حسين سرمك حسن : عيسى حسن الياسري .. والنبوءة الخرابية (ملف/41)

hussein sarmakإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
( الزمن السعيد لا يزهر مرة أخرى
القطارات تضيق بالموتى
نتانة التوابيت
عليك أن تُسرع
اشتر ضريحا
قبل أن يستأثر المضاربون بالقبور …….. )

( مجموعة شتاء المراعي – قصيدة : هواء بارد .. محطات معتمة )… والاستشراف الرهيب في النبوءة الخرابية الياسرية في شقها الجمعي هو إعلان الشاعر أن الزمن السعيد – إن كان موجودا اصلا – لن يعود إلى وطنه ، لن يزهر مرة أخرى ، سيولّي ، وسوف يهرب الأخ من أخيه ، ويفرّ الأب من صاحبته وبنيه . سيذهل الخراب كلّ مرضعة عن رضيعها ، وكل صاحب حمل عن حمله .. هنا تصبح الولدان شيبا . ستضيق القطارات بالموتى .. وبنتانة التوابيت .. والشاطر المتحسّب منا هو من يشتر ضريحا ويحجز قبرا .. فهل هناك داع لأن نسأل عيسى حسن الياسري أن يحدّد لنا وبدقة عن أي مرحلة مقبلة من حياة العراق يتكلم ؟ . المبدع ليس مؤرخا .. وليس عالم رياضيات .. ولا فلكيا ذا مرصد .. المبدع يحس ولا يحسب .. ويستشرف ولا يؤرخ .. وتتململ قوى لاشعوره من مقبل غير محدد لا تستطيع رصده .. حالة تشبه قولك : اليوم لا أعرف ما بي .. لكني متأكد أن أمرا جللا سيقع !! . هكذا تؤكد بلا قرائن أو مقدمات . وفي عام 1994 م سألت المبدع ( محمد خضير ) كيف كتبت أجمل قصص الحرب في الستينات ولم تكن في العراق حرب واسعة مثل الحرب العراقية الإيرانية أو حرب تدمير العراق – الحرب العالمية الثالثة – عام 1991 ؟ فأجاب برسالة موثقة : لا أدري .. لكنني كنت أشعر دائما أن وطني العراق يعيش حالة طواريء منذ فجر التاريخ !! . أما الياسري فيقدم استشراف دمار تفصيلي :
( الزمن السعيد لا يزهر مرة أخرى
القطارات تضيق بالموتى
نتانة التوابيت
عليك أن تُسرع
اشتر ضريحا
قبل أن يستأثر المضاربون بالقبور – شتاء – هواء بارد محطات معتمة- ص 40 ) .
ويبدو أننا بحاجة إلى أن نتوسع في معالجة هذا الشعور المبكر بالنفي والإغتراب لدى الشاعر ، لأننا لا نستطيع أن نفصله أبدا ، بل يتأسسس على أركانه ما أسميته بـ ” النبوءة الخرابية ” . وأعتقد أن جانبا من الوصف القرآني للشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون ، يرتبط بكون الشعراء شهداء عصر ، ومعلني نبوءة لا تتحقق بطبيعة الحال إلا بعد زمن من إطلاقها شعريا ، فتكون أقوالهم بلا دلالة ولا نفع مباشر ، ولا يتبعهم إلا الغاوون . لقد ” تنبأ ” جورج أورويل في روايته ” حقل الحيوان ” بالسقوط التفصيلي المروّع للتجربة الشيوعية وهو في الأربعينات بل كان اسم زعيم الكلاب هو ” بيلكلنغتون ” !! وهناك روائي بريطاني كتب رواية عن سفينة ضخمة جدا تغرق ويموت فيها ألفان قبل غرق التايتانك بعشر سنوات وبتفصيلات عجيبة . وهناك من يرى أن السياب قد استشرف قرب ثورة عام 1958 !! كما توقع الروائي أحمد خلف قرب حرق بغداد في روايته ” موت الأب ” التي صدرت قبل الإحتلال . وقد وضعت مفردة نبوءة بين مزدوجين لأنني لا يعنيني أن يكون الشاعر متنبئا أبدا ، لكن أن يستشرف باستجابات لاشعوره الحي – بل الخارقة أحيانا – ما الذي سيفعله ممثلوا الموت والخراب والطغيان بأرضه الأم ، ينظر إلى البعيد .. البعيد .. والبعيد جدا .. aisa alyasiri 6فيهتز لاشعوره – مثل اهتزاز مؤشرات أجهزة اكتشاف الزلازل التي تستجيب قبل أن تطيح الزلازل بالمكان – وينفعل ويلتقط نذر الدمار المقبل التي لا تستطيع إدراكها غالبية مجتمعه ، بل وينكرون مخاطرها التي ” يعرف ” هو أنها ستقبل حتما . أننا نقف أمام معضلة تماثل تلك الأحلام ” النبوئية ” التي نحلم بها ثم تتحقق بعد حين . يُقال أن المقبلات من الحوادث ترسل خيولها المنذرة . لنقف أولا عند بشائر النبوءة السوداء التي يوظفها الياسري على مستوى المصير الفردي بصورة رئيسية مجسدا لممكنات المصير الجمعي المحتملة . في مجموعته ” المرأة مملكتي – 1982 ” – وأرجو الإنتباه إلى تاريخ صدور المجموعة – قصيدة عنوانها ” وجه القرية ” يقدّم لها الشاعر بمقولة لـ ” سيريز ” يقول فيها : ( القرية تلاحقنا ، وفي أعقابنا ، أسود حجرية مزمجرة ) . أنا لا أعلم كيف مرّر الياسري هذا النص المليء بالدلالات الرافضة – وبعضها معلن وصارخ الإحتجاج – في تلك المرحلة العاصفة . والياسري ليس من موجة المثقفين العراقيين الذين بدأوا بعرض أدوارهم البطولية في مواجهة النظام السابق ، والكل يعرفهم ويعلم أنهم لا يلعبون حتى في الوقت الضائع ، فقد انتهى الوقت الأصلي للمباراة وتلاه الوقت الضائع والضربات الترجيحية وخرج الجمهور ثم نزل هؤلاء الشعراء ليكفروا عن ذنوبهم مثل الشاعر المعروف ” .. ” الذي أعلن في إحدى الفضائيات جهارا أنه ليتخلص من قراءة الشعر أمام رئيس النظام السابق كان يذهب إلى صديقه الطبيب ويطلب منه أن يكسر ساقه ويجبرها لكي لا يذهب إلى قصر الرئاسة ، لكن صديقه الطبيب كان يعطيه كبسولة – وأنا طبيب إخصائي ولم أسمع بهذه الكبسولة السحرية – تخفي صوته وقتيا !! هل أدلكم على دليل يثبت مسخرة بطولات ما بعد نهاية المباراة ، ما بعد الوقت الضائع ؟؟ الشعب العراقي بأكمله شاهد على شاشة التلفاز هذا الشاعر – بين مجموعة أخرى من الشعراء – وهو يقف أمام رئيس النظام السابق ويقرأ له قصائد المديح ، والكل يعرف المبلغ الكبير الذي تسلمه وصرف على عائلته وأولاده منه . ما أريد قوله هو أن عيسى حسن الياسري وهذا أمر قد لا يقره التاريخ الثقافي والشخصي له بصورة قاطعة ، وقد لا يعرفه المثقفون العراقيون جميعا بصورة حادة ، وأريد تحقيقه إبداعيا – ودور عيسى منطقيا لا يتعدى نصوصه – فأقول أن عيسى كان بطلا في الوقت الأصلي ، صحيح أنه لم يُسجن ولم يُعذّب ، ولكنه تحمل عذاب الفقر والعوز والمهانة وهو يكتب العرائض للثكالى أكثر من ست سنوات . والأهم أنه لم يكتب نصا في مديح النظام السياسي السابق – ومشكلة المديح وعلاقة المثقف العراقي بالسلطان – في الثقافة العراقية والشعر خصوصا منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا تتطلب دراسات موسعة ، وموسعة جدا – ومرّر هذا النص الخطير .. والخطير جدا .. وغيره في مرحلة الثمانينات العاصفة . ومن عادتي أن أمضي في تحليل النص خطوة خطوة بدءا من عنوانه وحتى خاتمته وبذلك سيجد القاريء الكريم النص كاملا بين يديه لأن مجموعات الياسري الشعرية نادرة الآن في الأسواق ، كما أنني واثق أن المعنيين بالثقافة لن يعيدوا طبعها لأنهم منشغلون بشؤون ثقافية أهم . عنوان القصيدة ” وجه القرية ” محايد لا يثير استجابة سلبية أو إيجابية ، بل يطيح بأطروحة ” ثريا النص ” التي يهلل لها البنيويون على أساس أن المكتوب يُقرأ من عنوانه ، فماذا يعني ” وجه القرية ” ؟؟ في أفضل الإحتمالات سيتصور القاريء الوجه التقليدي للقرية ببساتينها وخضرة مراعيها وبساطة مفردات حياة الناس فيها وما يتميزون به من طيبة .. إلخ ، لكن أكمل القصيدة وستجد الصورة المناقضة تماما ، فأين ثريا النص ؟؟ وأعتقد أن عيسى قد وضع هذا العنوان ” المسالم ” بصورة مقصودة ليضمن عدم الإلتفات لعنوان صارخ ، ويحقق الإستدراج الهاديء الذي يبرع فيه عادة ، وأعتقد أن هذا العنوان من الأسباب التي جعلت النص يمر بسلام . وحيث أن أغلب نقادنا ” النباتيين ” والوصف للناقد البلغاري ” إفراييم كارانفيلوف ” في كتابه الشهير ” أبطال وطباع ” – يفرأون المكتوب من عنوانه ويكتفون بالمقطع الأول لأن لديهم نظرية أخرى في أن الإستهلال هو ثريا أخرى للنص ، فلم يتناولوا بالتحليل أبعاد ومعاني هذا النص الخطير ، ويجب أن نحمد الله على هذا النزوع النقدي النباتي . وحتى مقولة ” سيزير ” التي استعان بها الشاعر لا توجد إيحاءات مباشرة خصوصا وأن التفكير السياسي الرقابي يتحسس من الأسود التي تزمجر في المدينة أكثر بكثير منها حين تزمجر في قرية يثير وجهها عادة تلك الصفات الإيجابية المرتبطة بالطبيعة والخضرة والنماء . ويأتي الاستهلال ليطمئن البصيرة الرقابية ، والبصر النقدي الذي يجد شواهد تؤكد الإنتماء القروي للشاعر وولاءه لأكواخ القصب وحنينه المستعر إليها :
( وداعا قلنا
وسحبنا أرجلنا من برك الدمع
وغابِ الشوك …
وصحراء الطين
وداعا قلنا
فلماذا أزهرت فينا
يا أكواخ القصب البالي
وغدوت حشد بساتين ؟ – ص 105 ) kh aisa 10
ولكن التمعن في بناء النص والتسلسل ” السردي ” الذي يلي نداء الوداع ، سيحيلنا من جديد إلى هاجس الرحيل المؤرق الذي يقلق الشاعر ، فقد قال : وداعا لوقائع ومظاهر كلها تشي بالخراب : برك الدمع وغاب الشوك وصحراء الطين ، فأي قرى فردوسية تلك التي تحدث عنها النقاد ؟! . وحتى بعد الوداع لم تستثر دوافع الحنين لدى الشاعر تلك القرائن الآسرة من خضرة وسواقي وطيور وذكريات طفولة ، بل أكواخ القصب البالي التي صارت جميلة ومصدر جذب بعد الرحيل ، وهو أمر إذ يعكس صدق تعلق الشاعر ببلاده مهما كانت حالتها من الرثاثة ، فإنه يمد صورة الخراب التي بدأ بها والتي أجبرته على الرحيل . لقد تحولت الأكواخ البالية إلى حشود بساتين . ولم يكن يعتقد أن ينابيع الشوق لقريته الخربة تتفجر في روحه بعد أن ” يتخلص ” من برك دموعها وغابات أشواكها . كان يعتقد أن صندوق الذاكرة الأسود سيبقى مقفولا إلى الأبد مادام قد ابتعد جغرافيا عن المكان . لكن رماد الموقد – ولاحظ إرتباك الصورة – يلاحقه ويشق طريقا له إلى قلبه ، والنار أو الجمرة هي التي تذكي مواجع القلب ورعشة حنينه . حتى الغصن اليابس أورق ثانية وبدأ ” يطاردنا ” عبر ” حدود ” المدن المجنونة . لقد وسع صيغة الكلام فصارت معبرة عن ضمير المتكلمين وصار الشاعر ممثلا لجماعة ، كما أن الشاعر قد وصل ” حدود المدن المجنونة ” وهو قرب ” أبو بشوت ” !! :
( ما كنا نعرف
أن رماد القرية يهجر موقده
ويشق طريقا نحو تخوم القلب
ما كنا
نعرف
أن الغصن اليابس يورق ثانية
ويطاردنا عبر حدود المدن المجنونة
كيف نفذت إلينا ؟
وغرزت جذوركِ في نهر
مواجعنا
وقطعت علينا الدرب ؟ – ص 106 )
هي إذن محاولة مجهضة أحبطتها يقظة حشود الذكريات التي فزت في أرواحهم وقطعت عليهم درب المنافي . لكن الآن ، في المقطع الثالث من القصيدة ، يجد الجد . فيخاطب الشاعر – وبصيغة ضمير الجماعة المتكلمين أيضا – ” وجه القرية ” ويناديه : يا … ولكن من أي مكان يُطلق نداءاته المستغيثة ؟ إنه يطلقها وبمفردة واضحة وقاطعة لا لبس فيها من ” المنفى ” ، فقد ” وصل ” الآن وحسم الأمر بلا رجعة !! . وفي المنفى يستجير بوجه قريته الأم أن يرحمهم من حبه الرهيب ، ويخلّصه من غزو ذكرياته المتوحش . إنه يوازن بين ” حرير بشاعة ” المنفى ، وبين ” جحيم هوى وجه قريته ” فيختار الأول ، ولكنه اختيار مشروط ، مشروط بفك عقدة معادلة مميتة ، يواجه فيها الشاعر المنفي وجماعته الاختيار الجهنمي بين أن ينساهم وجه قريتهم رمزا مكافئا لوجه بلادهم ، أو أن ينسوا هم هذا الوجه الذي يلاحقهم وهم في جحيم المنافي فتركض وعول ذكراه فوق هشيم أعمارهم الضائع . كأسان أحلاهما علقم :
( يا وجه القرية
قاسٍ هذا المنفى
ووعولك تركض فوق هشيم العمر الضائع
مثل خيول
الريح
أوقف هذا الغزو المتوحش
آهٍ …
لو تنسانا …
أو ننساك
لرقدنا فوق حرير بشاعتنا دون جحيم
هواك – ص 107 )
لكن الشاعر يحيا تناقضا عنيفا . فالوطن الذي يلاحقه وجهه ويربك حياته بقسوة في المنافي هو في الحقيقة مات ، نعم ، هو وطن ميت ، وها هو الشاعر وجماعته يحتضنون نعشه الأسطوري .. نعشا تحطمت فيه مكوناته .. فالجثمان جسد لجمته أجنحة الطير وأحداق الأطفال وأمواج النهر . هي مكونات وجه قريته وقد تهشمت وبادت .. لكن المحنة التي استغاث للنفاذ من بين براثنها الخانقة في المقطع السابق ، يبدو أن لا خلاص منها . إنها لعنة ينهض فيها الوطن الميت من قبره ليلاحق هؤلاء المنفيين الممتحنين و ” المطرودين ” منه . إنه يتعقب خطاهم في المنافي البعيدة .. يطاردهم فيقض مضاجعهم .. وهم قد نفضوا أيديهم من مسألة العودة إلى أحضانه .. فقد مات وطنهم .. وقبله ماتت أهم المكونات التي تربطهم بأرضهم . فالوطن مفهوم مجرد لا معنى له من دون قرائن تعكسه أمام أعين أبنائه . قرائن أولها وأهمها المرأة / الأم / الأنثى الحبيبة التي هي الخلاصة الحية الفعلية والرمزية لكل معاني الوطن ، وهذه المرأة ضاعت ، وحملت الريح رماد جدائلها بعيدا .. والموقد الذي هو خلاصة حياة القرية صار مقتولا تحت جليد الجمر :
( حين حضنا نعشك
راحت تتكسّر تحت أصابعنا أجنحة الطير
وأحداق الأطفال
وأمواج النهر
فكيف نهضت .. ؟
وعقبت خطانا
نحن المطرودين … ورافقت تشردنا
أفكنت نسيتَ ؟
بأن رماد جديلتها حملته الريح بعيدا
والموقد مقتول تحت جليد الجمرات ؟ – ص 108 )
وحين نعود بنظرة تراجعية فاحصة فسنجد – وهذه سمة أسلوبية تميز قصيدة الياسري – فسنجد أن الشاعر يعمد إلى الطرق على عدد من المفردات المركزية التي يستخدمها بين مقطع وآخر ، أو بين بداية القصيدة ونهايتها . وقد استخدم مفردتي الرماد والموقد مرتبطتين في المقطع الثاني ، ثم جدّد توظيفهما في المقطع الرابع لكن منفصلتين هذه المرة وبصورة مغايرة عن التوظيف السابق . وتكون هناك عادة بنية تكوينية متسيدة في قصيدة الياسري ، وهنا تسيطر بنية ” الرماد ” إذا جاز التعبير . فكل المكونات التي كانت تزدهي بها حياتهم ، وتمنحها اسباب البقاء والديمومة قد أصبحت ” رمادا ” : القصب بلى وسيصير خشبا هشا ، وسنوات العمر باتت هشيما ، وأجنحة الطير اليابسة تتكسر تحت الأيدي المحتضنة ، والنسيان رماد الذكرى .. لكن الإفصاح عن المحنة في بعدها التسلطي الطغياني والإضطهادي يصل أكمل أشكاله في المقطع الختامي ، حيث يعلن الشاعر أن شقاءهم – هم المنفيون – لا حلّ له ، فعشق بلادهم يسحبهم إلى أحضان أرضهم .. ورغبتهم في الخلاص من سكين الطغيان المصلتة على رقابهم تدفعهم بعيدا .. بعيدا إلى جحيم المنافي .. فياله من عذاب :
( ما أشقانا أن نتوزع بين اثنين
عشقكَ
والهرب اليائس من
نصل السكين – ص 108 )
وفي قصيدة ” الأصدقاء ” التي يهديها إلى أشقاء اللعنة ، يصبح الإنفصال عن الأحباب نهائيا بعد أن ابتلعتهم المنافي ، وضاعوا في حين أن قلبه يطلبهم مستعينا بالنداء الشعبي الجنوبي الحارق :
( في الليل طلبتكم روحي
…………………..
يا هذا الطائر
يا قلبي
……………
أنت تغامر
لا البحر
لا صهوات الريح التعبى .. تعرف
أين ..
يقيم حزانى هذا المنفى ؟ – المرأة – ص 117 )
ولأن المرأة هي شريكة محنة الشاعر بكل صورها ، وتقاسمه رغيف العذاب والخيبة ، فهي لابد أن تكون رفيقة جحيم المنفى . هذا ما يعلنه في قصيدة ” بوابة الحلم ” الذي يتنقل فيه بين مفهومين للمنفى . في المقطع الاستهلالي يدعو شريكته إلى أن تتخلى عن حلم العودة ، فقد افترقا عن وطنهما الذي أشاح بوجهه عنهما ، لأنهما اختارا شهقة السفر . أي أن هاجس الرحيل المبكر لم يعد فرديا كما في النصوص السابقة ، بل مزدوجا ضحيته الشاعر وحبيبته :
( لا تحلمي
وانتزعي من جفنك المثقل بالحجر
عباءة المطر
فنحن مذ مرّغ كوخنا جبينه
بشهقة السفر
أشاح عنا وجهه الشجر – المرأة – ص 123 ) .
ولست مبالغا إذا قلت أن الشاعر – أو لاشعوره العاري في لحظة الخلق – كان يستشرف حتى المكان البارد الموحش الذي سيستقر فيه وهو الآن ” كندا ” . أو أي مسمى آخر تتوفر فيه الأجواء الثلجية نفسها . قد يكون هذا التصور – تصور الشاعر عن منفاه المقبل بعد عقدين من الزمان – مستقى جزئيا من الصورة النفسية النمطية – stereotype للمنفى ، المناقض لدفء الرحم الأمومي وخصائصه الحمايوية المطمئنة ، فيكون المنفى بخلاف ذلك موحشا باردا ثلجيا يغزوه عثّ الخوف :
( أيتها الظلمة
يا عواصف الثلج
ويا شتاءات ليالي الوجع المجنون
نحن هنا
نجمد تحت هذه السقوف
نبحث …..
عن زاوية تخلو من البرد
وعثِّ
الخوف – ص 123 )
وإذا كان يواجه ضيم المهجر مع آخرين يلاحقهم شبح وطنهم ، فإنه الآن -وبعد أن تقدمنا خطوات نصية طويلة في معالجة هاجس النفي والاغتراب المبكر – يواجهه مع ” رفيقة المنفى ” كما يناديها ، يبكيان معا لأنهما هجرا عشهما القديم ، وصار قدرا عليهما أن يظلا مأسورين خلف الأبواب ، أبواب المنفى التي تذكرك بتلك الغابة الملعونة في الليالي العربية والتي تحيل كل شيء إلى حجر .. وهنا تجعل أصابع غولة المنفى كل شيء في حياة رفيقي المنفى إلى حجر : الأحلام والأزهار .. وحتى هما نفسيهما ، فصارا حين يحاولان أن يتعانقا ، يعانقان الحجر . لكن ما هو جديد في تشكيل الشاعر لصورة المنفى الآن ، هو أنه يعلن لحبيبته أنهما عندما كانا يعيشان في وطنهما ، إنما كانا في حقيقة الأمر يعيشان في المنفى المقابل الذي تحول من واحة للدفء إلى غرفة حجرية بجدران خانقة :
( تذكرين الكوخ
كان واحة من الدفء
ومأوى
لعصافير نعاسنا اللذيذ
كان ناعما كما العش على جدائل الأغصان
فمن أبدل سعفه الغضّ
بهذه الجدران ؟ – ص 125 )
وهنا يتضح تصميم البنية المناسبة للقصيدة والتي تتشكل تلقائيا حسب حفزات وصراعات لاشعور الشاعر وواقعه المخرّب ، ففي هذه القصيدة نلاحظ ما يمكن أن نسميه بـ ” البنية الحجرية ” ، فقد استهل الشاعر القصيدة بمفردة الحجر وصعّد سطوة الحجر القاسي في المقطع الثاني عندما حوّلت لعنة النفي كل شيء : الأحلام والأزهار … إلخ إلى حجر ، ولكن لأن كل الأشياء الطرية الغضة تحولت إلى أشياء قاسية متصلبة فحتى سعف الكوخ الغض تبدل إلى جدران اسمنتية .
لكن الياسري يقدم خلطة عجيبة ، مزاوجة مدهشة بين مسارات قصيدتيه ” وجه القرى ” و ” بوابة الحلم ” وكلاهما من مجموعته ” المرأة مملكتي ” ، ليقدم نصا مذهلا في مجموعته اللاحقة ” شتاء المراعي – 1992 ” هو ” أيتها القرى .. لقد أتعبتني ” . فإذاكن يخاطب في النص الأول وجه قريته فإنه الآن يخاطب قراه بأجمعها ، شاكيا إليها تعبه وعناءه حيث خذلته قدماه وهما أداتاه في السفر الطويل :
( قراي ..
خذلتني قدماي – ص 71 )
ومأزقه هنا مثل مأزقه هناك : كيف يحصل على النسيان ، نسيان يصفه بروعة بأنه جرّة الماء التي تطفيء موقد الذاكرة ، هل قالها أحد قبله ؟ كلا . إنه يستجدي كسرة من رغيف النسيان ، فهي التي ستوفر له أسباب البقاء وستملأ فكي الذاكرة النهمين :
( إني أتسول كسرة نسيان
لا شيء
سوى كسرة نسيان
جرّة ماء
تطفيء موقد ذاكرتي – ص 72 )
وهكذا في تطابقات كثيرة بين النصّين ، ولكن الإختلاف الكبير بينهما يكن في أن الشاعر قال وداع الوجه قريته من أجل الخلاص من نصل السكين ومن موات الحياة في قريته وهمودها ، هرب إلى المدن الحدودية ثم إلى المنفى مُختارا ، ورفع تلويحة الوداع الاخيرة ، لكن الرحيل هنا جاء من قراه ذاتها ، هي التي طلبت منه أن يغادر ، هي التي ودعته ، بشرطين أن لا يستبدل رائحتها ، وأن لا يشكو هربها من صخب الشارع :
( في يوم ما
قلت : ارحل
لكن ….
إحذر أن تستبدل رائحتي
أن تشكو هربي
من صخب الشارع
ودخان المقهى – ص 72 و73 )
وقد فعل ذلك استجابة لتحذيراتها، لكن كيف كانت النتيجة ؟
جاءت النتيجة مدمرة وساحقة ، وثبت أن الأمر ليس رحلة سهلة ، ولا هي سفرة سياحية لا وعد لنهايتها كما يتصور البعض ممن ينطلقون فرحا في حافلات الهجرة . إنه المنفى يا ” عالم ” .. في المنفى يا صاح تتحول سنوات عمرك إلى جثث تحاصر بابك ، وتتساقط سنبلة حبيبتك مرتجفة مذعورة بين يديك ، ولنهر الأغبن الذي يروي صحراءك يرقد ميتا فوق ذراعيك . والموت – هنا – ” يستفرد بك ويوليك ” وحيدا عاريا . الموت يخشى الأم عادة فهي الوحيدة التي تستطيع أن تركّب ترياقا ناجعا لسمّه الفتّاك ، ترياق العودة السحرية الرمزية إلى الرحم عبر دخان بخورها ودفء ثوبها :
( الموت مخيف
كنتَ .. إذ يتجول بجوار الأكواخ
تضمين غصون طفولتنا
تحت دخان بخورك
تلفين علينا ثوبك
وتعاويذ السحر – ص 73و74 )
وإذا كان إنقاذ وجوده يتلخص في كسرة نسيان يستجديها ، فإنه صار يشحذ حتى النوم لساعة واحدة ، والنوم غطاء النسيان ، يشحذ حتى كسرة موعد مع امرأة يحاول تقبيلها فلا تنهره أحجار قراه ، لأنه سيخل بشرطها الأساس ويستبدل رائحتها ، فالقرى أناث ، القرى أمهات لا يتحملن وجود أي شريكة في أبئائهن . وقد غفل نتائج وافقته على الولاء المطلق لقراه الأم اللائي لن يستبدل رائحتهن ، لم يدرك ما سيحصل له حين يكون مثبتا على قراه البعيدة ، وها هو يشكو معاتبا :
( آهِ قراي
ماذا أبقيت لي غير جليد القلب
ووحشة منفاي – ص 74و75 )
