مجدي ممدوح : «زائية الوجد».. صرخة فـي وجه الحرب (ملف/4)

magdi mamdooh 2«زائية الوجد» صرخة ادانة للحرب، صرخة ضد الاطراف المتحاربة، وصرخة احتجاج ضد فعل الحرب نفسه، صرخة صوت لم يقف مع طرف ضد طرف اخر، لم يقف مدافعاً عن احد، ولو فعل ذلك لاصبح طرفاً اخر في جرم الحرب لم يقف مدافعاً عن احد، ولو فعل ذلك لاصبح طرفاً مشاركاً في هذا الجرم بل دان الجميع ، كل المتحاربين، مشعلي الحرائق، ودان المتواطئين، دان تجارة الموت، دان تجارة الحرب وطقوس الحرب، وطقوس الموت. وهكذا تدخل زائية الوجد بجدارة في جنس الفن الروائي الاصيل، كون كاتبها وقف مشاهداً وناقداً ومتجرداً دون ان يقع في فخ الادلجة التي تخرج اي عمل من مسمى الفن.
يأتي فعل الحرب كإجراء قسري، والموت المرافق له هو موت قسري، ليس شيئاً يشبه القضاء والقدر الذي نسلم له مذعنين، بل هو انهاء مبكر للحياة ، انهاء مقصود متعمد ليس صحيحاً انه اذا صبر القاتل على المقتول فإنه يموت وحده، بل الصحيح انه لو صبر القاتل على المقتول لعاش ردحاً من الزمن، الحياة هذه الجوهرة الثمينة، كل ما نملك، هذا المعنى المطلق ، تنتهي في الحرب بشكل قسري دونما امهال ، كفعل البتر.
كم من شاعر لم يكمل مشروعه الشعري، وربما لم يكمل قصيدته الاخيرة، كم من روائي لم يكمل روايته كم من مفكر اجهض مشروعه الفكري حارماً البشرية من فرصة لكشف اسرار الوجود، كم من محب لم يحظ بحبيبته، كم من الامال والطموح قبرت قبل نضوجها وتحقيقها، هل من العقل ان تذهب كل هذه الاشياء الثمينة وتهوي الى فوهة العدم، هل هذا منطقي، هل من العدل ان يتم اغتيال كل هذه الاشياء الثمينة.
هذا ما تحاول «زائية الوجد» ان تقوله لنا، ان تحتج عليه ان تدق ناقوس الخطر، تنبهنا بأننا نغتال وجودنا بأكمله في فعل الحرب.
الحرب والحزن توأمان، كلما امتدت الحرب استطال الحزن وتجذر، كلما ازمنت الحرب اصبح الحزن مزمناً حتى يستوطن النفوس ويستحوذ على القلوب، يصبح الحزن قوتاً يومياً، يصبح حزناً قدرياً لا فكاك منه، يكبر ويتعملق حتى يخرج عن نطاق الفرد ليصبح جمعياً يستوطن لا شعور الجماعة، لا شعور الشعوب، يتحول الى طقس جماعي وكرنفال هائل، تدق فيه الطبول وتقرع السلاسل، وتنعق الابواق لإله الحزن، تقدم له القرابين وتُسال من اجله الدماء، يصبح الحزن إلهاً يسمى عاشوراء، آلهة تستوطن النفوس والبيوت في كل نفس تسكن عاشوراء، في كل بيت تحل عاشوراء، يتماهى الحزن الفردي مع الحزن العام فلا يعود ممكناً الفصل بينهما. فلا يعود الفرد يعرف هل يبكي همه الفردي ام هموم جماعته، هل يبكي حاضره الفاجع ام تراثه الحزين. كل هذا تقوله «زائية الوجد»، بل اكثر.
«كان الحزن طقساً سنوياً يحتفل به كل عاشوراء، هل هناك مهرجان للحزن في العالم، كان لدينا ذلك قبل السبعينيات، وكانت الاستعدادات لهذا المهرجان تبدأ مع هلال السنة الهجرية» (ص76) .abd on 4
يتماهى الماضي والحاضر، الحرب هي الحرب، الحزن هو الحزن، عاشوراء اخرى، لا يهم ماذا يطلقون عليها، حرب الخليج، حرب ايران، القادسية، ام المعارك ، ليس مهماً المسميات، انها عاشوراء اخرى، احزان اخرى، واقعة طف جديدة.
واذا كان الحزن عاماً وشاملاً، لا يستثني احداً ، الا ان هناك بعض الجماعات قد اخذت نصيباً اكبر من الحزن «الحزن كالمطر، هناك خارطة للحزن تشبه خارطة توزيع المطر، الحزن تركز في الجنوب والوسط». (ص76).
هكذا يصبح الحزن مثل الحمى تنتشر في النفوس، تسري من الفرد الى الجماعة ومن الجماعة الى الفرد.
