أ. د.نادية هناوي سعدون* : بين تنظيم العمل النقدي وتأطير وظيفة الناقد

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية عراقية

ان فعل النقد يفرض على ممارسه شروطا إضافية من التواصل المعرفي والملاحقة المثقفة التي لا بد الناقد أن يعايشها بحثا عما يعمق قراءته ويؤكد سمات شخصيته النقدية .
ولا يمكن أن يستغني القارئ مهما كان جيدا ودقيقا ومنتظما ، عن الناقد ذي المنهجية النقدية الذي ينبغي أن تكون وظيفته قائمة على تحديد مسار القراءة ، كأن يبدأ النقد من داخل النص قبل كل شيء ، أو يبدأ النقد الأدبي من الخارج بمعنى أن يربط النص بحياة المؤلف أو بالظروف التاريخية أو الاجتماعية أو الاقتصادية .
ولهذا فقد شغل الناقد مركز الوسط في الفعالية النقدية فهو العماد الذي تقوم عليه سائر اطراف النقد الأخرى والذي من دونه لن يتحقق التأصيل النظري والتفعيل الاجرائي .
فما الصورة المقترحة لهيأة ناقد اليوم او ما الصورة المستقبلية له ؟ وما كينونته؟ وما طبيعة عمله؟ وبمَ يضارع القراء الآخرين؟
لعل من أهم اشتراطات الصورة الانموذجية لوظيفة الناقد القدرة ” على قراءة التراث بطريقة جديدة من شأنها أن تؤدي إلى.. تأصيل مجموعة من التقاليد الموضوعية الجديدة لهذا التراث ..وفهم الحاضر الأدبي على المستوى نفسه وربطه بالماضي بحيث يكون استمرارا له يستمد منه ويضيف إليه ” .
وأن يعي كيف ينتقي المصطلحات التي يستعملها والمفاهيم المعرفية التي يعول عليها في عمله وبما يلائم الموضوع المقروء من خلال توافر الببلوغرافات والمعاجم وغيرها.. ف” الثقافة العميقة لابد منها وليس بالمقصود بالثقافة الأدبية وحدها بل الثقافة الفلسفية أيضا خاصة في عصرنا هذا الذي تتقارب فيه العلوم..”
ولا يجوز أن تتخلف عنده المستندات المعرفية من خلال حرصه على التبصر الذهني في قراءة النص وإعادة قراءته مستفيدا من وسائل الاتصال الحديثة والثورة الرقمية في مجال الانفوميديا وتقنيات الاشتغال التفاعلي المتطورة للنص الادبي ..
ليعضد بها عمله وليرصن وعيه وليدعم نظريته حول العلاقات التركيبية والاستبدالية في صياغة النص راجعا إلى طروحات اللسانية ببعديها التواصلي النفعي والتداولي .
ولا ننسى أهمية القراءة الشاملة مع الاستعانة بأدوات منهجية أخرى يستطيع الناقد من خلالها أداء وظيفته ..
ولا ينبغي ان يغيب عن باله ايضا أنه طرف مهم في الاستقراء والاستنتاج ولا معنى للنص بدونه .
ولما كان الادب لا يصنع بل يولد مع الذات وهو علامة الانتماء الى فئة المثقفين ” ، فقد صار من الضروري أن يسعى الناقد –دائماً- لإعادة النظر في تشكيل رؤاه النقدية في ضوء كشوفات العصر الحديث ليكتشف تجربته الخاصة وطريقه النقدي الخاص وصولا إلى التفرد والثبات ؛ بما يمنحه الثقة بمنجزه النقدي ليواصل الدرب وليخرج من الأزمة وليحل الإشكالية.
ولا ننسى اهمية التحديد لمدارج التناول القرائي بحيث ينطلق من البسيط إلى المركب ومن الاستقراء إلى التأليف ومن التذوق إلى الاستنطاق ، فلا يترك مجالا للتقوقع على مستوى قرائي واحد ولا يكون أسيرا لقراءة بعينها .
ولا ينبغي أن يتخلف النقد لدينا عن الركب الإنساني الحضاري من خلال حرص الناقد على بلوغ المستوى الثقافي الانفتاحي التعددي لتتحقق التفاعلية مع المتلقي القارئ من جهة والنص المقروء من جهة أخرى.
ولو بحثنا في الاعمدة الثقافية لمشهدنا الثقافي الراهن ، فاننا سنجد نقادا لهم مذهبهم الادبي وتيارهم المنهجي في القراءة والتحليل ، وهم يحاولون التغيير او التجديد في الحركة الادبية ومنهم من ينزع نزعة تحديثية بما يفتح القرائح نحو القراءة والنقد .
وعلى الرغم من ذلك كله ما زال المشهد النقدي العراقي بحاجة الى المزيد من التحولات تستدعي الدعم.. وتتبنى الغايات… وتضع السياقات.. لتنظم فعل النقد والقراءة وتؤطر وظيفة الناقد بتحديدات واضحة ومنطلقات مناسبة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *