شَغَبُ الرِّيح
شعر: سمكو محمد
تعليق وترجمة: جمعة الجباري

jumaa aljbariيلاحظ القارىء المتأمل لاشعار المثقف الكوردي (سمكو محمد – 1969 كركوك) انه ينحى المادية الجدلية (الصاعدة والهابطة – برأي افلاطون) في قصائده، التي لاتني؛ تصاحب صخب الحياة اليومي، وضوضاء المدينة القذرة:
“بينَ ضَوضاءِ المدينةِ ومَعشوقتي العَجولة
اتَجَرَّعُ الخجَل، لانني أكادُ انسى العشق
فمع تداول العملات؛ تلاشى العشق”

وهو اذ يعيش في عمق العشق المفعم بالجمال وديمومة الحياة الانسانية الجميلة بكل معانيها؛ يعود ليجادل بـ (هبوط) مؤشر الحب ومعشوقته العجولة في بودقة الخجل جراء مادية المدينة وضوضائها المفرط، وحيث يتلاشى العشق ويبرز التحجر ويلبس الناس اثواباً غير اثوابهم، وينتهجون سلوكاً غير سلوكهم، ويعيشون حياةً غير حياتهم، التي كانت فيما مضى عبارة عن البساطة و الحنية والصدق والغيرة الانسانية؛ فقد اصبحت كل تلك الصفات الانسانية الجميلة، التي تزين الحياة بهالة ملونة؛ كومة من الوحشية وصفات الغاب! في ظل العيش داخل ضوضاء المدينة وصخبها وسط مشاغبيها ومسؤوليها والحاشية المفترية المتأنفة بتزيف، لتصبح الحياة عبارة عن جملة من الافتراءات، والتودد الزائف والعشق الممنوع البعيد عن العذرية الاصيلة:
“ما تفعله معشوقتي..
يشبه اعمال
المشاغبين..
من قهر انفسهم يطوون خرق الاخرين
من قهر انفسهم يلطخون أفاريز الاعداء بالطين
من ياترى يقدر على سماع كل شىء بدون المعشوق
من ياترى يقدر بين حشود المدينة.. ايجاد شخص فذ؟
لا اظن هناك احد..!
و اصبحت الحياة متشابكة لا اعرفها”
والمتأمِّل في طبيعة الثقافة التي ينتجُها التقدم التقني اليوم، يلاحظ أنها تتعامل مع الإنسان كما لو أنه آلة أو حاسوب، لا يحتاج سوى أن يتمَّ تلقيمُه بالمعلومات، دون الأخذ بعين الاعتبار أيًّا من احتياجاته الروحية أو النفسية، ودون النظر إلى موروثه الثقافي أو التاريخي، ودون الاهتمام بالفروق الشخصية التي تميِّز كلَّ فرد عن غيره، أو- والأهم من ذلك كلِّه- دون وضع أيِّ تصور للمآل الذي سيؤول إليه مصيرُ الإنسان:
“يا معشوقتي
(دعنا لا نذهب الى المدينة.. سنضيع)
لانذهب الى المدينة يا جبان، يا كذاب، يا طماع، بلاضمير،
سنصبح قتلة الروح”
ولكن ذلك كلَّه لم يجعل الإنسان أكثر سعادة مما مضى، ولا أكثر قدرة على التكيُّف مع العالم من حوله، ولم يساعد على إطلاق طاقاته الهائلة المحبوسة في أعماقه؛ كما لم يمكِّنه من الاقتراب من تحقيق حلمه الأزلي في العدالة والحرية. وليس أدل على ذلك أكثر من هذا الشعور بالخواء واليأس الذي نلمسه في قصائد سمكو محمد، وكذلك الازدياد المفرط في حالات الكآبة والعزلة والجنون والانتحار التي أصبحت من أهم علامات المجتمعات الحديثة – مما يعيد إلى الأذهان تلك الصيحة التي أطلقها الفيلسوف اللاهوتي الدانماركي (سورين كيركغور) ذات يوم: “إن الرغبة في المعرفة قد أنْسَتْنا معنى الوجود”:
“سنصبح مغرورين لدرجة لن نستطيع اكل خبز الشعير
وننام ليلة في بيت من اللبن
والانكى من كل ذلك؛ خوفي من زعل المعشوقة
اقوى من صخب المدينة
فات الاوان..”samko mohammad

أجد نفسي ملزمًا بالتوقف قليلاً، لأوضِّح الالتباس الذي يمكن أن يرد إلى بعض الأذهان، فأقول إنني أتحدث عن الشعر بمفهومه المطلق. ولا يعنيني هنا ما اصطُلِحَ على تسميته بـ”الشعر الفلسفي”؛ ذلك أن هذا الاصطلاح أُطلِقَ على بعض القصائد التي حاولت أن تشرح مذهبًا فلسفيًّا ما، أو تتضمن “حكمة أو فكرة أو تأملاً في أحوال الإنسان أو الوجود”. وبهذا الشكل فإن تلك القصائد لا تشكل – في نظري – سوى نظم لتلك المذاهب أو الأفكار؛ ومن ثم فهي مستبعَدة من دائرة الشعر الذي أقصده. وإنما أتحدث عن قدرة الشعر، من خلال طبيعته الشعرية الخاصة، على الغوص إلى أعماق الأسرار الكبرى في الكون والحياة. وربما كان (أرسطو) أول من انتبه إلى هذه الطاقة الفلسفية الكامنة في طبيعة الشعر نفسها، حين قال: “إن الشعر أكثر تفلسفًا من التاريخ وأهم لأن الشاعر يتعامل مع الكلِّيات.” فالشعر، بطبيعته: “ينطوي على الكشف” – كما يقول غوته، لأنه حين يتناول الجزء المفرد في طابعه الحي، إنما يستبصر، في الوقت نفسه، استبصاراً ضمنياً بالكلِّي الفعال المبدع في كلِّ شيء حي.
وكما يقول الشاعر والناقد الفلسفي الانكليزي (كولردج) فإن الشاعر هو: “فيلسوف على نحو ضمني غير صريح”. أما (شيللي) فيقول: “إن الشعراء فلاسفة بلغوا أسمى درجة من القوة؛ وإن الشعر هو مركز كلِّ معرفة ومحيطها “.
إن الشعر تأسيس للكينونة عن طريق الكلام. وقول الشاعر تأسيس ليس فحسب على معنى البذل والعطاء الحر، بل كذلك على معنى أنه يُرسي الوجود الإنساني على أساس متين… وأن نقيم على نحو شعري، معناه أن نبقى في حضرة الآلهة، وأن نعاني مجاورة الأشياء في لبابها وماهيَّتها …
إن الشعر هو الأساس الذي يسند التاريخ؛ ولذلك فهو ليس مظهرا من مظاهر الثقافة، وليس من باب أولى “تعبيرا” عن “روح ثقافة” ما. الشعر موقظ لظهور (الحلم) وماوراء الواقع، في مواجهة الواقع الصاخب الملموس الذي نعتقد أننا مطمئنون إليه. ومع ذلك فإن ما يقوله الشاعر وما يفترضه موجودا هو (الواقع).
ولو اضفنا قول الفيلسوف الالماني (هيدغر) حول الشعر لاقتربنا جداً من اسلوب شاعرنا (سمكو محمد) في كتاباته الشعرية، يقول هيدغر :”أما في الشعر، فالإنسان يركِّز ذاته على وجوده الإنساني، ويصل هناك إلى الطمأنينة؛ لا إلى تلك الطمأنينة الوهمية المتولدة من البطالة وفراغ الفكر، بل إلى تلك الطمأنينة الضافية التي يصحبها نشاط في جميع القوى والعلاقات”.

ولذلك فإن المقولات التي يتم ترويجها اليوم عن “موت الفلسفة” و”موت الشعر” ما هي إلا من قبيل إخلاء الساحة للقوى التي تفرض هذه العبودية، من خلال العمل على تجريد الإنسان المعاصر من أهم مصدرين من مصادر الوعي، الذي يمكن له أن يرسم مستقبلاً جديدا للبشرية، لا يلغي الجوهر الإنساني الأصيل، بل يعمل على استعادة أَلَقِه وإذكاء توهُّجه الدائم.
من هذا المنطلق؛ ومن اجل الاستمتاع اكثر بذهنية سمكو محمد في كتابة القصائد، ارتأينا ترجمة هذه القصيدة له، عسى ان نكون اقتربنا اكثر من خلالها الى جمالية النص وروعة الفكر الفلسفي، وجدلية الحياة عند الشاعر:

شَغَبُ الرِّيح

بينَ ضَوضاءِ المدينةِ ومَعشوقتي العَجولة
اتَجَرَّعُ الخجَل، لانني أكادُ انسى العشق
فمع تداول العملات؛ تلاشى العشق
معشوقتي.. كثيرة الشغب
فهي ليست خجولة مثل السابق لتصَالِحَني
ما تفعله معشوقتي..
يشبه اعمال
المشاغبين..
من قهر انفسهم يطوون خرق الاخرين
من قهر انفسهم يلطخون أفاريز الاعداء بالطين
من ياترى يقدر على سماع كل شىء بدون المعشوق
من ياترى يقدر بين حشود المدينة.. ايجاد شخص فذ؟
لا اظن هناك احد..!
و اصبحت الحياة متشابكة لا اعرفها
قناعة جميلة لو قلنا مثل “كايا”
يا معشوقتي (دعنا لا نذهب الى المدينة.. سنضيع)
لانذهب الى المدينة يا جبان، يا كذاب، يا طماع، بلاضمير، سنصبح قتلة الروح
سنصبح مغرورين لدرجة لن نستطيع اكل خبز الشعير
وننام ليلة في بيت من اللبن
والانكى من كل ذلك؛ خوفي من زعل المعشوقة
اقوى من صخب المدينة
فات الاوان..
عامٌ اخر، اذ لستُ في خيالها لتزورني؛
وقعتُ تحتَ رحمة سكاكين القصابين
القصابون الذين هم في خدمة
ذوي الكروش الكبيرة الذين
خيالهم مشغولة بالاضاحي.
عجبي!
مازال شىء عالق في ذهنية الناس
انَّ الحياة مازالت قائمة!
بيد أنَّه في النهاية
يصرخ الفرحُ بحزام ناسفٍ وبصوت مبحوح:
هناك حياة اخرى في الطريق…
ولكنْ لا أحد يعرف انَّ عرش الملك
وقع فيه شروخ وسط المدينة
والشُّبان الذين كانوا حتى البارحة مثلي
متحمسين للثورة
يعودون اليوم
بقصد الشغب الى الدراسة
ويبحثون عن العشق القديم
اليومَ يعودون الى المعشوقة،
الى القلاع البيضاء واثار اعتداءات الاعداء
اليوم يعودون الى الحقول المليئة بالبراءة
للفلاحين الذين خُدِعوا بالمدينة
اليوم يعودون للشرب من مياه تلك الانهر والينابيع
التي سدَّتْ ماسورات المياه
بمشاهدتي لتلك الصور؛
احسُّ بالغربة لماضيَّ
و الرغبة للجسم السليم
ورجالُ الامير المبتهجون.. ينعمون بالفسحة
ونساؤهم يتغنجنَ تحت الاوشحةِ
ويضحكنَ على صاحب الدكان النائم من الكساد
يتيبس حلقي من الحيرة!
اذ ارى الناس يتجددون من الجديد
ونحنُ نتعتقُ باستمرار
انهالَ فيضانُ الضَّحِك
يحملُ الدموع بقدر عاصفة آسيا
والناسُ يُغنونَ للغرب
اريدُ الابتعاد عن المكان الذي مهووس به
المشاغبون.
المعشوقة لاتدعني.. المدينة لاتدعني
بدل الغضب…
اهدي صورتي وصورة معشوقتي
التي وجدتهما في جريدة، بخلسة الى
المشاغبين
أعلمُ انهم ايضاً متعبون
هم يرون الجريدة كمائدة حرب
اخذوا قصطاً من الراحة فقط في خرابة
وفجأةً سمعتُ احدهم يقول عن الانثى
وعن طيب خاطر وهو يتعثر على السُلَّم:
“انهُنَّ ناعمات.. يَفِدْنَ لليلِ فقط”
ارى ذلك كجريمةٍ كبيرة
بيد انهم يبتهجون له ويصيبهم الفرح
فجاء ذات الشخص وقال:
المعشوقة لن تاتي اليوم الى المدينة..
اليوم دورُ الرجل
تغضبُ احداهنَّ بدلاً منه
تاتي وتحثني بصوتٍ عالٍ وتريدني
اعودَ للرجلِ الماضي
من ضحك المقاتلين والاسرى
الحشود والمشاهدين
رجال السوق وحريمُ الامراء
لايوجد احدٌ مثلهم يفزع امامهم
مازلتُ في صرح جدي
أفكرُ في الالعاب القديمة وألعابُ المدينة
وعادةً حتى بدل الامير
انحني اجلالاً لزوجتي
و التفتُ مرة اخرى
للمشاغبين
هنا؛ يعرفون حكاية مائدةٍ خالية من اللحم.
وقصابةٌ
لاتعرفُ غير ذوي العمامات
دوَّخَت محلة من رائحة الدم والقذارة
ومحلةً من رائحة الكبد والاحشاء والدخان
والحراس مثل الكلاب السائبة
يمزقون من الحسرةٍ البسة بعضهم البالية
راصدون الخيالات التي عدوة للمدينة..
هذا ليس بأمير وابنٌ للمدينة
الذنبُ ذنبُ غضبِ المعشوقة..
ذنبُ الذي حين يتغيَّر لون كل شىء مثل اللبان القديم
وطقطقة تكسر يدي و جرِّ شعر المعشوقة بيد شرطة الخيال
في المدينة
حجَّرَ قلوب الناس
وتكاد لا ترى دمعة في عين احد!
وبقدر قذارتها.. فالمدينة جميلة
بمشاغبيها
والمعشوقة بقدر المدينة
مشاغبة
………………………………………
كايا: هو الفنان الكوردي المعروف (احمد كايا) احد معارضي الحكومة التركية، والذي توفي في باريس.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.