يقول الراوي المركزي المتوحد مع المؤلف: «مساءاتي حزينة دائماً، مساءاتي حزينة كما انا، انا الذي احمل حزني معي انا ذهبت» (ص9).
«ثم نراه يتحول ليتحدث بلسان الجماعة: «لكننا حزانى جميعاً، مسحة الحزن تظل على وجوهنا حتى عندما نفرح، عندما نضحك نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نقول في سرنا اللهم اجعله خيراً». (ص18)
المؤلف يثير الاعجاب، يدهشك عبد عون الروضان في صرخته النزيهة، صرخته الشريفة ضد كل ما يتعلق بالحرب، صرخة حيادية لا يبتغي من ورائها مكسباً لا تجامل او تحابي اي طرف، يوجه اصابع الاتهام الى الجميع، الى كل من تورطوا في فعل الحرب وتواطؤا معه، ضد الحرب وطقوس الحرب ، وطقوس الموت والماتم والدفن، وضد افرازات الحرب الكارثية.
انظروا كيف يصف الحرب منذ بدايتها كحزام ناقل من الحياة الى الموت: «ادركت بداية الكارثة ادركت الحزام الناقل الممتد على طول الحدود، من اقصى الشمال حتى اخر قطرة ماء في الشريان، حزام يدور ليل نهار ينقل الاجساد الغصة من احضان الامهات الى المحرقة» (ص12).
ويصفها باللامعقولية: «هذه هي الحرب، ليس لها معنى، وليست شيئاً يضع للمنطق، لعبة يتسلى بها الكبار لقتل الصغار او استعبادهم، الدول الكبيرة تبتلع الدول الصغيرة». (ص19)
«جاءوا بهم جميعاً من بيوتهم او من صفوف المدرسة، اقتلعوهم اقتلاعاً من جذورهم مثل نباتات صغيرة يحملون تربة الارض مع جذورهم» (ص13)
ثم ما يلبث المؤلف ان يخترق التاريخ، الماضي، لكي يدين تاريخنا العربي الذي مجد الحرب، والقتل ودعا المتحاربين ابطالاً: «ديوان العرب ثلثاه حرب وضرب ودم يراق، وخلق جماجم وتقطيع اوصال، ولا صوت للسلم، الا صوت ضعيف لداعية سلام عاش في خضم الحروب اسمه زهير بن ابي سلمى لو عاش اليوم لاستحق جائزة نوبل للسلام» (ص14).kh abd on 9
«من اجل ناقة دفعتها غريزتها فرعت في حمى متعجرف مستبد سمى نفسه كليباً، جساس ثأر لناقة خالته البسوس على خلفية شعوره بالظلم والاهانة فقتل كليباً فقام المهلهل ليشعل حرباً لمدة اربعين عاماً» (ص14)
ويدين الحروب العالمية التي لا تخضع لاي منطق ، كيف ومتى تبدأ؟ لا احد يعرف. كيف ومتى تنتهي لا احد يعرف حروب خارج كل عقلانية.
يروي المؤلف الحادثة التالية ذات المغزى العميق: «جورج سائق عند احد جنرالات الحرب، سأله الاهالي متى تنتهي الحرب، قرر ان يتجرأ ويسأل الجنرال في اليوم التالي وعندما شاهد الجنرال وعندما هم في السوال فاجأه الجنرال قائلاً: قل لي يا جورج متى تنتهي هذه الحرب اللعينة» (ص90).
ويدين كل الحرب: «حروب الاسكندر المقدوني، وحروب الفرس، والروم والعثمانيين والحروب الصليبية والحربان العالميتان» (ص88).
ثم ينتقل المؤلف لكي يدين النتائج الكارثية التي جرتها الحروب المتعاقبة على بلده الجريح، العراق. وماذا تجر الحرب غير البؤس: «جبال من الحزن تراكمت، توزعت خارطة الوطن المحاصر بالفقر والقتل وقرض الاذان وبناء القصور الضخمة والجوامع التي تخترق الواقع الى الخيال والالحام، والجوع والصبية الذين تركوا المدارس ولجأوا الى الشوارع، صباغي الاحذية وبائعي سلع كمالية عند الاشارات الضوئية، والعجزة والمسنين في كل مكان وبائعي الكلى امام مستشفى الخيال» (ص76).
يتحول المؤلف ليدين كل المشتغلين بتجارة الموت المغسل والدفان: «كان المغسل منهمكاً في تدليك الجسد المسجى بالماء والكافور وكان يحاول ان ينتهي من عمله بسرعة، فقد يصله رزق جديد من اية لحظة ومن غير المجدي اقتصادياً ان يتركه يروح لغيره ، فهناك موازنة دقيقة بين العرض والطلب» (ص65).
