“إبراهيم عمر صعابي” يرحل في “أخاديد السراب”
قراءة: حسين سرمك حسن

(قلت: قد غادرنا القوم حفاة
قال: مرّوا
طرفهم يرتد في (أرض خراب)
وتسليت بماض
يغمر الشرفة فيه
ضوء فانوس قديم
كان جدي يغسل الجرح عليه
يقرا الوِرد عليه
فتضىء الأرض زهوا بالإياب ..)
(أخاديد السراب) هو المنجز الإبداعي الشعري الثامن للشاعر (إبراهيم عمر صعابي)، صدر مؤخرا عن النادي الأدبي في جازان. ضمت المجموعة أربعة وعشرين نصا منها: إليك يا وطني، هي والبحر، وحيدا يبصر الأشياء، اخاديد السرابن خرير الصابرين، عشر ومضات، تناقضات امرأة ثلجية.. وغيرها.
جاءت القصائد- من الناحية الموسيقية(العروضية) بين قصيدة عمود وقصيدة تفعيلة، وقد حكم الموقف النفسي أغلب هذه التمظهرات الإيقاعية التعبيرية. أما من الناحية المضمونية فقد تعددت الثيمات التي عالجها الشاعر.. وكلها عالجها ببراعة كاي شاعر مجيد.. من الهم الوطني (قصائد: إليك يا وطني، إنكسار على بوابة الجرح، حالة غياب وغيرها.. في قصيدة (إنكسار على بوابة الجرح) يجيء الإهداء معبرا عن عمق التحام الشاعر بهموم أمته: إلى ولدي الحبيب “محمد الدرة” وكل الأطفال الكبار:
من أي أبواب الهزائم ندخلُ
وبأي أروقة السلالم نؤمل؟
لم يفسد الماء الطهور حماقة
في الأرض إلا شاجب متسوّل
يهدي جهارا للعدو سلاحه
والمسلمون –من التسلح – عزّلُ
ثم الهم العاطفي الذي تناوله في قصائد: هي والبحر، فنجان قهوة وغيرها ..جاء هذا الإنشغال المؤرق المحبب والساخن من أرض القداسة هادرا بلا اعتبارات كنا نعتقد أنها تلجم الحفزة العاطفية- وخصوصا الحسّية- وعلينا كنقاد وباحثين مراقبين وللأسف مسترخين وخاضعين لوجهات نظر نمطية-stereotypyعن هذه البلاد أن نعيد حساباتنا البليدة.. فهذه الأرض تعيش ثورة إبداعية حقيقية.. ولا أضع مفردة”ثورة” بين مقوسين أبدا.. فقد لمست إرهاصاتها الإبداعية الخلاقة عبر معايشة حقيقية رغم قصر مدة هذه المعايشة:
أنت والبحر تسكنان بقلب
شاعريّ مضمخ بالشجون
يفرح الشط إن وطئت ثراه
ويغني بلهفة المفتون
زرقة البحر تحتويك ولكن
ملْ عينيك زرقة تحتويني
وكانت هناك مساحة للفن الشعري الأول : الرثاء، رثاء الآخر الذي –في الواقع- هو رثاء للذات.. رثاء شيرين شحاته.. رثاء الصديق محمد قبع بحيص، والأديب عبد الله الجفري.. لكن في المقدمة رثاء الأب، وهذا ضمن الحفزات الأوديبية المناقضة، يفرط فيصل حدود الأسطرة:
أقول: أبي شامخ كالجبال
له جسد في الرمال
وروح تحلق عبر الظلال
أبي
ما حنا الرأس إلا لربّ العباد ..)
لكن لا يتألق وجه الشعر إلا حين يحضر الحي الذي لا يموت: الموت.. في هذا الموقف يمتزج ما هو شخصي بما هو جمعي، ما هو شأن انفعالي فردي بما هو معضل جمعي وعام.. لا فضل للحياة على الأدب .. الفضل للموت المثكل كما يصفه جدنا جلجامش بدقة.. يصدأ وجه الحياة بفعل التعود والرتابة وشعور اللاشعور بأنه عصي على الفناء حسب قانون “تناقضه الأولي-primary paradox” الذي أكتشفه معلم فيينا، وكما هو متوقع من شاعر يبدع على أرض الله فالمسحة الصوفية وإن تكن شفيفة قائمة:
كل حي نبض ماء
كل ماء نبض حي
كل شىء في ثنايا الصحو ماء
أو:
يرى ما لا نرى
هو قارىء للغيم
يدلي بالحقيقة
قبل أن يغتال عفتها
شهود مبصرون ..)
لكن المزاوجة الخلاقة بين كل الإنهمامات الموجعة السابقة تتشكل حين نغوص وعميقا في مصيرنا الفردي الذي هو أساس المصير البشري العام.. و لا أعرف كيف يمكن لاي تحليل جمالي وحتى تاريخي أن يقفز من التاريخ الشخصي غلى التاريخ الجمعي، فالموضوعية تتشيّأ وتتخلق في أحشاء الذاتية رغم كل الافعال الإنبهارية العصابية للفلسفة التي يتكفل الشعر بإعادتها إلى أصلها.. إلى أخاديد السراب في جروح الروح القابلة للإنجراح:
(مدّت مدينته الجريحة جيدها
فتناثرت في كفه أحلامها
وتباسقت في صوته آلامها
دلت يدا نحو الغريق
وسافرت
قالوا لها:
صبي له الآجال في كأس المنى
مدّي له جسرا:
– لأودية التمزّق- كي يبيت على الطوى
واستلهمي- من جرحه- بوح النوى ..) ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حاتم جعفر : بَعيداً عن الهَمْس (وقفة مع كتاب).

صراع العقل، بهذا العنوان لكتابه يكون جميل اﻷنصاري قد لفت إنتباه القارئ ومن أول وهلة، …

| د. صالح الرزوق : الرواية العربية من النشأة إلى التجريب : قراءة في كتاب للدكتور يوسف نوفل.

    يتابع الدكتور يوسف نوفل في كتابه “من نافذة السرد”* بدايات الرواية العربية، و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.