تابعنا على فيسبوك وتويتر

nadhum 7أدركت توا أن “الناص” سلام محمد البناي لم يكن عابثا ولا مغيبا حين وسم قصائده التي دونها في مجموعته الجديدة ( بالياقوت تدلت عناقيدها ) بكونها جميعا تنتمي إلى (( نصوص )) وليس الى جنس أدبي آخر ، فهذه المجموعة التي صدرت ضمن سلسلة ( إبداعات عراقية ) التي يوالي نشرها اتحاد أدباء وكتاب كربلاء بدعم من مجلس المحافظة – ليت النشر والدعم يستمران !- جسدت مغزى ما أطلقه أدباء وأكاديميون كثرة – ومنهم الأكاديميان البارزان د مشتاق عباس معن و د امجد حميد عبد الله – من ان هذا الكاتب هو أول ناص في الأدب العربي المعاصر، كما ان هذه التسمية حققت استجابة مباشرة لما أراده الناقد الفرنسي ( بارت ) من مفردة نص ، أو من الذي يستخدمها ويعيها ، بان مفردة” نص” هي كما يقول ( سلاح في وجه الزمان، والنسيان، أو في وجه حذلقات القول) ولو إننا دققنا النظر في قول بارت لوجدنا فيه معنى مزدوجا : التذكير والتحذير : فأما الأول فهو يجهر لكاتب النص إلا ينزلق عن متطلباته والثاني فيه تحذير مبكر من ( الاستخدام الفاحش ) والمفردات والمعاني الخارجة عن معنى النص وتلازمه لجوهر التدوين .
وارى ان البناي كان مخلصا لقول بارت وتفهم بوعي مقاصده وتحذيراته في الوقت ذاته ولا اشك في انه كتب نصوصه ال ( 15 ) انطلاقا من تلك المقولة وترجمة لها وقد شخص بشكل مسبق وجهة واحدة لنصوصه هي: كربلاء! ولأنه ألزم نفسه وموهبته بان يكون ” بارتيا ” فقد دفع نصوصه لتجسيد هدف تعبيري واحد لا يكاد يغيره او يتشظى عنه وبذلك فقد حقق البناي مسعاه النصي منذ البداية وحمل لغته الوظيفة الوحيدة التي أرادها واعني بها أن يتمعن في المكان الكربلائي الذي يعيش فيه ويستخلص أفكاره منه بل ويعيده الى مرجعياته التي انسل منها ان كانت في ماضيه او في حاضره ، وهو لهذا خصص عنوانه الأول والإهداء ( وهما موجهان قرائيان خارجيان كما نعلم) ليحققا مسعاه وكنه نصوصه فهو ينصص العنوان هكذا ” بالياقوت تدلت عناقيدها ” إما الإهداء فيقول فيه” إلى … الياقوت ، والدمع ، والفرح ، في طرقاتها .. ” ولا شك في ان البناي لم يشذ في عنوانه وإهدائه عن هدفه المعلن ولم ينثر كلماته جزافا في عدة مجالات بل كان فيهما لصيقا بمكانه وانشد الى مدينة كربلاء بأكثر من صلة وفي مقدمتها الصلة اللغوية وحتى التشبيه كان موفقا فيه إذ لم يأت بمفردة ” الياقوت ” وكررها في العنوان والإهداء إلا بعد ان عرف جيدا أن الياقوت ( ولا سيما ان كان أصليا ) هو من الأحجار النادرة والثمينة في زمننا وليس من اليسير الحصول عليه او التفذلك باسمه !.
في نصه الأول ( نافذة ) يتحول ” الناص ” سلام محمد البناي الى راصد مجدب يبادل مدينته كربلاء النظرات والخشية من ان تكون كأزقتها النازفة وانهرها المنسية وصمت أسئلتها ومحطاتها المرمية على الطريق فهو بهذا الرصد الحزين إنما يقيم بكائية نصية لمحنة مدينته الراهنة :
(( قبلَ أن تستيقظَ أرغفتُها
تلمُ المدينةُ حريرَ ليلِها،
وتتحسسُ جريانَ همومِها.
وعلى مجسّات الأرصفة ِ،
حطَ عطرُ المسافات ِ
فانتبهتُ ……..salam mohammad albannai
رأيت جدب روحي،
و صهيلَ الأنهار المنسية ،
والبقايا من أزقة النزيف .
وقفتُ أمام صمتِ الأسئلة ِ،
ومن نافذةٍ عتيقةٍ ،
نظرتُ إلى العدم الآخر
من الأمنيات ِ
كانت المحطات ُ
المرمية ُعلى الطريق،
تلتهمُ خطواتي …)) .
