ذكريات عن المربيين عبود زلزلة وإحسان يوسف
مهدي شاكر العبيدي-دمشق

كنتُ في سنة 1946م ، طالبا ً في متوسطة الهندية ، وفي بداية تأسيسها فوق سطح أحد خانات التمور قبل أنْ يُشادَ المبنى الحالي على أرض سبخةٍ بمبالغ تجمَّعتْ من تبرُّعات الأهالي كما قيل ، والتي امتدَّ إليها النهب والاختلاس من لدن بعض الإداريينَ , وجرَّ ذلك إلى الشكوى في المحاكم من قبل بعض الوعاة والمتحسسينَ بتردِّي الأوضاع العامة في البلد وجلهم من المنتمين للحزب الوطني        الديمقراطي , فمنوا بالكنود والنكاية من حيث أنـَّهم ابتغوا العدل والاستقامة وتوخوا النزاهة و رعي الذمم في مثل هذه الأمور .

ودخلَ الصَّف ذاتَ يوم رجل بدين ربْعَة , بينما كانَ المدرس واسمه إحسان يوسف وهو من أبناء الموصل المسيحيينَ , منشغلا ً بشرح المادة الإحيائية  وتبسيطها , لمْ يقلْ الرَّجل شيئا ً سوى أنـَّه طلبَ إلى مجموعة من الطلاب أنْ يروه كتبهم ودفاترهم ليتأكد من نظافتها وخلوِّ صحائفها من الكتابات ذات العبارات الشائنة والبذيئة وما يقفوها عادة من الرُّسوم وصور الإغراء والفحش , وبهذه الوسيلة وحدها يتسنى له تقويم المدرِّس وتكوين رأي عن مدى حرصه ونقائه ونظافة نفسه قبلَ كلِّ شيءٍ , إنـَّه مدير معارف الحلة وقتذاك المربِّي الأستاذ عبود زلزلة , وقد شغل بعد هذا التاريخ منصب المفتش العام في ديوان وزارة المعارف , وظلَّ في مكانه أبدا ً لغاية قيام ثورة 14تموز وبعدها ، ولك أنْ تكتنه ما حُبـِيَ به من قوَّة الشَّخصية وما جُبـِلَ عليه من الإخلاص والتجرُّد والحزم والدِّراية بحيث عايش وزراء كثيرين على توالي السِّنين ومن شتى الفئات والتجمعات والأحزاب   والمذاهب ! والأهواء والأمزجة , دونَ أنْ يجرؤ أيُّ منهم على إقصائه والاستغناء عنه تشيعا ً لنحلته وانحيازا ً للونه الفئوي , وذلك لا يعني بحال أنـَّه أحسنَ مماشاتهم ومداراة نزواتهم ورغابهم , لاسِيَّما أنـَّه برز في أعقاب ثورة تموز وإعلان الجمهورية كاتبا ً سياسيا ً واجتماعـيا ً استرعى الأنظار بفصاحته ورشاقة بيانه وانطلاقه في كتاباته عن مَنزع تقدمي ونظرة متفائلة بالحياة والإنسان , واستلفتَ ذلك نظر الرَّاحل حسين مروة فكتب عنه في صحيفة ( النداء ) البيروتيَّة وسجَّلَ أنـَّه يُخيَّلُ للقارئ كأنـَّه مارس الكتابة منذ زمن طويل , وأنَّ في مطاوي صاحب هذه الموهبة المبدعة ضميرا ً يتململ أيَّام عشرته لرؤسائه المتصدرينَ ، وشهد بذلك غير واحدٍ ومنهم أحد مدرِّسي التربية الأساسية والذي جاءَنا إبَّان منتصف السِّتينيات من القرن الماضي , متفقدا ً أحوال طلابه المطبقينَ في مدرسة كنتُ أعمل فيها في الحلة يومها قائلا ً إنَّ حرفة التعليم لمْ يرعها بتفان سوى اثنين من المسؤولينَ وهما خليل         كنة ، وعبود زلزلة , واستطرد أنَّ الله رحيم بعبده وبرٌ بهِ , فقد عجَّلَ بنقله إلى جواره قبل أنْ تسوء أحوال البلد ويرقى إلى المسؤوليات أناس عديمو المواهب بفضل انقلابات العسكر من آن ٍ لآن ٍ ممَّنْ لا يعملون ويسوؤهم أنْ يعملَ الناس وديدنهم تعجيز كلَّ مسعىً إلى الخير .
فأمَّا الأستاذ إحسان يوسف فقد فـُصِلَ من الوظيفة مطلع السَّنة الدِّراسية التالية لمخالطته صيَّادي السَّمك وباعة الدُّخان ! , وسائر الناس من مختلف المهن , فقرَّ في أخلاد المسؤولينَ أنـَّه من ذوي الميول المتطرِّفة والمبادئ الهدَّامة , وبرح القصبة إلى حيث لا نعلم , إلى أنْ سمعْتُ بمثوله أمام القضاء في بغداد وأنـَّه من جماعة داود الصائغ وشيعته ممَّنْ أتخِذتْ بحقهم إجراءات وأحكام مخففة بعضَ الشَّيء بعكس التدابير الصَّارمة والعقوبات القاسية حيال المعسكر الأخر المُضادِدِ لهم من اليساريينَ والتقدميينَ وكلاهما يرمي صنوه بالانشقاقية والتحريفية والخروج عن الخط ! .

