أنها من حياة مجتمعاتنا في نهاية القرن التاسع عشر وبواكير العشرين. ومن المعروف أنه خلال فترة ازدهار الرومنسية في بواكير التاسع عشر ركز علماء النبات على الأفكار التصوفية في الثقافة السائدة، وبتعبير كاندلير وأولريش* اهتموا بالدور الروحي والإيزوتيري. ولكن تراجعت الأفكار التجريدية مع تطور أساليب التفكير العلمي.
لذلك إنك لا تجد في قصائد السماوي شيئا يشير إلى الموبايل أو الحاسب الآلي أو الديزل. ولكنه في نفس الوقت هو مولع بكل رموز وصور المعاناة والكد والشقاء.
ولا يمكن أن يفوت القارئ صورة الناعورة التي يأتي ذكرها في كل قصائده باعتبار أنها رمز بدائي للري وللأنين ولروتين الحياة ودورة الطبيعة في مجتمع ساكن.
يقول:
أركـض الـعـمـر كـمـا الـنـاعـور مـن حـولـي
ولــمـا أصـل
إن صورة الناعورة تحل عند السماوي محل طواحين الهواء التي يميل إليها الحداثيون وما بعد الحداثيين. فطواحين الهواء لها جذور في أدبيات البيكاريسك الأوروبية كما وردت عند سيرفانتس في رائعته دون كيخوتة. بينما الناعورة أقرب لمعاناة الإنسان البسيط الذي يموت أو يحتضر في ظرف قهري.
وهذه نقطة افتراق هامة بين العقليتين.
عقلية المغامر البيكاريسك المتشرد الذي لا يعرف كيف يتعامل مع الأرض ويكتشف نفسه المجزأة في عدة أصقاع وبيئات. وهي إحدى خصال القلق والغموض النفسي وتدني مستوى التثبيت أو اليقين.
وعقلية الكادح أو الثائر الذي يهتم بالأرض كقيمة ثابتة وجوهرية.
وفي الواقع تشير هذه الاستعمالات لوعي طبقي عند الشاعر يؤكد على مشكلة التفاوت بين الغني والفقير من جهة، وما يترتب على ذلك من لوازم نفسية وسياسية كمشكلة الطغيان وعبادة الفرد والعبودية..kh yahia 9
أما المجموعة الثالثة والأخيرة فهي كل ما له علاقة بالورود.
وأعتقد أن الوظيفة الجمالية للورد متنوعة ويصعب حصرها أو تحديدها في فضاء دلالي واحد.
وبعملية مسح سريعة تستطيع أن تقول إنه يأخذها كرموز عامة من رواسب الذاكرة الشعبية. فالجلنار يدل على شدة الغرام والعشق الممنوع أو الدم والثورة (كما في قوله: طفلين شغوفين بشم الجلنار).. والنرجس يشير للافتخار بالذات (لدرجة النرجسية وعبادة الأنا) والندب والتأسي (كما في قوله: حتى يعود إلى شذاه النرجس).
ويمكن إجمال ذلك في سياق بتولي، يرد كثيرا ويلح عليه كلازمة لا بد منها، كما في قوله:
حـتـى يـنـتـصـر الـيـنـبـوع عـلـى الـصـحـراء
وورد الـعـشــق عـلـى الـسِّـكـيـن
بالمقابل إنه لا يحفل أبدا بالنباتات التموزية التي ترتبط في المخيال العربي بأساطير الموت والانبعاث وفكرة الحدس بالعود الأبدي دون إدراكه (باستثناء لمسات بعيدة لشقائق النعمان). ولا أستغرب ذلك. فالسماوي شاعر آني. يطلب الوصل ويبكي من الفراق الطويل. ويكاد يصنع من ذلك مأساة أو تراجيديا شكسبيرية.
وهذا أيضا يحجب المعنى الرومنسي للورود بكل أنواعها. ويفسر الموت على أنه سقوط في غياهب العدم بينما يصور الحياة بصور انفعالية ولذية. وكأنه نسخة حديثة من شخصية الغلام القتيل طرفة بن العبد (والإشارة هنا إلى لذات الفتى: المرأة والفروسية والخمرة).
فيحيى السماوي نادرا ما ينسى أن يكافئ بين التهور والشجاعة والبطولة والطيش. وغالبا، أو بالأحرى في كل الأوقات، يكون بطله عاشقا لدرجة العبادة. فالمرأة لديه إلهة ولكن عبادتها انتهاك للقانون (تابو).
وكما أرى هذه إشكالية تضع الشاعر في موضعين متعاكسين.
أن يكون في مجال اللغة مع القانون (الثابت) وفي مجال الدلالة ضده (مع تكسير القواعد وتأليه اللاشعور).
وتتبدى أيضا مثل هذه الحيرة وغموض المواقف في رموزية زهور النسرين.
فالسماوي كشاعر ينتمي بلا تردد لمجال النشاط الزراعي (السابق على التصنيع). بينما النسرين (مثل السوسن) من النباتات الرعوية التي اهتمت بها التوراة. إنها شاهد على الديانة التوحيدية الأولى في كل الميثولوجيات.
وهذه نقطة نظام تضع السماوي وفلسفته الشعرية على المحك. ففي قصائده عدة إشارت للنباتات المسيحية أيضا ومنها النخيل والتمور وإكليل الشوك أوالعليق.. ولكن لا يوجد لديه وعي دلالي بالمسيح، فهو يهتم بفكرة العذاب على وجه المطلق دون حيثيات دينية. ولو وردت إشارت من خزان المعرفة الديني فهو غالبا ليس من ينابيع أساطير العذاب والفداء المسيحي و لكن عن طريق الإسقاطات الإسلاموية، بالاستناد لمرويات من المدونة ( القرأن وتراكيبه وصوره). وهذا هو شأنه مع النسرين.فهو يشير له في حالات محدودة وعلى الأغلب لضرورة الشعر (القافية والروي) كما في قوله:
طفلا عدت
وعاد الطين
رطبا مثل زهور الزنبق
والنسرين.
لا شك أن الحياة النباتية في الأدب ليست مجرد ديكور أو كماليات تضاف للمكان، ولكن لها علاقة بخلفيات الكاتب. فالشجرة التي تموت واقفة ليست مثل الشجرة التي تشبه مكنسة الساحرة الشريرة. في الحالة الأولى تدل على المقاومة والصمود (أشعار معين بسيسو مثلا) وفي الحالة الثانية تنتمي لأدب الرعب وعودة الفكر القوطي بأجوائه الغريزية والكئيبة (قصائد بودلير ورامبو مثلا).
وفيما أرى إن شعرية السماوي توظف النباتات بصور متحولة وبمجاز يكاد يربط الطبيعة بفكرة المهد (الحاضنة التي تقدم للغريب تعويضا نفسيا عن الانفصال والسقوط).

*Riklef Kandeler and Wolfram R. Ullrich. Journal of Experimental Botany. 15 September 2009.

نيسان 2016

شاهد أيضاً

ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم …

أيام عجاف صوت الإنسانية للشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم وليد عبد الله خريوش – فلسطين

* إننا نعيش في ظروف صعبه لم يشهد مثلها التاريخ . * حرمان البشر من …

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *