أ. د. نادية هناوي سعدون : مراوغة الكتابة الشعرية بين فعل السرد وبنية الوصف

nadia hanawi 2لقد أسهم انفلات تجربة الدكتور الشاعر مشتاق عباس معن من قيد التكرار والمعاودة والتقليدية في تحريك عجلة الإبداع الثقافية ودفعها بعيدا عن التموضع من خلال التأقلم التشكيلي مع سائر الفنون والعلوم تناصا وتداخلا ..
والسبب أن تجربة مشتاق عباس معن الشعرية تصنيفية لأنها تحاول الاطراد في وضع التصنيفات لاستنباط الأنواع الشعرية الجديدة ، وإحداث التنويعات داخل القصيدة العربية عبر اللاتقليدية في توزيع العناصر الموضوعية والذاتية ، سعيا وراء الدعوات التجديدية التي نادى بها الرمزيون والحداثيون بدءا من آزرا باوند واليوت ومالارميه ” للتعبير عن الحالات النفسية المركبة العميقة بفضل ممكنات اللغة وعملية نحت الصور والأخيلة …. وذلك بفضل الخيال الخالق الذي يستعين به الشاعر لتصوير رؤى شعرية تعبر عن مكنونات النفس وخواطرها ”
ولقد وظف الشاعر ذلك كله في مجموعته الورقية غير الكاملة من خلال الرسوم المصاحبة للنصوص ونقاط الحذف بأنواعها وأشكال الطباعة المختلفة للأسطر وغير ذلك من أساليب السيميوطيقا وأنظمة العلامات .
كما عمد الشاعر إلى محاولة التأسيس لمرحلة إنتاجية حداثية تستثمر معطيات نظرية التداخل النصي للأجناس الأدبية التي تتقاطع مع نظرية الأنواع الأدبية عبر كسر القواعد المظهرية للقصائد التقليدية متخذا من ذاته بؤرة الخطاب .
فلا انكفاء نحو الصمت ، بل سيرورة نحو الحوار في متوالية أنا / أنت وأنت / أنا ، مع الاحتفاء بكل ما هو بصري ودرامي في خضم تفاعلية المشهد الشعري بتفاصيله وتضاريسه الحرفية واللونية ..
وقد كان الهاجس الذي يؤرق المبدع هو كيفية مراوغة المألوف لكي ينزاح عن المعتاد ؛ ولا يبدو أن الشاعر مشتاق عباس في تجربته قد وصل إلى مرحلة يمكن للنقاد أن يعطوا حكما نهائيا قاطعا يتسم بالنضج والكمال.. إلا أن المتحقق من نتاجاته المعبرة يعطينا تصورا مبدئيا عن رغبة في إلغاء الكتابة التقليدية ووأدها ، عبر وأد أسلوبها القديم والاستعاضة عنه بأسلوب كتابي جديد أكثر سهولة وتقبلا للإنتاج التواصلي من الأسلوب القديم .

وقد عمل التناوب بين فعل السرد وبنية الوصف على توليد حركية يتساوى فيها مستوى المكان مع مستوى الزمان أسلوبيا ورؤيويا ودلاليا على طول مساحة الانزياح الشعري وقد حققت تلك الحركية فعلا تواصليا مع المتلقي بصريا وسيميائيا .
وتصادف قارئ نص (ما تبقى من أنين الولوج) أشكال ايقونية غير منتظمة هي عبارة عن خطوط رسمت بخطوط متقاطعة بما يوحي للقارئ بطبيعة الأنين وسمة الولوج ، وما تبقى منها يد مقطوعة ونقاط دم وحبر ساقط وأصابع مرفوعة بخوف ورعب وفم ثاغر وزخارف غير واضحة المعالم ..
ولعل العنوان الذي يتلو صفحة الرسم يعطينا مفاتيح تأويل تلك الإيقونة … والعنوان هو ( إلى المذبوح بحدِّ الفرات ) ويبدو أن ثيمة الذبح والسكين هي اقرب ما يمكن إلى التأويل للرسم غير المنتظم للأعضاء البشرية (اليد ـ الإصبع ـ الدم ) فضلا عن الأشكال الهندسية الأخرى .moshtak abbas
وتعري مأساوية الفعل (ذبح ) الوجود وتحيل من ثم إلى الأعماق مما يؤدي إلى تضخم الذات ، كما ترد مفردة العيون وتبعاتها (جفون ، أحداق ، دمع ) مضافا لها الفعل (بصرت) وتتفاعل مفردات ( كفك ، كف الموت ، قلب، فؤاد ، دم ، عرق ) مع الأفعال ( تؤرق ـ توقظ ـ ينبض ـ يشعل ـ تحنو ـ يتهجد ) في بنية استمرارية مستقبلية لما سيؤول له هاجس التكون ..
ولا تخلو القصيدة من حذوفات لسطر أو نصف سطر فتتقدم نقاط الحذف لأن المحذوف هو مبتدأ الكلام لا فضلته..!! ومن ذلك هذا السطر:
… هم أجهشوا للحرب
….
… من أين

.. يتهجدونك ؟!
ولو عدنا ومازجنا المرسوم بصريا بالمتصور ذهنيا من قراءة القصيدة ؛ فإننا سنجد ومضات تكشف للقارئ عن بعض المكنونات وتضعه على طريق رصد المخبوءات في نص ( لابد لي أن ألج ولو في سم الخياط ) كتصريح للأنا المراهنة على الوثوب والتحرر عبر اكتناه المستحيل ، وقد تفتح هذه الأنا الطافحة بالذاتية والتي لا تخلو من نرجسية متعالية ، تساؤلات نفسية عن سبب طفو المتكلم مقابل خفوت المخاطب أو غيابه ؟!!
ويتحول هذا السؤال المجترح من طبيعة العنوان مع الإقبال على قراءة النص/ القصيدة إلى تأكيد أن ” القراءة في الأسماء والأحداث أو في الكلمات والأشياء .. هي خلق وابتكار بقدر ما يصدر عن غنى التجربة وفرادة اللغة أو بقدر ما ينطق عن هوى المعرفة وتجسد متعة النص وإرادة الحضور والفاعلية ” .
وهكذا لكل مجرب مساحة من التفرد والريادة وهذه المساحة شغلها الشاعر مشتاق بامتياز لان اتجاهه في التجريب لم يكن مبنيا على مصادفة عابرة أو فردية طامحة للمخالفة للمألوف بل كانت جزءا من عملية شعورية وإحساس نفسي بواقع ثقافي وجمالي معقد مؤسس على نظرة أكاديمية استقاها الشاعر من مضمار الدراسة الجامعية وقائمة على هاجس تطبيقي نابع من امتلاك الشاعر أدوات البناء الشعري ..

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *