ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (25)
توفيق التميمي يحلب ذاكرة شارع المتنبي!(1-2)

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
قرأنا أن هناك بعضا من الكتاب والمؤلفين اهتموا بعدد من أصحاب الفتوحات والمخترعات فكتبوا عنهم سيرا تضم حيواتهم وإمارات نبوغهم ، وشهدنا عددا من الأدباء وهم ينشئون كتبا خاصة عن دول ومدن زاروها أو سمعوا بها عن قرب وبعد ، لكنني شخصيا لم أقرا ان كاتبا وأديبا يجمع جهده ويتفرغ بزمنه وموهبته ليدون سيرة ثقافية ل ” شارع ” ما زال شاخصا بيننا إلا هذه المرة ! ولولا إنني قد فارقت العجب من زمان – لفداحة ما يخطط لنا ويجري حولنا – لقلت أن ما أقدم عليه الكاتب والصديق توفيق التميمي لهو من العجائب الكتابية حين خصص كتابا كاملا ليروي فيه (( فصولا غير مروية من سيرة شارع المتنبي )) ولعل التميمي كان محقا حين انتقى اسما غريبا وأطلقه على مؤلفه هذا ووسمه ب (ذاكرة رصيف بغدادي ) !.
ولكنني هنا أود ان اطرح سؤالا واحدا على نفسي : ما الذي دعاني إلى أن أقول إننا أمام كتاب جديد بل هو من ” عجائب الكتابة ” في زمننا هذا ؟! والحق أنني لن أجيب بأكثر من ان هذا المسعى يقربنا من الوجه الخفي لكاتبنا توفيق التميمي إذ يعمل ما أمكنه من جهد في البحث والتفسير وتحديد الصفة الحقيقية لكثير من الظواهر التي يعيشها شخصيا او يستقطبها الى وعيه ومن ثم يسلط عليها كشافات قلمه ويمعن فيها حوارا واستنتاجا ومقارنة وتذكيرا حتى يخرج علينا بمؤلف جديد ” قد يصدمنا به ” فلماذا جرنا الى ان نفيق ونستجيب لما أخرجه مع انه استقطب ظاهرة قديمة او معيشة منذ سنوات وجعلنا في مواجهتها وذكرنا بكوارثها المرمية أمام إبصارنا ؟!.tawfek altememi 2
هنا تميز التميمي ومبلغ اجتهاده في كتابه هذا وفي بقية كتبه وحواراته فهو يستغيث بالذاكرة ليستحلب ما فيها من ( خوارق وقيم ومأثورات ) ويضيئها مجددا ليشعل النظر اليها بعد ان نالت نصيبها من الخراب والإهمال والاندراس من قبل الجهلة ” وأولي الأمر في المسيرة “! لكن الكاتب الجاد والمهموم بنوائب زمنه كان مصيبا حين اختار شارع المتنبي متنا لكتابه الجديد فهو كان يعمل فيه ويسعى للم رزقه منه ويستجيب لخصوصيات هذا الشارع الأخرى من كتب ومعارف وشخصيات لا تلتئم إلا فيه ولذا قيل صدقا انه شارع الثقافة العراقية بل والإنسانية جمعاء، لهذا جاء الإهداء جامعا لما انتواه كاتبه (إلى زملاء الرصيف… الشهداء منهم والأحياء) بمعنى ان التميمي كان يدرك مسبقا ان (( الشهداء الذين يقصدهم في إهدائه )) هم ممن كانوا ضحية لتلك الهجمة الدموية التي حاقت الشارع وخلفته خرابا وعلما مكسورا ودامعا على الضحايا ولذلك أنا اثني على ما ذكره الدكتور سلمان عبد الواحد كيوش في مقدمته الجميلة والمعبرة عن كنه الكتاب ( الكاتب قرّر أن يغزو بحبّه مكاناً أليفاً لديه. المهم لدى التميمي هو التوثيق لهذا المكان فكرةً ووجوداً، ثم يأتي كل شيء عداه بعده. لا شيء لديه يعدلُ الهبوط بمظلّة الحبّ على سطوح مكان كاد الحقدُ يغتاله، واستشرافه والتجوال فيه بطريقة التعبير الغزير عن الانتماء ألحميمي العابر للتوثيق الفوتوغرافي المقتصر عليه. تشعرُ وأنت تقرأ في “ذاكرة الرصيف” أن ذاكرتك قد اتخمت بكل ما هو جميل وشريف وحسّاس، وأنك لم تعد كما كنت قبل القراءة، فقد امتلأتَ إصراراً على التخنّدق مع الجمال والحبّ، وأن بك قوّة هائلة على مقارعة كل ما هو شرير وباطل ) .kh tawfik altamimi 2
ولا يسعني إلا أن اقر بوجود عدة أسباب دفعت توفيق التميمي لمفاتحة “دار العهد ” لتولي طباعة كتابه هذا وفي ظني انه اختار الأنسب والأكثر استعدادا فأي جهة أخرى ستعتذر ( او تتهرب ) من إخراج مؤلف حساس وجريء يعيد بالتذكير سيرة مدماة وفيها تفاصيل غير مروية من قبل ! لكن كاتبنا – بما اتسم به من شجاعة وإقدام مبرهن لمرات – كان مهيئا لوضع اسمه كمؤرخ ( لا كاتب صحفي فحسب ) فيتصدى بحكمة فردية على ما شخصته عيناه وبلل ذاكرته وضميره بما سيوجعه لآخر عمره لو انه لم يوثقه ويستقطر سيرة ذلك المصير المهول والتاريخ الطويل ل (( رصيف بغدادي )) مغدور !. غير المس
أهمية هذا الكتاب تأتي من استثنائيته ، فمؤلفه يقيم عدة مراصد لنقل أو تبشيع ما جرى في شارع المتنبي خلال النهار الأسود الذي احرق فيه الشارع ولنتمعن جيدا في وصف الكاتب لتلك الساعات الجحيمية (في يوم الاثنين، الخامس من آذار من عام 2007 توقفت الساعة عند الحادية عشرة والنصف، وتعطلت لغة الكتابة، واحترقت الجدران وتفحمت أجساد باعة الكتب ) ويتنقل الراصد بين النيران المشتعلة والأجساد المحروقة والكتب والمطبوعات المتناثرة هنا وهناك الى جنب الرماد، وإذ يقطع مرصد المشاهدة نرى المؤلف يستشهد بمرصد التاريخ لبيان مدى الخسارات التي حاقت بنا من جراء ذلك العسف غير المسؤول والذي استجلب عاصفته من دون تسبيب يذكر ، المشاهدة والتاريخ كأنهما غير كافيين او لم يعودا بقادرين للبرهنة على فداحة الجريمة التي ارتكبت وخططت للنيل من هذا الشارع وطمس تاريخه إن أمكن ولهذا عمد الكاتب الى فتح عدة بؤر لتكثيف الصور ودفع المتلقي الى منطقة التهويل ليدرك حجم البشاعة وتأثيم ما جرى للثقافة والمعرفة العراقية في ذلك النهار ألآذاري قبل سبع سنوات كاملة … ولكن تجسيد ذلك يحتاج منا الى حلقة ثانية نتوقف فيها لنستكمل الكتاب الذي يجمع الثراء ونبل القصد والتذكير بين غلافيه !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (18)

التقاط الدر ….. من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة لديوان ما تبقى من سؤال اليوم …

هشام القيسي: أكثر من نهر
(4) في وثيقة الوقت

أدهشته المدينة ولم يقل لها سوى حكمة أقام الوجع فيها ثقيلا وليس له من عدد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *