لقاء مع الفنان الكبير جواد الشكرجي: حتى على المسرح أنا جندي عراقي وقرار حل الجيش العراقي أخطر من قرار الاحتلال
حاوره: حسين سرمك حسن

حاوره – حسين سرمك حسن – دمشق
حسين – تشن الآن حملة على كل ماله صلة بالحرب من إبداع ،قصة أو رواية أو مسرحا ، هل ينبغي على الفنان أن يمسح ذاكرته ولا يقدم مسرحا عن الحرب وأسرى الحرب وضحايا الحرب ؟
جواد الشكرچي- أنا مع مسرح الشعب . مسرح الحرب . مسرح الناس البسطاء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل وطنهم .. الأشخاص المجهولين الذين استشهدوا ولا يعرفهم أحد ..هذه ذاكرة شعب وعلى الفنان أن يحافظ عليها بأي طريق ومهما كانت التضحيات لأن الفنان هو ذاكرة الشعب ..لقد قدمت الكثير من الأعمال التي تتناول كفاح شعبي ومآسيه ونكباته وفجائعه خصوصا مأساة أسرى الحرب وتمزقاتهم النفسية وخراب عائلاتهم .. أنا مع البطولة الإنسانية طبعا .. شعب بلا بطولة هو شعب أرانب مذعورة حاله حال الأيتام في مآدب اللئام كما يقول الرسول الكريم . .هل تعلم ماحصل لي حين شاهدت أنواط الشجاعة تباع على الأرصفة بعد الاحتلال مع الأحذية وقناني المشروبات ؟ ..صدقني أوشكت أن أموت ..
حسين ( مقاطعا ) – هذا يحيلنا إلى المشهد الكبير كما وصفته في أعالي الفردوس حين يفتح المقاتل باب خزانته وينظر إلى بذلته العسكرية وقد علقت عليها أنواط الشجاعة بعد أن أسقطه التجار ..جواد – والأعظم بعد أن تموت أمه قهرا بسبب ارتباطه بالبغي ويبكي قرب رأسها ويحدثها عن بطولاته في الحرب قائلا : يمّه طلعولنه ثمانين واحد ..صدقني تلك كانت نبوءة رمزية حول مسخ شجاعة الإنسان العراقي من خلال البغي ..لقد استماتوا في سبيل إسقاط بطل الأعالي الجريح والطيب والشجاع ..الآن تعاد وتتكرر محاولات مسخ البطولة والكرامة العراقية وعلى الفنان كضمير لشعبه أن لا يسكت أبدا..أنا أعتبر قرار بول بريمر في حل الجيش العراقي بمستوى قرار الاحتلال بل أخطر منه .. الجيش العراقي تاج الشعب العراقي ومصدر فخره وقوته ..بهذا القرار حاولوا الإجهاز على منبع البطولة العراقية .. وإخصاء الرجولة العراقية ..الآن البطولة العراقية تمسخ .. صدقني .. يوم الاحتلال رهيب ولكن يوم حل الجيش العراقي أشد رهبة وفجيعة .. أنا قبل كل شيء جندي عراقي ..حتى كفنان أنا جندي عراقي ..والجيش العراقي منذ تأسيسه في 1921هو تاج الشعب العراقي .. ما ذا تعني دولة بلا جيش ؟..
في نهاية التسعينيات كنت جالسا في مقهى وشاهدت جنديا يستجدي بملابسه العسكرية فطردته بقسوة وقلت له اذهب والبس الملابس المدنية وعد واستجدي وسأعطيك كل ما أملك لكن لا تستجدي بزي الجيش العراقي العظيم ..الآن أريد تخليد البطولات العراقية لأنها لم تكن دفاعا عن شخص أو حزب أو رئيس .. إنها رد فعل أهل العراق الشرفاء وخصوصا الجنوبيون الغيارى دفاعا عن وطنهم وترابهم ..
