ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (26)
أدباء وفنانون وحرائق.. في كتاب التميمي! (2/2)

nadhum 7إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
شغلني سؤال هام عن هذه السيرة – بعد ان مهدت لها في الأسبوع الماضي – ومؤداه : ما الذي دعا الزميل توفيق التميمي الى ان يدفعنا الى متابعة كتاب كامل حول مأساة شارع المتنبي خصوصا وان المآسي قد تراكمت حولنا ولم تجد من يبحث فيها او يعلن عن توصله الى جذورها البعيدة ؟! وقد وجدت الجواب الشافي في المقدمة التي جذر فيها الدكتور سلمان عبد الواحد كيوش للكتاب حيث أفصح عن السبب” نهرعُ إليه لأن فيه ملاذاتنا المختارة الآمنة، وفيه ذكرياتٌ تبرقُ في مخيّلتنا” ويعني ذلك انه يجد في الشارع ملاذا وذكريات ولهذا حفر التميمي له سيرة ليبقي التفاصيل كاملة وموثقة وبعيدة عن القضم والاندثار الزمنيين ولتصبح ساخنة كالملاذ في الروح والمخيلة .
ولأجل هذا الهدف المزدوج ( الملاذ / الذاكرة ) يستنهض الكاتب إمكاناته ويضع بصره وبصيرته في تبيان ما يرومه : ان يكتب سيرة صادقة وتتسم بالشمول والتعالي عن الصغائر ويجدد ذلك الشارع القتيل في ضمائرنا وذكرياتنا كلما تذكرناه او جررنا الى أيامنا معه ، وهو لأجل هذا الهدف الكبير يبحث في وقائع ملتبسة قيلت ونشرت سابقا ويستخرج الحقيقة منها بعد يخضها ثم نراه يلتقي الأبطال الحقيقيين والذين عايشوا المأساة منذ بدئها ، وينشغل بسيرة أصحاب المكتبات ويوثق مآثرهم ويرسم صورا أخاذة للشخوص والمتبضعين من غير أن ينسى أولئك الذين تكفلوا بنقل التقارير او الحرائق التي خلفوها ولا ينسى ” مجانين المتنبي ” !، ولا مندوحة للكاتب ان يفّرع اهتماماته إلى مراصد شتى : فهو يقوم بدوره ككاتب صحفي يبحث عن الحقيقة أينما كانت ولا سيما الملطخة بالدم والماثلة بصريا، ثم هو بتمنطق بعدة الباحث التاريخي لاستخلاص مجموعة حقائق تخفيها عدة ركامات ،وسرعان ما نجده وقد ارتدى لبوس الحفار المعرفي لالتقاط ما غيبه الواقع اليومي بفعل التراتب والإهمال او الاثنين معا ، ولا بأس لو رأينا التميمي وقد شمر عن ساعديه ليكون مصحفا او أديبا مقارنا ليشحن سيرته بشرايين جديدة وليخرج شارعه بأجل صورة حتى لمن أثخنته ضحاياه !.
وبعد ان يسترجع لنا ” أواليات ” شارع المتنبي في التاريخ المحسوس او في الواقع المنظور وكيف انه أصبح المكان الأبرز والأكثر توهجا في ذاكرة الثقافة العراقية يفطن الكاتب الى انه ليس مؤرشفا ( ولا مذكر بخسارات) فحسب ولهذا نجده يرسخ هذه الصورة المكلومة بعدد من الأمثلة لينميها قي الوعي الجمعي المشترك : انه يكشف مرحلة غائرة في التاريخ كبداية أولى للشارع ولكنه يسندها ببداية ثانية قد تكون أكثر قربا ومعيشة من الأولى ( التأسيسية) ويراها لن تبتعد زمنيا عن عقد التسعينات من القرن الماضي وقد لمس فيها المثقف العراقي عيانا كيف ان هذا الشارع أصبح منتجا ومسوقا وعارضا لأهم علامات الثقافة المحلية والأجنبية التي تتصل بالبدايات او التي ساقتها الشهرة وجذبها الحصار الاقتصادي !.tawfek altememi 2
على أن مزية الزميل توفيق التميمي التي يجدر بنا الإشارة إليها تكمن في استدعائه للذهن بعضا من الشخصيات اللواتي لن تنسى بسهولة سواء في التضحية او في التثقيف او طريقة عرضه للكتب أو الصراخ عليها ، هو يجتلب لبصائرنا صورة ( نعيم ألشطري ) وهو البائع الأشهر في الشارع وكيف انه تحول من ” بائع ” الى صاحب مزاد معروف ويملك طريقة خاصة في تسويق الكتاب وتقريبه حتى للعازفين عن الشراء (!) وقبل رحيله منذ سنوات قليلة كان ألشطري قد حقق شهرة فريدة داخل وخارج العراق مما دفع الكاتب الى محاورته واستنطاقه (( كنت احد رواد أشهر المزادات الكتبية بالنجف الأشرف في الستينيات من القرن السابق، فقد كنت أتردد على صاحب المزاد محمد كاظم ألكتبي الذي كان قائماً آنذاك في شارع الرسول قريباً من ضريح الإمام علي (ع)، فأحببت أن أقلده وراقت لي الفكرة. ومما أتذكره في ذاك المزاد من المفارقات، أن الكتاب الرديء يباع بأغلى الأسعار، والكتاب النفيس يباع بأبخس الأسعار، ومعنى ذلك أن هناك قراء أذكياء، وآخرين أغبياء من رواد المزاد وعند عودتي إلى بغداد كنت عازماً على تنفيذ الفكرة )) وفي نهاية تلك المحاورة أعلن ألشطري عن خلاصة صادمة لما عاشه وشعر به لعدة عقود وكأنه كان يهجس بان نهايته باتت قريبة ( لقد أحال النظام السابق المؤسسة الثقافية إلى جهاز قمعي ..) !.kh tawfik altamimi 2
نريد ان نقول من كل هذا العرض لواحد من أثمن الكتب التي أصدرتها المكتبات الثقافية أنني – بعد حلقتين متعاقبتين – يمكن ان أتلمس مشروعا ثقافيا في محاورات وكتب الزميل توفيق التميمي ولا سيما بعد ان أضاف الى هذه الزمالة عدة الباحث التاريخي والمنقب الاجتماعي ليكون في النهاية مقتدرا ومتوازنا على إخراج ” مشروعه الثقافي ” من المآزق والذنوب التي ارتكبها بعض الهواة والمغامرين ممن رهنوا مشاريعهم بيد المزاج والرغبة في إلحاق أسمائهم الخاوية بأي تجربة كانت ، ان الثقافة العراقية ، بحكم النشأة والمجريات والمغامرات ، لهي بحاجة ماسة الى إعادة بحث والتقاط للغاطس او المشاع والمزور منها والفرز الصادق من بينها للوقوف على الجانب الحقيقي منها .. وذلك ما سعى إليه هذا الكتاب فحاولنا إسقاط بعض الأضواء عليه!.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.