«وصلت خيوط شبكته الاستثمارية الى المقابر بعد ان طالبت كل شيء من التجارة بالاراضي والبساتين والدور والعمارات الى استثمارات المصانع والمعامل، وبعد ان وجد ان تجارة الموت رائجة تدر ذهباً، افتتح مطعماً فاخراً وصارت له حصص في مكاتب الدفن المنتشرة في امبراطورية وادي السلام». (66، 67)
حتى ان الامر يبلغ بالدفان لكي يروج لبضاعته ويدلل على المواقع الجيدة للدفن: «ساخذكم الى مكان راق، مكان قريب من البحيرة ، ارض عالية لا تنز ماء». (ص109)
«هذه منطقة يتمناها الكثيرون، لكنكم زبائني ولكم الافضلية. جدي دفن جدكم، وانا دفنت آباكم واعمامكم». (ص109)
ويدين كذلك كل مراسيم الماتم التي تحولت الى تجارة… انهم يتاجرون ويتكسبون من الموت.
«هناك قراء القران والختمة، قراء اغلبهم من العميان، لهم مكاتب خاصة يصار اليهم عند الحاجة، يجيئون بهم، بعمائمهم البيضاء ونظاراتهم السوداء، تبرز انوفهم بشكل واضح يتحسون روائح الطعام الذي يكون دسماً في هذه المناسبات». (ص118)
«والطباخون جزء مهم من الفاتحة وهم متخصصون في تقديم الوجبات الثقيل خاصة في عشاء اليوم الثالث حيث تختتم مراسيم الفاتحة، تذبح الخراف ويطهى الرز بالكشمش واللوز وفوقه اللحم في صوان كبيرة» (ص118).
واذا كان المؤلف قد دان الحكام بوصفهم مشعلي حرائق ولانهم جروا البلاد الى المحرقة، فإنه بالمقابل لا يتوانئ عن ادانة الطرف الاخر. ولم يقع في فخ تزييده كما فعل بعض مواطنيه وخاصة مواطني جنوب العراق.
انه يدين كل الاطراف بلا هوادة او محاباة وهذا موقف انساني يليق بأديب ومبدع.
يقول: «انسحبنا الى حدودنا الدولية وطال القصف المدفعي مدينة البصرة، الحرب لا تعرف الرحمة والاخلاق، قصفنا بالطائرات والصواريخ سوقاً شعبية بالاهواز، فراحوا يقصفون البصرة بالمدفعية الثقيلة، يستهدفون مكاناً ما ثم يعدون الوقت الكافي لوصول سيارات الاسعاف والاطفاء الى المنطقة المنكوبة فيقصفونها ثانية فتكون الضحايا اكثر». (ص144).
لقد دان عبد عون الروضان حتى ابناء شعبه الذين استسلموا لهذه القدرية بل انهم اصبحوا ينتظرون المكاسب من هذه الحرب شأنهم شأن المستفيدين، ولو كان ذلك مقابل تقديم ارواح ابنائهم، ليحصلوا على مقابل بخس، قطعة ارض وسيارة ودراهم معدودة.
يقول احد الآباء:
«خمسة ما فائدتهم، كلهم جنود يروحون ويجيئون ، وعلي ان ادفع لهم اجور السفر ومصرف الجيب ، لو استشهد واحد منهم من اجلنا جميعاً لصرنا بأحسن حال». (ص138).
«الم يتفائل اكثر من واحد من زوجته او زوجة ابنه من اجل السيارة الم يقتل احدهم ابنه لانه لم يذهب الى الجبهة ليستشهد ويستفيد منه، الم تعير احداهن زوجها الضابط لانه مختبئ في الحبانية ولا يذهب الى الجبهة (ص93) لقد حصل كل ذلك بالتأكيد، بل ان السلطة العليا كانت تبارك كل ذلك حتى انه جرى تكريم احد الآباء الذي قتل ابنه الفار من الخدمة العسكرية.
هل يمكن ان يحصل هذا؟ هل يعقل ان يتحول حتى افراد الشعب الى مروجين للموت ومنتفعين من موت ذويهم، كيف نقايض الارواح المطلقة بثمن بخس دراهم معدودة.
اما ضباط الجيش فكانوا الاكثر انتفاعاً من هذه التجارة، كانوا يمنحون الاجازات لبعض الجنود الذين يدفعون المال مقابل حياتهم.
«البعض بنى بيتاً للضابط ، من الاساس حتى المفتاح ، وجهزه اخر بغرفة النوم، والاستقبال والطعام، وثالث ما يحتاج اليه ، الثلاجة المجمدة والتلفزيون ومكيف الهواء، اخر اشترى سيارة للضابط او اعاره سيارته». (ص101)
هكذا جاءت صرخة عبد عون روضان ضد الحرب والمتحاربين وضد طقوس الحرب وطقوس الموت. رفض ان يدخل في هذه اللعبة القذرة، رفض الانتفاع او التكسب منها، وهو موقف يستحق الاعجاب والتقدير.
*عن صحيفة الرأي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.