حسين – ألهذا حضرت مهرجان القاهرة بالملابس العسكرية ؟
جواد – نعم .. ولأنني كنت في ذلك الوقت جنديا في المسرح العسكري ذلك المسرح الذي انطلقت فعالياته مع بداية الحرب الإيرانية العراقية بقيادة الأخ العزيز ( خالد الدوري ) والصديق الرائع طارق عبد الواحد .. هذا المسرح الذي قدم أفضل الأعمال للمسرح العراقي في الثمانينات واستطاع أن يضم نخبة من خيرة فناني العراق الذين عملوا في الموسيقى والغناء والمسرح والفنون التشكيلية ومن أهم هذه الوجوه الراحل عبد الجبار كاظم وبهجت الجبوري ومحسن العزاوي وكاظم الساهر وعزالدين طابو ومحمود أبو العباس وريكاردوس يوسف والكثيرين غيرهم .. ولأنني أردت أن أؤكد من خلال وجودي في مهرجان القاهرة السينمائي عام 1985 بأن الفنان العراقي يعمل في مسرحه وورشته الفنية وفي نفس الوقت يقاتل دفاعا عن وطنه ..
حسين – ألهذا السبب أيضا كنت من الفنانين الذين قدموا أكثر الأعمال عن أسرى الحرب ؟
جواد -..نعم ..هذه شريحة من الأبطال الذين لم يغني لهم أحد .. قدمت عدة أعمال عنهم حتى اعتبرني البعض متخصصا في معاناة الأسرى ..قدمت (الجنة تفتح أبوابها ..) و( من يطرق باب الليل ) ..و( في أعالي الفردوس ) و( عراق يا عراق ). تصور مائة ألف مواطن عراقي .. مائة ألف مقاتل ..أسروا وعادوا وهم لا يعرفون زوجاتهم ولا أطفالهم ..بعضهم ومنهم أصدقاء لي أمضوا (16) سنة في أقفاص الأسر وتحت أشد ظروف التعذيب بشاعة ولا إنسانية .. وبعد هذا العذاب يعودون ويُهملون ويطلب منهم العمل وتوفير العيش الرغيد لعائلاتهم .. هذا بأي منطق ؟ .. قل لي أرجوك . . وكيف ينسى هؤلاء الأشخاص ؟ ..وما هو الجرم الذي اقترفوه؟ ..
حسين -هل لحرارة تجسيدك لمعاناة الأسرى علاقة بتجربة اعتقالك في الثمانينات والتهم التي كاد يوصلك بعضها إلى حبل المشنقة ؟
جواد- طبعا لهذا علاقة بتجربة اعتقالي وتنقلي بين السيطرات ومراكز التوقيف . .وجلوسي مرعوبا أمام رؤساء المجالس التحقيقية معصوب العينين أستمع لتهم ملفقة قد يقطع بعضها رقبتي ..تجربة رهيبة ومرعبة استمرت لأكثر من (50) يوما .. كنت في الزنزانة لا أرى سوى الجدران المصبوغة بالأصفر .. وكنت أتوسل بالله أن لا يأتي في بالي أو في مخيلتي ابني (حيدر) لكي لا أضعف ..كنت أخاطب أحبائي .. أخاطب أطيافهم وأرجوهم أن لا يحضروا الآن .. أن لا يأتوا إلى ذاكرتي ومخيلتي ..كي لا أضعف ..كي لا أنهار .. بعد أن حكم قاضي التحقيق لصالحي عدت إلى الزنزانة ومت من البكاء ..صدقني .. مت من البكاء .. أحضن الهواء وأدعو الله أن تأتي أطياف كل أحبائي لأحضنها وأشمها وأولها أطياف حيدر ..
حسين – حيدر الذي أهديته بعد ذلك جائزتك كأفضل ممثل،هل كان بمستواها ؟
جواد- نعم أهديت لحيدر جائزة أفضل ممثل ثم حصل ما حصل بيني وبينه من تباعد وجفوة وعذابات لا أود استعادتها لأنها مؤلمة ومريرة ..
حسين – لكن ماذا ستهدي لـ (علي ) الذي يصدمني تعلقك الرهيب به ؟
جواد – ( يهز يده )..هي ..هي .. تسألني الآن ما ذا أهدي لعلي .. ستسمع جوابي وتقول جواب رومانسي تقليدي.. أهديه كل أعمالي .. لكن الأهم أنني أهديه روحي . هل يوجد أغلى من ذلك ؟ .. قل ما تشاء .. يا عيني .. يا روحي .. يا علي ابن عاتكة .. يا إلهي ما الذي فعلته بي بحيث أصبحت روحي مرهونة بيدي صبي .. هذه روحي على هيئة ولد ؟ ..
حسين – تتحدث عن ولديك بانبهار.. علي الكرار وقبله حيدر .. ألا تعلم أن لذلك الانبهار والانفعال معان نفسية عميقة قد لا تكون في صالحك ؟
جواد – هل تعلم أن أمي كانت تتنبأ لي بأنني لن أتزوج ولن تحصل لدي (خلفة) أي أولاد ومجيء حيدر بعد عدة إسقاطات هو معجزة..معجزة حصلت بعد أن أمسكت شباك الإمام (علي) وبكيت ونزلت دموعي بصدق لكن الحياة لم ترحمني ..أو بالأحرى أنا لم أرحم نفسي .. لا أدري .. لكن المهم أنني شعرت أن الولد الذي رزقني الله به هو حياتي ..هو رجولتي وعنوان بقائي .. حصل هذا الأمر مع حيدر وأجهضت هذه العلاقة مع ابني حيدر خلاف إرادتي ..أما صورة ولدي (علي الكرار) فهي الأصيلة والأثيرة إلى نفسي وستبقى هكذا ما حييت ..
حسين – يعتقد قسم كبير من جمهورك أن قبولك أداء مسلسل ( أبو حقي ) الكوميدي في قناة الشرقية كان مجازفة خطيرة .. بماذا ترد عليهم ؟
جواد – أقول لهم : لم تكن مجازفة .. أو قل أنها مجازفة محسوبة ..قبلت بدور أبي حقي ليس بدافع المال أو الحاجة أو لأنني لا أعطى أدوارا ..بالعكس أنا فنان مطلوب .. قبلت كتحد وواجب ودرس .. تحد مفاده أن جواد الذي عرفه جمهوره عبر أربعين عاما مقتدرا في الأدوار التراجيدية ..سيقدم عملا كوميديا هائلا ..صدقني هائلا بكل معنى الكلمة والفاصل بيننا المسلسل..وكواجب لأنني عدت من بغداد مختنقا وشعرت أن كل ما نقدمه من فن لا يصل إلى ذرة تراب من معاناة شعبنا الذي يعيش تحت الضيم والخراب ..ما ذا أساوي تجاه التراب الذي يمشي عليه العراقيون المعذبون هناك .. أنت قل لي .. هذا يشبه ما قدمته في مسرحية (عراق يا عراق) عندما شعرت أن ما يقدم هو همسة مسترخية تضيع وسط صراخ الثكالى وأنين الأيتام ..في لحظة معينة أخذت نصوص السياب وعماد جبار وفلاح شاكر و(عجنتها).. صدقني عجنتها فصارت عندي عجينة عذاب عراقية كل من شمها شرق بالدمع قبل أن يشرق الدمع به كما يقول جدنا المتنبي ..أبو حقي عجينة عذاب أخرى ستجعل كل مشاهد عراقي يشرق بآلامه ..هو المختنق بالعذاب والفاجعات أصلا ..
حسين – والدرس ؟
جواد- أما الدرس فيتمثل في أنني كما تعلم أشد من هاجم المسرح التجاري أيام كنت مديرا للفرقة القومية (لمدة 18شهرا) التي أحالوني بعدها إلى التقاعد تقديرا لخدماتي ..ولم أقدم عملا كوميديا في حياتي سوى دور صغير في مسرحية (المطحنة) في المسرح العسكري فسره البعض بخوفي كجندي ..لكنني أفرق بين كوميديا تضحك على الممثل وكوميديا تضحك على الموقف .. أيام اشتداد المسرح التجاري كانت زوجتي الفنانة (عاتكة الخطيب) تحضر معي العروض وقالت لي بالحرف الواحد : ( جواد .. جائز يدور بنا الزمن ويتدهور وضعنا المادي .. إذا اشتغلت بهذا المسرح التجاري للحاجة المادية فقل لي من الآن لكي ننفصل ) وضعت هذا التحذير رغم أنه لا يؤثر في قناعاتي مثل (الترچية) في أذني كما يقول المثل العراقي ..وبالمناسبة شكّت عاتكة وهي كما تعرف مخرجة قديرة في دوري في (أبو حقي) وآثاره على مسيرتي الفنية فحضرت معي التصوير في أحد الأيام لتتأكد من حسن اختياري وعندما شاهدتني في الدور قالت سيكون هذا الدور واحد من أهم أدوارك الفنية ..سترى في أبو حقي كوميديا جديدة ..كوميديا موقف مثل تلك التي صنعها بيتر سيلرز وشارلي شابلن وعادل خيري ..وهنا يتمثل الدرس ..
حسين – على ذكر المسرح التجاري ..هذا المسرح موجود في أوربا ..
جواد – صحيح أن المسرح التجاري موجود في أوربا والولايات المتحدة لكن هناك المتلقي الواعي الحاكم الذي حين يشاهد مسرحية لأبسن وأخرى تافهة بجوارها يختار الأولى .. لكننا في العراق كنا في مرحلة تأسيس الوعي المسرحي والنقدي ولهذا علينا أن نحافظ على سلامة هذا الوعي..أفضل الممثلين العراقيين انخرطوا للأسف في هذا التيار ممن يتحدثون الآن عن المسرح الجاد ويتشدقون برسالة الفن المقدسة وأثروا وربحوا الملايين ..
حسين – لقاؤك في البغدادية .. أحسسنا أن هناك أجزاء مبتورة من حديثك فيه .. هل تتفق معي في ذلك ؟
جواد – نعم .. قطعوا في اللقاء أجزاء حساسة ومهمة توضح رؤيتي لعلاقة الفنان بالسياسة فصار كلامي مبتورا ومشوها .. الآن وعلى صفحات الزمان أوضح أنني كنت في يوم من الأيام منتميا لعدة سنوات ثم تركت العمل الحزبي ولم أنتم لأي حزب آخر لأنني أدركت بشكل لا رجعة عنه أن الفن أعظم من السياسة وأن الفنان أعظم من السياسي وأن السياسة تلوث ..السياسة عذبت الناس وحطمت الأبرياء وأكلت أعمارهم ..والأهم أنها مزقت وطننا ..
حسين – هذا يعيدنا إلى معضلة علاقة الفنان بالسياسة ..
جواد- معضلة علاقة الفنان بالسياسة شائكة ..أنا أرفض الولاءات الحزبية الضيقة لكن هذا لا يعني أنني أرى وطني يمزق وشعبي يهان وتسلب ثرواته وأسكت على أساس هذه سياسة..هذه قضايا مصيرية فوق الاجتهادات والولاءات وعلى الفنان أن يقول كلمته فيها وهذا ما قمت به سابقا وأقوم به الآن في مسلسل ( أبو حقي ) ..
حسين – لكن انحرافات السلوك لزملائك كادت تقضي عليك في مسرحية ( الجنة تفتح أبوابها ) ..أليس كذلك؟
جواد – ملابسات مسرحية الجنة تفتح أبوابها ومسرحية اكتب باسم ربك كادت توصلني إلى متاعب ومشكلات كثيرة.كانت فكرة مسرحية أكتب موحاة من أعلى مستوى في الدولة، واعتذرت عن المشاركة فيها لعدم قناعتي بفكرتها..وغرابة عنوانها المحرف عن آية قرآنية ..فحاول البعض وخاصة من زملائي الإيقاع بي .. في الوسط الفني العراقي أحط الممارسات يقابلها أروع المواقف الملتزمة والإنسانية وهذا هو حال الحياة والنفس البشرية وهذا اختصاصك دكتور ……
حسين – أعود إلى مجال الحياة العائلية … هل هدّد الفن استقرارك العائلي ؟ ..
جواد- الفن لم يهدد حياتي العائلية لكنني عشت معادلة غريبة جدا وهي أن حياة عائلية سابقة لي أنت تعرفها حطمتني وحتى المحقق في الاستخبارات قال لي أنا كنت من اشد المعجبين بك ولكنني الآن ناقم عليك لأنك ارتبطت بامرأة لا تستحقك بهذه الطريقة التي لن أسامحك عليها ..وبعد أن أوضحت له الملابسات أصبح صديقي ومتعاطفا معي .. تصور دكتور .. ولكن حياة عائلية ثانية أسهمت في عودتي متماسكا إلى الفن وإلى الحياة ..وهي المسؤولة عن إبداعي الآن .. أنت دائما تقول لي أنك طفل كبير بالمعنى النفسي .. أنا لست طفلا كبيرا بالمعنى النفسي.. أنا بين يدي عاتكة طفل كبير بالمعنى الحياتي .
حسين – من وجهة نظري .. أنت أول فنان يخلق ظاهرة ( النجومية ) في تاريخ الدراما العراقية .. فنان تحاصره الجماهير وتطلب توقيعه ؟ ..
جواد – في حضرة الإمام علي (ع) حصلت (مظاهرة) من شباب يطلبون توقيعي بعد (أبو جحيل) في ذئاب الليل ..واعتقدت في البداية أن الأمر نزوة لكنه أصبح قاعدة بعد ذلك ؛ تحاصرني الجماهير في كل مكان وتكتب الشعارات باسمي على الحيطان .. وفي حضرة الإمام الكاظم (ع) صرخت امرأة بوجهي قائلة هل أبو جحيل يزور الإمام أيضا ؟ ضحكت وقلت لها يا خالة إن هذا المكان مقدس وهو ملك لكل إنسان مؤمن بغض النظر عن مهنته وعمله ..حدث هذا أيام عرض مسلسل ذئاب الليل ..والسبب صدقي في الأداء الذي كان يتبجح به فنانو الدول العربية كذبا وتضخيما..لربما أنا أول فنان عراقي يتدافع الجمهور من أجل الحصول على توقيعه ..الحصول على التوقيع أو الأوتوگراف ظاهرة تحصل في أوربا وأمريكا وفي مصر إلى حد ما ..لكن في العراق أنا أول من حقق النجومية بهذا المفهوم ..المفهوم الجماهيري الواسع في تاريخ الدراما التلفزيونية العراقية ، وهذا ليس غرورا بل واقعا وثقة بالنفس
حسين – تلقائيتك هذه دفعت الناقد الايطالي المشهور ( مارتن أسلن ) إلى إعلان أمنية لديه بعد أن شاهدك في مهرجان القاهرة حين حصلت على جائزة أفضل ممثل ..ماذا ستقول لو تحققت أمنيته تلك ؟
جواد – لو تحققت أمنية هذا الناقد بأن أكون تلميذه وليس تلميذ يوسف العاني الكبير- وأنا أعتز برأيه – فإنني سأموت لأنني نبتة عراقية ترابها في بغداد ..
حسين – هل كنت راضيا عن دورك في مسلسل الرصافي ؟ وتسليم مجدك الفني بيد مخرج غر ؟
جواد- مخرج الرصافي جاء من الفرقة القومية للفنون الشعبية وتدرج بعد خروجه من الفرقة على فن التصوير الحربي أيام الحرب الإيرانية العراقية وحاول أن يجرب حظه فدخل دورة للإخراج التلفزيوني واخرج بعض الأعمال التلفزيونية الهابطة في منتصف التسعينات والتي كانت تعرض على السكرين في صالات العرض السينمائية في بغداد والتي غاب عنها جمهورها الحقيقي. أحببت الرصافي .. عشقت هذا الدور وأذهلني (حامد المالكي) في صياغة هذا العمل الدرامي المحكم .. أنا أعبد الرصافي في نضاله وخيباته ..لكن ماذا أفعل .. لو عرفت معاناتي مع المخرج لبكيت .. صدقني أصبحت متأزما حتى مع عائلتي الجميلة ..أصبح يوم التمثيل عذاب في عذاب ..صبي منحت له هذه الفرصة لإخراج عمل من هذا الطراز.. صبي فني ..لكن كنت أذوب في حب الرصافي وهو يذكّر بعذابات العراقيين التي – وهذه هي المصيبة – تعيد نفسها الآن بالتفصيل الممل ..
حسين – نسمع الآن عن مهانة الفنان العراقي في الغربة .. فنانون كبار يمثلون المسلسل بمبالغ مذلة . ماذا تقول ؟
جواد – نعم ..أنا شخصيا مثلت مسلسلا بثلاثين حلقة مقابل ست دولارات لكل حلقة وهو أجر مهين .. هذا سابقا ..لكن انظر ما الذي يحصل الآن ..الآن أحصل على أجر مجز جدا ..لكن المهانة للفنان العراقي مستمرة ومقصودة والسبب أن الحكومات لا تعتبر الفنان عنصرا مهما في المجتمع ..وزير ثقافة سابق وقفت أمامه وقلت له أنت لا تصلح لهذا المنصب ..وجها لوجه وبحضور عشرات الفنانين .. تصور ضابط شرطة يستلم وزارة الثقافة ..يعني يريدون القول للفنانين أنتم رمز الحرية ولا تستطيعون العمل إلا إذا توفرت لكم الحرية وها قد جعلنا شرطيا مسؤولا عليكم ..هل هذا التصرف غير مقصود ؟ فنانون كانوا من الذين أعرفهم وكانوا من اليساريين الذين يعيبون عليّ الالتزام سابقا ..تراكضوا للعمل في مؤسسات حزبية ..بل عملوا حتى في مؤسسات المحتل ..ما هذا وما الذي يجري في بلدنا !!
حسين – اتصلت بي قبل مدة لـ (تبشرني) بإلغائك مشروع لجوئك إلى لندن بعد أن أصبح قاب قوسين .الناس تريد تفلت بأي طريق وأنت ترفض (الفلتة) ؟
جواد – رفضت اللجوء إلى لندن أو الهجرة إليها رغم انتهاء الإجراءات الأصولية المطلوبة ، لأنني شعرت بأنني لن استطيع استنشاق عطر تراب بغداد المحروسة بالله .. عطر مضمخ بدماء أهلي وعذاباتهم .. أنا مثلما قلت لي عن الراحل (علي الوردي) الذي كان يقول عندما قالوا له في أمريكا إبق هنا وستصبح أفضل عالم اجتماع في العالم ..قال لهم : أنا نبتة من الكاظمية تربتها في بغداد ..تراني كجواد الشكرچي ضخما وكبيرا .. أنا وأقولها لأول مرّة أنا أضيع كأي طفل بعيدا عن بغداد..أبكي وأعيط وأرفس وقد أنهار لولا وجود عاتكة وأميمة وعلي الكرار يساندون هذا الطفل الكبير..أنا طفل لكن -وحسب تعبير الجواهري الكبير – عندي من الأسى جبل .. يتمشى معي وينتقل ..
حسين – هل تعتقد أن النقاد أنصفوك – طبعا عدا الراحل الكبير علي جواد الطاهر – ؟
جواد – لم أعد أهتم برأي أي ناقد بعد أن قال عني الدكتور(علي جواد الطاهر) (أتته الجوائز…) على غرار البيت الشهير (أتته الخلافة منقادة تجرر أذيالها ..)وقال ( هذا الاحتفال بشخص اسمه جواد الشكرجي ولكنه احتفال اسمه العراق وأمة وبشرية ) ما الذي سيقوله أي ناقد- ومع احترامي لجميع النقاد – بعد قولة علي جواد الطاهر هذه ؟لقد تحدث الطاهر بطريقة لم يتحدث بها في حياته عن أي فنان. والمشكلة الكبرى أنه كان هو رئيس اللجنة التحكيمية لمهرجان النصر والسلام الذي أقيم في بغداد في آذار 1989الذي فزت بجائزته ..وقال الطاهر كلمته تلك التي ألقاها في منتدى الأدباء الشباب في حفل تكريمي بعد فوزي بجائزة أفضل ممثل دولي في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في أيلول 1989
حسين -ما هي بصمتك في السينما العراقية ؟..
جواد – البصمة الأولى هي في فيلم الأيام الطويلة للمخرج العربي الكبير توفيق صالح. أما البصمة الثانية وكانت الأهم هي في فيلم العاشق عن رواية عبد الخالق الركابي وإخراج محمد منير فنري والثالثة في فيلم المنفذون للمخرج عبد الهادي الراوي .. والأخيرة كانت في فيلم الحب كان السبب عن رواية علي خيون وإخراج عبد الهادي مبارك ..إن الواقع الموضوعي للسينما العراقية التي مازالت – وبعد أكثر من خمسين عاما- تبحث عن الفيلم رقم مائة لا يتيح لأي فنان استكمال شوطه بثبات والمثابرة في الحفاظ على بصمته المتميزة ..
حسين – كررت كثيرا القول بأنك أفضل من يستطيع تجسيد شخصية الإمام الحسين ..ما هو مصدر هذه الثقة؟

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

2 تعليقان

  1. ياالله كم احبك ياجواد واموت في شهامتك وطيبتك والتي تقل في رجال ها الايام احب اعمالك وبعضهاعندي في جوالي مثل ساره خاتون ومعروف الرصافي وفوبيابغدادوفطوركم علينا احب اشوفك دائمااتمنى لك الصحه والعافيه تحياتي عيني

  2. اشكرموقع الناقدالعراقي على استظافه ممثل وفنان العرب بلامنازع الاستاذجوادالشكرجي واشكركل القائمين على ذالك تحياتي لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *