محفوظ داود سلمان: الشاعر طفل يحلم بيوتوبيا لا وجود لها
قحطان جاسم جواد (ملف/5)

الشاعر الراحل محفوظ داود سلمان والصحفي الاستاذ قحطان جاسم جواد
الشاعر الراحل محفوظ داود سلمان والصحفي الاستاذ قحطان جاسم جواد

قليل من الضوء يكفي
لا بصر عينيك، افتضن ليل
الجدائل
اغرق في اللون، ارسم شكل
المساء
بهذه الأبيات بدأ الشاعر محفوظ داود سلمان الاصبوحة الثقافية التي أقيمت له لمناسبة صدور ديوانه (اللوحة بأكملها). قدم له الناقد بشير حاجم فقال:ـ
انه شاعر ميساني من مواليد 1941 اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة البصرة. يحمل بكلوريوس اجتماع من كلية الآداب في بغداد عام 1963، عمل في وكالة الأنباء العراقية، كما درس في التعليم الثانوي، وعمل في وزارة الثقافة والإعلام. واصدر أكثر من عشرة دواوين شعرية. ديوانه الأخير(اللوحة بأكملها) تضمن أكثر من 35 قصيدة مختلفة.
اما الشاعر المحتفى به محفوظ داود سلمان فقال:ـ
يقول بعضهم في البدء كان الشعر، وان الشاعر طفل حالم يبحث عن يوتوبيا لا وجود لها، ويريد ان يعيد بناء العالم وتركيب الكون وفق انساق في مخيلته، وعندما يبدأ مشروعه فهو يشتغل على الكلمات او على اللغة مثلما يلعب بالخرز الملون او بالأصداف. إذا كان مثلي قد ولد على ضفاف نهر دجلة في لواء العمارة عام 1941 وتحت دوي مدافع الحرب العالمية الثانية. ولواء العمارة ترك في نفسي نقوشا محفورة على حجر منها شخص اسمه إبراهيم حميد مكي كان يساريا في الأربعينيات وكان يردد :ـ
يا ظلام السجن خيم
إننا نهوى الظلاما
ما ظلام السجن إلا
فجر يوم يتسامى
فسقطت في الغواية وأصبح مثالي الذي ابحث عنه. وفي العمارة دخلت مدرسة فيصل الثاني تقع في سوقها الكبير واذكر جدرانها التي ينمو الملح فيها وجرسها الحديد على شكل حدوة حصان. وفي العمارة ركبت لأول مرة باخرة بريطانية تسمى دامراه في نهر دجلة وكنت اعتقد أني في البحر ارتاد فضاءات جديدة, وهذا ما جعلني وأنا أعود إلى البصرة التي انتمي إليها حيث النهر والشراع والنخيل أتوحد مع أنهارها وبحرها.
عند ما بدأت اشتغل على اللغة كان ذلك في متوسطة غازي للبنين, التي تقع على جسر الغربان, في نفس الوقت الذي كتب فيه سعدي يوسف قصيدة سالم المرزوق (الحاح) عام 1956 وبدأ دعوته لكتابة شعر بصري محلي، ولم استطع مقاومة هذه الدعوة, وأنا اعتقد ان البصرة هي غرناطة سعدي مثلما كان لوركا، له غرناطته. وداره على طريقي عندما اذهب الى السوق القديم في البصرة واردد دائما امام بابه تلك العصافير. وكان في ذهني ان الشاعر لا يمكن ان يكون شاعرا إلا إذا دخل السجن, وأنا أخطو خطوات الجواهري في تنويمة الجياع والسياب في فجر السلام وكاظم السماوي التي كنا نتداول قصيدته الحرب والسلام حاملا خطابا شعريا وميولا استعراضية في داخلي.kh mahfodh dawod
واضاف:- في المرحلة الإعدادية كان الشاعر زكي الحابر والقاص محمود عبد الوهاب ومتعب مناف السامرائي هم جيل المدرسين الذين رافقناهم، وكان ابرز رفاق المدرسة شعريا د. خالد علي مصطفى ورفيق راحل هو فريد الظاهر كتب قصيدة يتعلم فيها الشعر يقول وهو يقصد هجائي:
يا كافرا يا مؤمنا بكارل…
ضد النبي المصطفى المناضل
فزرع في نفسي الخوف وكنا على مشارف ثورة تموز ولما تقم بعد. ومن الشعراء كان حنظل الشيخ حسين الذي وعد بالكثير واختفى شعريا من المشهد..
وقال الناقد فاضل ثامر :ـ
الشاعر محفوظ صياد جوائز.. وفاز بكثير منها.. يكتب ملحمة شعرية في أي موضوع يتناوله. تحول من الإنتاج السريع والعاجل إلى الإنتاج النوعي الجيد. تجربته هل نصفها بشاعر ستيني؟ لأنه حاكى خالد علي مصطفى، او سبعيني لأنه اصدر أول قصائده في عام 1976
وأضاف:ـ محفوظ تربى على القصيدة السيابية الخمسينية. وقد وجدت له مجموعة المقبرة في الخمسينات… مجموعة مراثي. حتى أسلوبه سيابي كذلك طريقته بالتكوين والغنائية. هو حالة مستعصية، أي لم يحسب على جيل ما، وهي تجربة بحاجة الى بحث اكبر وأعمق لتحديده.
في حين أكد الناقد بشير حاجم:ـ
ان الشاعر محفوظ جدد في بناء القصيدة، لكنه أحيانا لا يهتم لعناوين القصائد لأنها تنفع للتفعيلة وليس قصائد النثر.
وقال الناقد مؤيد البصام:ـ
الشاعر محفوظ داود لم يأخذ دوره ومكانته في المشهد الشعري العراقي، بالرغم من انه شاعر متجدد وله موقعه من خلال هذا التجديد. وهي سمة جيدة ان يواكب شاعرا لعدة اجيال ولا يحسب على إحداها بسبب تجدده. واعتقد ان ما قدمه في قصيدة مكابدات القادم من سومر يعد مختلفا جدا عن كل ما كتبه سابقا.
وأكد الناقد علي الفواز :ـ
ان التجديد الذي قدمه محفوظ ليس بالمستوى والبناء حسب بل حتى في داخل القصيدة نفسها. كما أجده انه انحاز الى قصيدة اللذة والمتعة وهي التي جعلته محافظا، ولا يطمئن للقصيدة التي تتمرد على مزاجه. ويعمل على جماليات القصيدة ويرتقي بها نحو الأعلى.
فرد الشاعر محفوظ بقوله :ـ
اشكر صديقي الأستاذ الفواز على وصفه قصيدة اللذة وهو وصف جميل لم يخطر ببالي وانا سعيد لذلك. اما قضية العناوين التي اثارها صديقي الاستاذ بشير اقول انها مكتوبة في اعوام التسعينات وليس اليوم لذلك ظلت العناوين تحاكي تلك الفترة.
أخيرا قال محفوظ:ـ
اعترف اني متأثر جدا بشعر السياب، وجربت الكثير من أساليبه في كتابة القصيدة، لآني اشعر اني خرجت من عباءة السياب ولا استطيع الخروج منها!
________________________________________

*عن صحيفة صوت الآخر

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.