وفي غضون سنة 1951م ، حينما قصدْتُ بغداد بغية الدِّراسة أبصرْتُ أستاذي إحسان يوسف يعمل بإدارة احد مرافق شركة حَسُّو إخوان المطلة على ساحةٍ تحمل اسم الملك فيصل الثاني فعرفني جيدا ً وسلمتُ عليه ، ومن ثمَّ قرب كشكٍ لبيع الجرائد والمطبوعات في شارع الرَّشيد وقرب مدخل سوق الصَّفافير ولمحني أتصفحُ كتابا ً لسلامة موسى فنهانيَ عنه وزهَّدنِي فيه مُدَّعِيا أنـَّه تخلى عن أفكاره الثورية وجنح للمسالمة واتقاء الشَّر بأيِّ سبيل ومضيفا ً أنـَّه يعتبُ على طه حسين فقد كان المعوَّل عليه في مقارعة حكام بلده وتسفيه الأوهام المسيطرة على وجدان الناس , لولا أنـَّه آثرَ الانزواء والسُّكوت وهجعَ على بساطِ السُّكون , فعجبْتُ من انفتاحه ورحابة فكره وإلمامه بشؤون الثقافة واتصاله بالحياة الأدبية وتتبُّعِه أخبار الأدباء هو الذي استوفى نبوغه وشأوه في الرِّياضيات والطبيعيات واللغة الإنكليزية أيضا ً .

وبعد ثورة 14 / تموز / 1958م ، أعِيْدَ المفصولون السِّياسيون إلى أمكنتهم التي حلـِّئوا منها ردحا ً من الزَّمن بحسب نزوات المهيمنينَ السَّابقينَ , ومنهم إحسان يوسف الذي بتعِلةٍ ما آثر عدم الالتحاق بمتوسطة الهندية بعد مفارقتها ثلاثة عشر عاما ً , لحين قرأتُ في الصُّحف عن توقيعه برفقة داود الصَّائغ على طلبٍ قـُدِّمَ إلى وزارة الدَّاخلية لإجازة الحزب الشيوعي , وما هي إلا أيَّام توالتْ فيها المطاعن بشأن مشروعية الطلب من لدن الهيئات والأوساط المهتمة بالشَّأن العام والمحيطة بالتسلسل التاريخي لنشوء الأحزاب في العراق , حتى انبرى إحسان يوسف لإعلان ندامته على تعرُّفه بداود الصَّائغ وارتباطه بشلته طوال سنين من عمره الذي ضيَّعَه في التعليم الخاطئ والقدوة غير المنجحة ، كما أتذكره من تعابيره لحدِّ الآن , وحذا حذوه يوسف الصَّائغ علما ً أنـَّه قريبٌ لداود ، وتورَّط بعد وقتٍ قصير أو طويل بشيءٍ من هذا القول كأنْ امَّنَ على تقريظ محرر مجلة ( الثقافة الجديدة ) في أحدِ أعدادها لعام 1954م ، لكتاب ( ضد دوهرنج ) الذي ترجمه داود الصَّائغ إلى العربية عن إنجلز واتهمه بمسخه أو عدم دقته وإحكام المصطلح فيه ! ، وأخر عهدي بهذا الرَّجل المكافح الذي هُدِرَتْ سنوات عمره بين التشريد والضَّياع كان في متوسطة ببغداد كائنة في أحدِ الأفرع المؤدية من شارع أبي نواس إلى السَّعدون والتي لا اهتدي إليها اليوم بعدَ مضي سنين طويلةٍ منذ قصدتها ضحى يوم من عام 1969م ، مترجيا ً لقاء صديق لي من مدرِّسيها , فوجدْتُ أستاذي القديم إحسان يوسف ضمن ملاكها , وهو يتذكرنِي أيضا ً ولا يتذكر زميله في التدريس والذي هو كذلك من طلابه        القدامى ، وتفرَّسْتُ في ملامحه هذه المرَّة لأستجلي شعوره واغتباطه بثمرة كفاحه أو إحساسه بالندم والنكوص جرَّاء انكساره وإيَّابه باليأس دون بلوغ المدى ومشارفته بعد هذا المشوار الطويل , كما جاء بلسان الفنان الشَّاعر محمد سعيد الصَّگار :-

والمَدَى أينَ المَدَى ؟ تـَعِبَتْ        مِــــنـْهُ أيَّامِي ولا خـَبَـر

********

وقد بانتْ الشَّيخوخة على تقاطيعه وأمارات وجهه فضلا ً عن إحساس الموت وتيقن بدنو الأجل وقرب النهاية لدرجة عدم اكتراثه بالرَّد ودفع ما ينافي سريرته ويجافي نزوعه وهواه , ومن ذلك اندفاع أحدِ الجلاس في الحديث عن عمالة عبد الكريم قاسم المزعومة كذبا ً ونفاقا ً ومداراة ( لخبزته ) بتعبير المغترب العراقي خالد القشطينِي , وقد خبرْتُ هذا التصرُّف الفج لدى كثيرين من مربِّي أجيالنا مع الأسف الشَّديد .

ورحم الله المخلصين النزهاء من رجالنا والذين ذوبوا نفوسهم دون مصلحتنا في الوفاق والتضامن والرُّقي والسَّعادة مهما كانتْ وسائلهم المعتمدة والآيلة لمقصدهم ونصيبها من الخطل والصَّواب .

 

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *