شوقي يوسف بهنام: كمال ناصر والحاجة الى الجنون ؛ قراءة نفسية لقصيدة “بعض من الجنون”

shawki 5لقد انتبه الانسان الى ظاهرة الجنون منذ القدم . الا انه لم يتمكن من الغوص الى معالمها والوقوف عند اسبابها وما زال في ذلك الى يومنا هذا . ولسنا هنا في معرض الحديث عن تاريخ هذه الظاهرة قدر ما نريد الانطلاق منها لقراءة نص جميل ، في مضمونه ، للشاعر كمال ناصر . كما لا ننسى ان هناك الى جانب الجنون الفعلي حالة يعرفها العاملون في حقل الطب العقلي والتي يطلقون عليها بحالة التمارض Malingering والتي تمثل ” احدى المشكلات التي تواجه الاطباء ، ويعني التمارض تصنع الاصابة بالمرض لتحقيق هدف ما مثل الهروب من العقاب ، او الغياب عن العمل ، او الحصول على مكسب ، ومن خلال الملاحظة يمكن التعرف على هذه الحالات حين يبالغ المريض في تمثيل الاعراض ، ويمتنع عن الاجابة عن الاسئلة البسيطة ، ويحاول جلب الانتباه مع تناقض في المظاهر التي تختلف مع الاعراض الحقيقية ” (1) . وفي نصنا الراهن نجد لدى شاعرنا رغبة في تحقيق هذه الحالة والوصول اليها . ترى لماذا هذه الرغبة ؟ . لعل قراءتنا للنص تقودنا الى الجواب . يقول الشاعر :-
بعض الجنون ، فتضحك الدنيا ، يموت الوهم والالم
بعض الجنون ، تعّريها ، وتفضحها ، وتنتقم بعض الجنون ، يزول الهّم عن جنبيك والسأم
وتحملك الرؤى البيضاء ، تخطفك النجوم ، تضمك القمم
وتصفعك الحقيقة … لا خوف ولا ندم
ويمد عينيه لك العدم
(الديوان ، ص 116) *
******************
نجد في هذا المقطع مجموعة من الانفعالات تجاه الحياة او ازائها . التفاؤل المطلق . تجلى حقيقة الحياة .. العدوان نحوها . تحقيق الرغبات والامنيات التي لم يتمكن الشاعر من الوصول اليها وتحقيقها .. عبرها . رغبة عارمة في خلق عالم جديد كما يتخيله ويرغبه الشاعر . الا اننا نجد في الوقت نفسه مرارة الحقيقة التي من شأنها صفع الذات . الشاعر لا يحلم بكل الجنون بل ببعضه . هناك مثل شعبي دارج في بيئاتنا المحلية ، ولا ادري مدى شيوعه نصا وفكرة يعبر عن هذه الرغبة العميقة . يقول هذا المثل :-
– جنن نفسك وعيش طيب !
****************
حينما نقرأ هذا النص نجد ، وبوضوح ابعاد هذا المثل الشعبي متجلية فيه . و لا أدري مدى استثمار الشاعر لهذا المثل من عدمه في نصه . سوف اعده من باب توارد الافكار وتخاطرها اكثر من توظيفه واستثماره . في المثل الشعبي الذي اوردناه توظيف لدوافع التمارض او ادعاء الجنون كما يسميه البعض . اذن هناك كسب ما وفائدة ما تجنى من الادعاء بالجنون . وها هو الشاعر ينقلنا ، كما قلنا ، بمعرفة او بغير معرفة ، الى مضامينه والدعوة التي يدعونا اليها الا وهي ” العيش بشكل طيب ” . انه الهروب بعينة والتخلي عن المسؤوليات والوجبات والتحرر من كل ما يفرضه الواقع علينا من قيود وضوابط . العيش بحرية بوهيمية ان صحت العبارة . وفي الوقت ذاته السخرية من الحياة ومن منغصاتها واحزانها وآلامها . سوف تختطفه النجوم وتتلقفه القمم . يا له من اشباع نرجسي لمظاهر الاقصاء والتهميش التي يحيا تحت اعبائها الشاعر . لا تقتصر تلك المشاعر الإطلاقة لدى الشاعر على الحياة بل تمتد الى هاوية العدم . العدم نفسه يمد له عيناه ويخطفه الى عوالمه السحيقة . هنا رغبة دفينة الى الانتحار والتدحرج الى قاع العدم . عندها سوف تصفعه الحقيقة حيث لا خوف ولا ندم . زوال الهّم من الجنبين هدف كبير يسعى اليه الشاعر . سوف لن يحيا تحت طائلة السأم المقيت . ولكننا نعتقد ان هناك ما يمكن تسميته بخلط الانفعالات التي يحملها الشاعر بين خفقات قلبه . انفعالات ايجابية واخرى سلبية تتجلى بصفعة الحقيقة له . انه يعلم انه ليس مجنونا او حتى لا يسيطر بعضه عليه . من جهة نجد تفاؤلية كبيرة ازاء الحياة ومن جهة اخرى عشق ووله بالعدم . سنكمل مع الشاعر رحلة انفعالاته ورغباته هذه بقوله :-kamal naser
ويصحو الليل في جفنيك ، تعرى عبرك القيم
وسينتهي الحلم
ويغشى روحك النغم
بعض الجنون
تروض الدنيا ، وتضحكها … وتبتسم !!

بعض الجنون .. فتبصر الدنيا ، ويعرى الخمر في العنب
بعض الجنون ، ولن تنساب من هرب الى هرب
ولدت عفوا ، ولن تدري عن السبب
مكبلا بعرى جثمانك الخرب
مبعثر الروح بين الحزن والرعب
من قال أنت نبي ؟
(المصدر نفسه ، الصفحة نفسها)
************************
هنا انجلاء للوهم . وكشف الستار للذات . ها هي حقيقة ذاته التي يهرب منها . ولن يفيده الهرب الى هرب . هنا شعور بما يسميه الوجوديون بعبثية الحياة او ما اطلق عليه المعالج النفسي فرانكل ” الفراغ الوجودي existential vacuum ولن نفترض ايضا معرفة الشاعر بهذا المصطلح بشكله العلمي الدقيق بل اننا هنا بإزاء وصف لخبرة ذاتية لا غير . الشاعر مدرك لوجوده العبثي اي انه موجود عبثا . ستصحو من حلم الليل وتصطدم بجدران النهار . وستعلم من انت . وستستفيق من اوهامك التي غرقت في بحارها وستعرف بانك لست نبيا بل وحتى نبيا كذابا . من قال انك نبي ؟ لا احد قالها الا صراخ اوهامك الدفينة . انك لست غير جثمان خرب مكبل بعراه ومبعثر بين الحزن والرعب !! . نجد في هذا المقطع عودة ما يسميه الطب النفسي ” حالة الاستبصار ” ومن ثم نجد مشاعر عقاب الذات ولومها واضحة وجلية بل استصغارها وتحقيرها . انها كسر لأوهامه وتحطيم لانتفاخ ذاته .
أحِبَّ واشهد صراع الشمس في السحب
تمشي الى الموت في تيه وفي غلب
غدا تزول ويهوي جسمها الذهبي
أحب للحب ، تدني أبعد الشهب
تطوي غصة التاريخ والحقب
تختال بين جناحيه على الكذب
الرأس كالذنب والحزن كالطرب
والجد كاللعب
(الديوان ، ص 116-117)
**********************
هنا نجد مظاهر الاحساس او الشعور بمشاعر العديمة وفقدان المعنى وتساوي الاطراف نراها جلية في هذا المقطع . العنصر الاساسي الذي يدور عليه كمال ناصر هو الكذب الذي يتفشى في العالم المحيط به . من هنا الرغبة في الفرار من العالم والبحث عن عالم يوتوبي افضل واجمل بل واصدق . عندما تتيه الشمس بل تموت ويدفن ضوئها في دخان السحب وغبارها و يتلاشى ، والشمس هنا رمز من رموز الصدق والوضوح والنصاعة ، فعالم بلا شمس مثل قبو يلفه الظلام ويمحو معالمه . هذا هو اذن عالم كمال ناصر الذي يرغب بمغادرته والهرب منه الى عالم الجنون . لقد فقد المصداقية بكل الاشياء وفقد الثقة بمظاهرها . من هنا ايضا الانكفاء على الذات والانسحاب الى او الركون الى احلامها واوهامها . يكمل وصف مأساته :-
بعض الجنون ، فتدرك الدنيا ، يضيع بدربك الزمن
وتضيع ، لا دمع و لا شجن
بعض الجنون ، فلا يطارد مقلتيك القبر والكفن
الدود والعفن …
ويهجر روحك الدرن
(الديوان ، ص 117)
*****************
يبدو ان اليأس قد دب في ذات الشاعر كليا لدرجة حتى انه تصور ان خاتمته لن تصل الى محطتها الاخيرة المحتومة . انه يدخل ، كما يقول لجة الضياع بكل ما تحمله هذه المفردة من معنى . فالحياة والموت قد فقدا قيمتيهما معا . هنا اشارة الى الجنون الذي يسعى اليه الشاعر ويتمناه . انه هذا الضياع ذاته الذي انتهى به المطاف عنده .
– ستدرك الدنيا ويضيع بدربك الزمن
***************
لقد استبدت به الحيرة من جانب من جوانب حياته . فلا يدري الى اين سوف يمضي . الدنيا تطارده والموت ينتظره . الا اننا نجده في المقطع التالي يزرع في ذاته الامل . انه الصمود بوجه الرياح . ها هو يقول :-
وتصمد للرياح الهوج ، تضحك عبرها السفن
محملة بأشواق لها في الارض تمتهن
بعض الجنون ويستفيق المجد والوطن
ويحلو الموت في جنبيه ، إما خانك الوطن
وقد تنسى مآسيه الكبار ، ويعذب الثمن
ويشدو الطير والفنن
بعض الجنون بها .. تروضها ، وترقصها
فاضحك لها ، يجتاحك النغم
والثم جراحك … يهدم الصنم
تنجاب في اعماقك الظلم
ويزول عنك الوهم والالم .. وتظل تبتسم وتبتسم !
(الديوان ، 117)
***************
لقد اختلطت على الشاعر الصور والافكار بين الهروب الى الجنون وبين مجابهة ضغوط الحياة او رياحها اذا استخدمنا مفردة الشاعر والصمود ضدها . ونجد ايضا فكرة المؤامرة واضحة على مشاعره . لقد ظن ان الوطن كله .. قد تآمر عليه !!! . على الرغم من اشراقية الصورة التي يرسمها لمستقبل بطله التائه في لجة الضياع . عندما تضحك السفن فهذا يعني انه قد قهرت الامواج الهوجاء واستطاعت ان تجتازها وتمخر عبرها . شدو الطير له دلالته في نزعته التفاؤلية . حتى الموت يصير حلوا لأنه من اجل قضية وقضية كبيرة الا وهي الوطن . ان كمال ناصر يقدم لنا ، ما يمكن تسميته بلغة علم النفس باللجوء الى اليات دفاعية لمجابهة الواقع كالإنكار مثلا . التمارض هو الاخر حيلة او الية دفاعية تستخدم لمواجهة الضغوط الحياتية وان اخذت طابعا شعوريا . في المقطع رضوخ للواقع عن طريق لثم الجراح اي تقبلها والتكيف معها . والعيش وفق مبدأ قبول الواقع والموائمة والتكيف معه .

الهوامش :-
1- د. الشربيني ، لطفي ،2001 ، موسوعة شرح المصطلحات النفسية ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، ص 211 .
• سوف نعتمد في جميع حلقات مشروعنا المتواضع هذا على اعمال الشاعر الصادرة عن دار العودة لعام 2007 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.