عبد الخالق كيطان : عيسى حسن الياسري ..شاعر المراعي الذي خضبه الألم (ملف/42)

abdulkhalek ketanإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها شاعر بقامة العراق ” عيسى حسن الياسري ” على أخبار سارة , هو الذي كتب ذات يوم ” لا أخبار سارة ” :
” أخباري اللا سارة تجعلني أبكي ..فتتوجع لي ” دجلة ” ..تضع على شاطئها رأسي.. تعدني بقدح ماء ٍصافٍ ..وبأخبار طيبة من الأهل … ” .
ولكن المفجع في الأمر حقا ًأن الأخبار السارة التي حصل عليها ” الياسري ” في 25-5-2002 كانت قادمة من هولندا تحديداً حيث حصل على ” جائزة الكلمة الحرة العالمية ” والتي منحها له مهرجان الشعر العالمي في ” روتردام ” بدورته الخامسة والعشرين , فيما عاش حياته داخل وطنه ممنوعا ًمن القراءة في أشهر مهرجان للشعر في العراق هو ” مهرجان المربد ” هذا المهرجان الذي استضاف المئات من الشعراء أكثر من نصفهم لا يمتون للشعر بصلة .
والشاعر العراقي ” عيسى حسن الياسري ” معروف جدا ًفي المشهد الثقافي العراقي , حتى وإن تعرض للتعتيم , أو قرر شخصياً أن يعتكف في منزله , أو وراء منضدة عتيقة لتحرير العرائض في ” الاعظمية ” , ولكنه حتماً ليس معروفاً في المشهد الثقافي العربي لأسباب كثيرة جدا ً, ولا اعتقد أنها صعبة الإدراك .أنجز الياسري ست مجاميع شعرية كانت كافية لأن ينال أصحابها صوتا ًشديد الخصوصية في الشعر العربي بالرغم من عدم دخوله في مهاترات ومناوشات ومآدب دأب المشهد ذاته على العناية بها من أجل منح الشاعر جواز الخصوصية البعيد المنال … هكذا صار “الياسري ” رائداً للشعر الرعوي المعاصر , حتى ليخاله القارئ آخر الرعويين الكبار في مسيرة الشعر الطويلة ..ولكن .. لماذا كرس “عيسى حسن الياسري ” تجربته بأكملها للشعر الرعوي؟

الياسري في حفل تكريمه بهولندا
الياسري في حفل تكريمه بهولندا

سؤال جدير بالتوقف عنده كثيراً في ظل موجات عديدة من الكتابة الشعرية التي جالت في تخوم العالم المترامي ولم تنتبه قط , أو انتبهت في حدود يسيرة جداً للشعر الرعوي , في هذا الخصوص لابد لنا من استعارة ما يقوله الياسري في أحدى المقابلات الصحفية بالحرف الواحد :
” عشت في بيئة ريفية , في قرية بسيطة متكونة من مجموعة من أكواخ القصب , فلاحون يعيشون حياة رثة , لكنهم ممتلئون بكل فرح الحياة , أفراحهم تأتي من هطول الأمطار التي تمكنهم من حراثة الأرض , من فيضان النهر الذي يسقي الحقول ويملئوها بالخضرة , وأفراحهم تأتي وهم يرون زروعهم التي تشققت أيديهم بحراثتها , وتورمت أقدامهم وهم يخوضون بالمياه لسقيها في ليالي الصقيع الباردة , وأفراح الفلاحين تأتي وهم يعيشون أعياد الحصاد … كانوا , والحديث مازال للياسري.. لا يحصلون من الغلة إلا على القليل النادر , ولكنهم يخدمون هذه الأرض وهذه الحقول كما لو كانت ملكاً خاصاً لهم , وأن هذا المحصول سيدخل بيوتهم وليس إلى بيوت أولئك الذين يستغلونهم بطريقة قاسية , كنت أصغي إلى صوت الطيور الذي يبدأ مع انبلاج الفجر وحتى الغسق الأخير , إلى ثرثرة أمواج نهر ” أبو ابشوت ” , حفيف أشجار الصفصاف , أنطلق إلى المراعي الفسيحة التي تفتح فوقها السماء مظلاتها الزرق ويفرشها العشب الأخضر , أصغي إلى مزامير الرعاة المنطلقين بماشيتهم إلى المرعى , أعرف أنها كانت حياة صعبة , وطفولة قاسية , ولكنني كنت سعيداً بهذه الطفولة لأنني لا أشعر بالخوف أو القلق , عالم الطفولة هذا ظل قائما ًحتى هذه اللحظة حيث تخطيت الستين من العمر , في كثير من الأحايين أتمنى أن أعود وأعيش هذه الطفولة حتى ولو عن طريق استعادتها .” .
لقد ظلّ ” الياسري ” ماهراً في استعاداته تلك التي نتج عنها عدد من المجموعات الشعرية المنشورة وغير المنشورة , كما نتجت عنها رواية ” أيام قرية المحسنة ” ,بل ونلمس تلك الاستعادات حتى وهو يكتب مقالاته التي تلاحق الإصدارات الشعرية وغيرها وينشرها في هذه الصحيفة أو تلك , ويكفي المتابع أن يستذكر عناوين مجموعتين أو ثلاث من مجموعات من شعر ” عيسى حسن الياسري ” ليرى حجم حضور الاستعادة التي يتحدث عنها الشاعر ,خذ مثلاً “شتاء المراعي ” ,خذ أيضاً ” صمت الأكواخ ” , وتجد تلك الاستعادة واضحة جداً حتى في سلوك الشاعر الحياتي اليومي , فهو ” سيد ” كما يطلق العراقيون , وخاصة أهل الجنوب ,على من كان أصله يمتد لآل الرسول الأكرم ” ص ” . وما زال الناس من حوله ينادونه ” سيد ” حتى اليوم , وهو يسلك سلوك الفلاحين الفطري في كل علاقاته , حيث يقرر هجر الشعر لفترة تمتد لعشرة أعوام بسبب صدمة تعرض لها مع امرأة أحبها , وهو شاعر رعوي بامتياز ,غاص في وحل القرية ليستخرج دررها ,وتأمل طويلا ًفي جريان نهره الذي أحب , نهر ” أبو ابشوت ” حتى صار النهر صاحبه في علاقة روحية عرفانية تذكر بروحانيات كبار المتصوفة .. وتتجاوز لحظة العشق الصوفي هذه النهر َالصغير لتشمل القرية بتفاصيلها المختلفة وناسها الطيبين دائما ً :
” لا أخبار سارة َ..المرعى بلا راعية أو راع ٍ..التنانير تحن إلى الخبز
والمسنون بلا عكاز أو موقد نار ْ ”