وان كان هذا الراصد قد اندحر في داخله من جنوح مرأى مدينته كربلاء إلى مشهد خراب بيئي وجمالي وزمني فهو ينعى هذه الخلاصة – وان جاءت بأشكال أخر – في نصوصه الأخرى مثل ( لم يكن معي غيري / ومضى / زاوية جنون/ سارية الطفولة / هذا وقت المضي إليك ..) كأن الناص قد وقر ذاته على الاعتراف جهارا بسبب ان ما تغلغل فيه لم يعد فيه قدرة على التعايش معه او يتنكر لمرئياته فيلفظه مصارحا الآخرين ضمن أعمال ندوة عامة : ((حاولت من خلال نصوص المجموعة ان أركز على المكان ومحاكاته من خلال المدينة التي منحتني الفرح مثلما منحتني ملامح الحزن والتشظي في طرقاتها وأعني بها كربلاء كما فتحت نوافذ أخرى على الإنسان ومعاناته )) بمعنى آخر تحولت نصوص المجموعة هذه الى الكشف عن خفايا المدينة وضحاياها والنفاذ الى أس الفرح / الحزن ومعاناة الإنسان فيها او بسببها كما جاء في نصه المعبر باسم (( تتدلى عناقيدي)) :kh salam albannai
(كنتُ صغيرا ً
حينما تدحرجتْ صرخاتي ،
وعرفتُ أن البكاءَ
قرب َالنحر ِ
يجعلُ النهرَ يهتفُ :
أيتُها المدينةُ التي لا تشيخ ُ
كأنكِ الآن تستريحين ،
تؤذنين …
ترفعينَ خوذتكِ للسماء ،
وتجلسينَ ،
عرشاً للانتظار !)
وإذ يلحظ المتلقي ، صادقا ، تلك النبرة التشاؤمية التي مررها الناص عبر أبياته أعلاه فإنها علامة نصية على قدرة الاستذكار الطفولي ان يوائم موبقات اليوم وألا يخالف الاستذكار البعيد ما تجري به اللحظة من ألام تختض بها ( المدينة التي لا تشيخ !) ولا ينبغي ان يطمئن المتلقي او ينساق لهذه النبرة التشاؤمية ( فهذا يخالف الصورة النمطية التي ارسمها لهذا الشاعر الحالم كلما رايته او كلمته فهو يكتسب صفة الأناقة والوداعة ) ذلك انه ظهر لي في هذه المجموعة أن بإمكانه ان يحدث انقلابا في الوعي و يرسم صورة مغايرة لما جرى إشاعته قبلا وهذا ما سنقرأه في خاتمة نص “لم يكن معي غيري ” فالذي يقرا هذا النص – وخصوصا الربع الأخير منه – سيندهش حتما من الدورة الانقلابية التي تمركز فيها الناص وحمل فيها بذور المتفائل ونثرها بوجه المتلقي فإذا بحاله يتغير الى النقيض! وليس هذا الشعور محصور بهذا النص فقد تكرر مع نصوص أخر مثل “زاوية جنون ” و ” هذا وقت المضي إليك ” و ” ثمة ما يدعونا لهذا” وغيرها من النصوص التي نرى فيها أنفسنا على خطل كبير لو حسبنا المؤلف – استنادا لبعض رؤاه ونصوصه- مع جماعة المتشائمين !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

ثمة ملمح فني شديد الأهمية هنا ولا بد من تسجيله قبل ان أفارق الحديث وهو تعلق الناص سلام محمد البناي بالضمير ” أنا ” او كما يطلق عليه بضمير المتكلم ( الضمير الأول ) والذي يقرا نصوص المجموعة سيخرج بانطباع مبرهن ان هذا الناص يكثر من تدوير ضمير المتكلم في مختلف النصوص التي يكتبها – حتى خارج هذه المجموعة – وهو يفعل ذلك بقصدية وتصميم مسبقين للدلالة على ان هذه النصوص تنبع من ذاته وتترجم ما تشعر به اناه ولم تأت استجابة لطلب الآخرين وان اختياره لهذا الضمير من دون سواه ( مثل المخاطب أنت والغائب هو ) إنما هو استبعاد لمسؤولية الأخريين عن ( محنة الاختيار والتعبير ) وحصرها في ذاته التي تتنصدى فرديا لإماطة اللثام وربما الفضح لتلك المرئيات التي قبضت عليها ذاته وهي ( تتدلى من تحت عناقيدها) !.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"