أ.د حازم طالب مشتاق: على الوردى مفكر متمرد (ملف/7)

الراحل خلال ندوة مناقشة كتابه عن ساطع الحصري في منتدى الفكر العربي بعمان
الراحل خلال ندوة مناقشة كتابه عن ساطع الحصري في منتدى الفكر العربي بعمان

كان عالم الاجتماع علي الوردي وجها من ابرز الوجوه الاكاديمية في عراق القرن العشرين, ورمزا من اشهر الرموز الثقافية في بلاده والمنطقة والعالم اجمع. وقد زاملته مدة طويلة تصل الى 30 عاما في كلية الاداب بجامعة بغداد. ولازمته عن كثب, وعرفته عن قرب. وليّ معه ذكريات ونوادر وطرائف يضيق المجال هنا عن تفاصيلها, كان على الدوام استاذا جامعيا جليلا, وباحثا علميا دقيقا ومفكرا ناقدا جريئا, ومتمردا من الطراز الاول بكل معنى الكلمة. لا يهاب الظروف والمصاعب والتكاليف, ولا يخاف في الحق الثابت برهانا وعيانا لومة لائم.

تخرجت على يديه اجيال متعاقبة من حملة شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه طوال عقود عديدة من الزمن وحظي باحترام الجميع, عراقيين وعربا واجانب في طريقته العلمية ومنهجيته الموضوعية وشجاعته الادبية وجرأته الفكرية.

ترك جمهرة من الابحاث والدراسات والكتب التي تشهد على غزارة علمه وسعة اطلاعه واصالة فكره وستتناقلها وتتدارسها وتستلهمها الاجيال القادمة بفخر وحرص واعتزاز. ومن اهم اعماله. شخصية الفرد العراقي, وعّاظ السلاطين, مهزلة العقل البشري, منطق ابن خلدون, اسطورة الادب الرفيع, لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. وراجت كتبه رواجا مشهودا على اوسع نطاق عن جدارة واستحقاق لكن اكثرها رواجا كان كتابه الاخير الذي يقع في 6 مجلدات وترجم الى اللغة الانجليزية.

نشر العلامة الوردي كتبه قبل خمسين عاما, فقوبلت بحماس فائق استحسانا واعتراضا واثارت جدلا حادا ونقاشا ساخنا, ولو نشرها في هذه الايام من عصر التعصب وزمن التجهيل لصودرت واحرقت وفي احسن الاحوال منعت من التداول, ولتعّرضت حياة كاتبها الى تهديد أكيد وخطر جسيم.alwardi 12

كان العلاّمة الوردي صلبا في مناداته بتحرير المرأة ودفاعه عن حقوقها, وفي وقوفه علنا على رؤوس الاشهاد مع السفور في معركة السفور والحجاب. وكان امينا مع نفسه وعلمه في معاداته للتقاليد البالية والاعراف الرثة والمفاهيم الجاهلة. وكان جريئا شجاعا في رفضه للطائفية على اختلاف وتعدد صورها واشكالها السياسية والاجتماعية. اعتبر الطائفية نوعا من انواع البدع والضلالات. ونظر اليها بوصفها عرضا من اعراض التخلف والانحطاط. والمفارقة هي انه كان شيعيا بالاسم, لكنه لم يكن طائفيا على الاطلاق, وان لم يتنكر للطائفة الشيعية, كما اظهر الاحترام للطائفة السنية. وكان يميز بين الطائفة والطائفية تمييزا واضحا دقيقا. حاربه الطائفيون الشيعيون لانه لم يكن طائفيا مع انه كان شيعيا, وحاربه الطائفيون السنيون لانه كان شيعيا ولو بالاسم فقط على طريقة القتل على الهوية.

كان موقفه من قضية جرائم الشرف غسلا للعار حاسما وقاطعا. وكم من فتاة بريئة وامرأة عفيفة قتلت على مجرد الشبهة?! وما معنى هذا التمسك المريض بالشرف الشخصي او الفردي مع ان الشرف الوطني والقومي والاجتماعي يداس بالنعال ويتلطخ بالاوحال?

هذا الموقف في تلك الايام كان مثارا ومدارا للموجة العارمة من القبول والرفض التي شهدتها المجالس والمنتديات والدواوين. لكن العلاّمة الوردي لم يتزحزح عن موقفه قيد انملة, بقي ثابتا على معتقده حتى النهاية.

من المحتمل في اجتهادي المتواضع انه اختلف مع اقرانه ومعاصريه لانه كان قد تقدم على عصره بشوط واسع سبق زمانه بوقت طويل. ويوم يكتب تاريخ الفكر العربي في عراق القرن العشرين, سيكون العلاّمة الاستاذ الدكتور علي الوردي رحمه الله احدى العلامات الفارقة والومضات المضيئة والمحطات الاساسية في ذلك التاريخ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.