عبد عون الروضان : رواية الأحمر والأسود لستندال، التعلق بالأم و رفـــض سلطة الأب (ملف/6)

abd on alrodanعلى أنقاض الحركة الرومانسية في الأدب والفن قامت الواقعية، ومن رحم الثورة الفرنسية تخلّق ستندال الذي اشتهر بروايته التي لا تزال مثار جدل واهتمام في أوساط المتلقين والناقدين وهي رواية (الأحمر والأسود) مثلما كتب رواية أخرى هي (لاميل) وقد عثر عليها بين أوراقه فنشرت بعد موته، ورواية (لوسيان لوفان) وقد نشرت عام 1894″أي بعد موته أيضا،

وقد تناولت كلتاهما الحياة في فرنسا أيام أسرة أورليان الملكية، كما كتب العديد من البحوث عن الفن والحياة والفنانين إضافة إلى كتابه الشهير (راسين وشكسبير) قبل الثورة الفرنسية بأعوام وبالتحديد في عام 1783ولد ماري هنري بيل أو ستندال وحين كان في السادسة من عمره فقد والدته، فانعكست هذه الحادثة على نفسيته بشكل واضح وكان من الممكن أن تكون نقطة تحول في حياته فيزداد قربا من أبيه، إلا أن العكس هو ما حصل بالضبط، فقد كانت تلك الحادثة نقطة البداية في تقويض العلاقة بين الأب وابنه، وخلقت شيئا من الجفوة والكره المتبادل بينهما، وقد جسد ستندال ذلك الكره المتبادل والجفاء في رواياته التي كتبها بعدئذ إضافة إلى كتابه الشهير (راسين وشكسبير).
نشأ ستندال وحيدا لا يربطه بأبيه شيء سوى الاسم فأرسل إلى باريس ليدخل المدرسة، وهي معهد تقني معروف،لكنه أخفق في الامتحان، فترك المعهد للعمل تحت إمرة بيير دارو وهو أحد أقربائه في وزارة الحرب، ثم انضم إليه مرافقا للقنصل نابوليون وذهب معه إلى لومبارديا وجنيف وميلانو، ثم دعي إلى الفرقة السادسة ليخدم فيها برتبة ملازم ثان حيث ظل في الجيش ثمانية عشر شهرا، إلا أن اعتلال صحته وكرهه للحياة العسكرية حدا به إلى الاستقالة والعودة إلى فرنسا، إلى غرينوبل بالتحديد وهي مسقط رأسه، لكنه عاد في عام 1812 لينضم إلى الجيش ثانية والتحق بحملة نابليون العسكرية على روسيا فدخل موسكو معه، ثم شهد الانسحاب المريع لجيش نابوليون وهو يتقهقر أمام
الجيوش الروسية والجنرال فبراير كناية عن الشتاء الروسي الرهيب.
كان ستندال طوال حياته سياسيا ليبراليا في أفكاره. طوف في البلاد وتقلد الكثير من المناصب ووقع في غرام العديد من النسوة اللاتي كانت له مع العديد منهن قصص حب عاصفة نخص بالذكر منها علاقته مع ماتيلدا دمبوسكي التي تعرف اليها في روما ثم تبعها إلى فولترا ثم إلى فلورنسا وميلان ثم قال لها وداعا عام 1826وقام برحلته الثانية إلى لندن.
كانت حياة عاصفة، كثيرة الألوان والتنوع،حفلت بالكثير من الأسماء للكتب والأماكن والنساء والرجال والقادة العظام إلا أننا لم نعثر على ذكر لأبيه ولو مرة واحدة.
وأخذت عقدة الأب تتنامى لدى ستندال إلى درجة كبيرة حتى أنه قتل أباه في داخله فلم يعد يذكره أو يتذكره وصار يعتقد أن الاسم كما هو الجسد أو المركز الاجتماعي كلها سجون، ولذلك رفض اسم أبيه.
وظلت موضوعة البحث عن الأب خلال رواياته تعني ظاهرة البحث عن الذات. وعلى ذلك فإن ستندال يخلق العديد من الآباء لأبطاله، فالقسيسان شيلان وبيرار والماركيز دي لامول لجوليان سوريل بطل رواية الأحمر والأسود والقسيس بلاتيس والكونت موسكا بالنسبة لفابريس بطل رواية دير بارم وبذلك يصبح الأب غير الحقيقي في أفضل الأحوال وسيلة للتحرر من سلطة الأب الحقيقي.kh standal
وعلى أرض الواقع الحياتي رفض ستندال اسم أبيه بيل لأنه كان يرى فيه قدرا مسبقا أراد الهرب منه، ذلك القدر الذي يربطه بفرنسا، بمدينته غرينوبل وبالطبقة الوسطى وبالعالم المكون (من البخل والحسابات الخسيسة) فرفض اسم أبيه إذن هو تعويض عن قتل الأب الحقيقي أو قتله في داخل النفس.
وقد اتخذ ستندال أكثر من مئة اسم مستعار لعل من بينها دومينيك وساليفاتي وكاتونيه وبوسيه وسامييه وبارون دو كلوتانور ووليام كروكدايل وأخيرا البارون فريدريك فون ستندال الذي اختصر إلى ستندال ووقع به لأول مرة في حياته عام 1818وظل عليه حتى مماته ولم يعرف إلا به.
وقد استطاع ستندال أن يرسم صورته الذاتية عبر شخصية جان سوريل بطل رواية الأحمر والأسود، فهذا الشاب هو ستندال بقالب روائي، فهو مثله شاب وسيم حاد الذكاء، لكنه لم يتلق إلا تعليما محدودا، بعض الدروس اللاتينية ,مثله أيضا فقد أمه في السادسة من عمره وكل منهما يكره أمه وأسرته.
وتلعب المرأة في حياة كل من ستندال وسوريل دورا كبيرا، وقد اعترف ستندال بحبه القوي لأمه وغيرته المبكرة من أبيه.
جوليان سوريل يتعلق بحب امرأة متزوجة هي مدام دي رينال التي يرى فيها صورة أمه، ثم يحاول قتلها في الكنيسة أمام الملأ فيودع السجن وتزوره مدام دي رينال في ذلك السجن الذي هو رمز الرحم الذي يرغب في العودة إليه والذي يجد فيه الملاذ والرابطة الحميمة بين أولئك الذين يبحثون عن بعضهم فيلتقون وهم في مأمن من ان يصل إليهم القطيع البشري العام مثلما يرمز ذلك إلى استحالة الحب وإلى أعلى أشكال الهرب إلى داخل الذات.
لقد ظل ستندال طوال حياته تائها، لم يجد برا يؤويه، حتى علاقته بالمرأة لم تكن حميمة، فقد كان دائم البحث عن المرأة التي رسمها في خياله من بقايا صور علقت بالذاكرة، ذاكرة طفل في السادسة. وكان هذا واضحا في انتمائه إلى فرنسا، فقد كان يحب إيطاليا التي عاش فيها ردحا من حياته فراح ينظر إلى نفسه كإيطالي في المشاعر والأحاسيس وفرنسي في الولادة لاغير.
وستندال لم ينتم إلى طبقة معينة وإن كان يطمح للوصول إلى الطبقة الأرستقراطية وقد شغل بالفعل مناصب حكومية عالية، وعندما ظهرت روايته (الأحمر والأسود) كان قد عين قنصلا في تريستا من قبل حكومة لويس فيليب الجديدة، لكنه اضطر للاستقالة من منصبه هذا في العام نفسه، وذلك بسبب المعارضة الشديدة التي أثارته النمسا ضد هذا التعيين، ومنح بدل ذلك قنصلية سيفيتاريا فتشيا وهي إحدى المقاطعات البابوية.
وتلقي رواية (الأحمر والأسود) وشخصية جوليان سوريل الكثير من الضوء على ضياع ستندال وفقدانه للهوية الواضحة والصريحة، فبالإضافة إلى موت العلاقة بين المؤلف والبطل من جهة والأب الحقيقي لكل منهما من جهة أخرى وعلاقة كل منهما بامرأة فإننا نرى جوليان سوريل وكما هو ستندال يميل إلى اختراق الطبقة الأرستقراطية لتحقيق ذاته. كما تلعب الجدران في الرواية دورا كبيرا فهي رمز الفصل بين الطبقات، فالطبقة الأرستقراطية والبرجوازية تحيط نفسها بالجدران وبالأسوار العالية مخافة اجتياحات العمال والفلاحين، وحدائق السيد رينال مثل كورة النحل لكثرة الجدران فيها، والحرب الطبقية تتصل اتصالا مباشرا بالجدران، ومفهوم ستندال بشأن هذه الحرب الطبقية أوسع بكثير من مفهوم المنظرين السياسيين المحدثين. ولعل أول اختراق للطبقة الأرستقراطية كان دعوة جان سوريل البروليتاري ابن صاحب المنشرة لتعليم أولاد السيد رينال، ثم ليقع جان سوريل في حب السيدة رينال. لكن الطبقة الأرستقراطية لم تترك هذا الأمر يمر دون عقاب، فقد حكمت على جان سوريل بالإعدام بعد أن حاول اغتيال السيدة رينال وهي واحدة من أعضاء تلك الطبقة، بل لأنه جاء ليغتصب امتيازات ذلك المجتمع.
من هنا نتبين أن ستندال كان نموذجا لعدم الانتماء لأي شيء، لكنه كان مخلصا لهاجسه الإبداعي الذي فضله على كل شيء، ومع أنه لم يتلق التقدير اللازم في أثناء حياته،إلا أنه حظي بكل التقدير بعد وفاته ولا تزال آثاره لا سيما (الأحمر والأسود) تخضع للدراسة والبحث وتقدم بشأنها الدراسات المختلفة في كل أرجاء العالم.
كان ستندال تجريبيا وحسيا وعقلانيا وكان يؤمن بأن الحواس هي أساس المعرفة ومع أنه كتب كثيرا عن المرأة، إلا أنه كان عفيفا غير مبتذل في أسلوبه، وكان يحترم المرأة ويقدر مشاعرها وقد دافع عنها كثيرا وكان يكره الأدب المكشوف والعنف وكان شخصية غريبة ولكنه كان أديبا كبير الموهبة.
*عن صحيفة المدى

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.