الشاعر الهولندي رمكو كولبرت وهو يسلم جائزة الكلمة الحرة العالمية للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري
الشاعر الهولندي رمكو كولبرت وهو يسلم جائزة الكلمة الحرة العالمية للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري

غادر ” عيسى حسن الياسري ” وطنه أواخر التسعينات ليلتحق بركب من هاجر من مثقفي الوطن المغضوب عليه ليصل إلى “كندا ” .. وهناك في “كندا ” هذه تحديدا ً,لم يصب شاعرنا بأي ٍمن أمراض المنفى المعروفة , بل ظل وفياً لجهة ما أنتج من شعر وغيره , وهو يؤكد أنه أنجز في عام واحد مجموعة شعرية كاملة , كان المرعى هاجسها أيضا ًبالرغم من بعد المسافة عن المرعى الذي يقبع في رأس الشاعر , وهو مؤشر يحيلنا من جديد إلى خصوصية ” الياسري ” الذي لم ينسبه النقد إلى جيل بعينه ,كما لم ينصفه ذلك النقد وهو يتحدث عن شعراء صغار ميزتهم الحقيقية في تبوؤهم مناصب رسمية كبيرة داخل الوطن .
وإذ يحضر المرعى وتفريعاته بكثافة في شعر ” الياسري ” فثمة المرأة وحضورها الطاغي أيضاً , هو الذي كتب مجموعة شعرية بعنوان ” المرأة مملكتي ” ,يصبح اليوم شيخاً يتوكأ على عصاه ويفرد من شعره قصائد عديدة لها .. فالأم يقول الياسري ” تملأ مكحلتها بالدمع ” وإذا كان هذا حال الأم فما حال الأخت والحبيبة والزوجة ؟ أما القرية يضيف الشاعر ” ما عادت تذكر أيام العيد ..ودبكات المحتفلين على عشب المرعى ” .
وصورة القتامة التي يرسمها الشاعر هنا لمرعى كان ذات نهار محض خضرة مترامية نقرأ في عينها صورة الوطن وقد أنهكته الحروب العدمية , وأحاله الطغاة إلى ليل داكن لا تشم فيه غير روائح الجثث الآدمية المتروكة في العراء , ” فالمشاتي الدافئة ترتجف من البرد .. والمجنزرات تكمم أغنية …. ” هكذا صار الحال ..فهل ينتظر الشاعر إلا أخباراً لا سارة من جهة القلب … ؟
إن ّ” جائزة الكلمة الحرة العالمية ” وكان نالها ” رافاييل البرتي ” وغيره من شعراء العالم قبل الشاعر ” الياسري ” هي تكريم حقيقي يأتي من بلاد غريبة لشاعر عانى في بلاده كثيراً وركن كثيراً , وهو تكريم ليس لريادة الياسري في الشعر الرعوي حسب ,بل لصمته الذي يشبه ” صمت الأكواخ ” الطينية ,تلك التي تعرف كيف تأوي الفقراء وأحلامهم , ولكنها أبداً لم تكن في يوم ما مأوى للقتلة واللصوص .
…………………………….
” شاعر مقيم في أستراليا – ملف مجلة المسلة شتاء 2003 “

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.