والمشكلة أنه يسير بقدميه إلى خرابه كما يُقال ، فيقيد وجوده في المنفى بقيود اشتراطات جديدة لقراه تمعن في إرباك حياته ، فهو ينفذ في الواقع شرطها الأول في أن لا يستبدل رائحتها ، يطبق وصيّتها بأن لا يوقد في ذاكرته ليلا غير شموع ذكرياتها ، وأن يعتزل الناس نهارا ولا يصاحب إلا مخلوقاتها . فأحالت هذه القيود حياته جحيما . فمن الصعب أن تحمل إرث أم وأنت في أحضان أم ” أخرى ” . إنه مثل قيام الشاعر بكتابة الشعر بلغة غير لغته القومية ، عملية يقول عنها رسول حمزاتوف : ” أشبه ما تكون بإنسان غادر موطنه وتزوج هناك ، ثم أخذ يدعو حماته أمه . أنا لست ضد الحموات ، لكنه لا أم إلا الأم ) . إرث الأم الأصلية مدمر بالنسبة للمهاجر الذي يحمله معه . والمشكلة أنه مثبت عليها أصلا بصورة مميتة فلا يستطيع – ولو أنه يتمنى – أن ينفض عنه اسمها كما يفعله آخرون من المهاجرين معه . لكن إسم قراه / الأم هو في الواقع اسمه ، هو ملامح وجهه ، وولاؤه هذا هو الذي يجعل لسان أمواج ذكرياتها يثرثر في عقله طوال الليل كاللعنة كما يصفها بحق ، وهو يتسول الآن عتقها له ، ولاحظ كيف يصر على تكرار الفعل ” أتسول ” ، من تسوّل كسرة النسيان ، ومرورا بتسول ساعة نوم ، ووصولا إلى تسول التحرّر من قبضة ذكريات القرى الأم :
( أنت اللعنة
مذبحتي اليومية
إني أتسول عتقك لي
مادام يثرثر موجك بين ثيابي
لن أُترك
أن أحيا … بسلام – ص 76 )
أما الشرط الوصية الثانية ( أن لا تشكو هربي من صخب الشارع وضجيج المقهى ) فقد أوقعه بين مخالب الوحشة القاسية :
( قراي :
معذرة
الوحشة قاسية
وأنا وحدي
ليس معيبا أن أضعف
التجوال بعيدا عن صخب الشارع
وضجيج الأسواق
يؤرثني الجوع
وأنتِ
تمضين بعيدا بي عن هذا – ص 76و77 )
وإذا كان في القصيدة الثانية قد استشرف حالة منفاه الجغرافية الباردة المثلجة التي استقر فيها الآن ودمّرت جسده ، فإنه الآن يستشرف المضاعفات النفسية المخربة التي واجهها لاحقا – ليس هو فحسب بل كل مهاجر وعليها يتوقف نجاحه في توافقه المستميت – في المنفى ، وذلك بعودة موفقة إلى رمز ” الرائحة ” التي يلخص من خلالها كل معاناة المهاجر :
( رائحتنا لا يألفها الناس هنا
شكل ملابسنا
بهجتنا
والتطواف
بعيدا عن صخب الشارع
يجعلنا مكشوفين لبرد الليل – ص 77 )
وفي هذا النص كثّف الحضور الأنثوي المشارك والفاعل في القصيدة الثانية التي أشرت إليها ، بالقرى الأم التي وسّع معانيها لتكون أشمل من حضور أنثى مجردة ، فقد كانت بيته ، وسفره اليومي ، وبكاءه في أحضان المرأة ، ورائحة جسده الطينية .
وعودة إلى موضوعة البنية الحاكمة يمكننا القول أن الشاعر قد وفر لقصيدته بنية أساسية يمكن وصفها بـ ” البنية الروائحية ” ليس لتكرار مفردة ” الرائحة ” مرات عدة فقط ، ولكن لأن أغلب ما فيها مشتق من المحنة الأساسية في تعارض مسار رائحتين بمعناهما الوجودي الموسع : رائحة قراه التي تأبى التلاشي في واقعه الجديد ، ورائحة جسده التي لا تقبلها القرى الجديدة رغم تمنياته . وعندما لا تأتي مفردة الرائحة العامة تأتي مفردات البخور والموج والماء والثرثرة والنهر .. إلخ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.