د. محمد عبد الحسين هويدي : الاغتراب في شعر مظفر النواب “الوتريات الليلية أنموذجاً” (2/2) (ملف/9)

mohammad abdulhussein mahdiإشارة :
إذا كان نزار قباني قد ألبس القصيدة الغنائية قميصا وبنطلونا وجعلها تتجوّل في الاسواق، فإن شاعر العراق والعرب الكبير مظفر النواب قد جعل – أوّلاً – القصيدة السياسية شريانا يمتد بين قلب الإنسان العربي وقضيته. كان أشرس من مرّغ أنوف الملوك والرؤساء المتخاذلين بلا هوادة. وثانياً فإن ثورة النواب العامية هي ثورة إبداعية كبرى لم تبزها حتى اليوم أي ثورة أخرى في الوطن العربي. وثالثا، فإن النواب هو الأنموذج العملي الجسور للشاعر الشجاع الثائر الذي حمل قضية أمته من العراق إلى ظفار فأرتيريا ففلسطين حيث قلب القضية. أعاد مظفر للشعر كرامته النضالية المهدورة. فتحية له في محنته. تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح زمنيا بالدراسات والبحوث والصور والوثائق.
الدراسة :
الاغتراب الديني :
عند الحديث عن الاغتراب الديني في مطولة “الوتريات الليلية” يجب استحضار أمرين ، أولهما : انتماء الشاعر للحزب الشيوعي وهو ما يجعله يصدر سياسياً وفكرياً وعقائدياً عن نظرية حزبه في رؤيته للمسألة الدينية وتفسيرها ، والأمر الثاني : يتعلق بتفسير الباحثين لقضية “الاغتراب في” و “الاغتراب عن” .
وفيما يخص الأمر الأول فنظرة الشيوعي إلى الدين مبنية على وفق وجهة نظر الفيلسوف الألماني “هيغل” ، الذي دار تفسير الظاهرة الدينية عبر منهجه في الجدل (الديالكتيك) حول محورين ، الأول : محور “الحرية” وماتعنيه من امتلاك الفرد لذاته امتلاكاً كاملاً تاماً واعياً(49 )، والثاني : محور الاغتراب ويعني (انفصال الإنسان عن ذاته وأفعاله والآخرين ، بحيث تصبح هذه الأمور وكأنها غريبة عنه وعدو له ، وقد يؤدي انفصال الإنسان عن ذاته وضياعها إلى الوقوع في العبودية بشتى أنواعها)(50 ).
وأول ما يمكن ملاحظته على الشاعر في هذه المطولة هو بحثه الدائم عن الحقيقة ، وإقراره بأنها غير متيسرة وربما تنتهي بالشاعر إلى الفوضى ، أما طريقة الأداء الفني فيجهد الشاعر أن يجعلها غامضة ، محاكياً بذلك غموض الفكرة نفسها وموازياً بينهما فيقول : (هل تصل اللب / هناك النار طري / ويزيدك عمق الكشف غموضاً / فالكشف طريق عدمي / وتشف بوحيك / ساعات الليل الشتوي غموضاً / هناك تلاقي النيران / وتعتصب الكلمات / وتصبح روحي قبل العشق بثانية / فوضى )( 51).
وفي موضع آخر يختار الحرية ، فيكون ذلك سبب اغترابه المباشر عن الدين ، ويعلل اختياره بكون المتدينين مذنبون ، بدلالة سجودهم خوفاً من ثقل الذنوب التي ارتكبوها فيقول : (لا تلم الكافر / في هذا الزمن الكافر / فالجوع أبو الكفار / مولاي !! أنا في صف الجوع الكافر / ما دام الصف الآخر / يسجد من ثقل الأوزار)( 52)، ولا يكتفي الشاعر بالإشارة العامة الغامضة للـ “الصف الذي يسجد من ثقل الأوزار” بل يسميه ويسمي رموزه ويعلن أنهم من يمسك بركاب “الرأسمالية” ولهم أتباع في المنطقة العربية وهو في ذلك يعتمد الوظيفة الإبلاغية المباشرة للشعر من دون حذلقة أو ميل لأداء فني عالٍ فيقول :(دعاة الدين الأمريكي بمكة / عشرون على لحية قابوس مزاد علني / سبعون على أسد العلم الإيراني / هيّا / تسعون على مؤتمر القمة)( 53).
وفيما يتعلق بناحية الأداء الفني ، فأن الأمر لا يستمر دائما ضمن أطار اللغة اليومية ، إذ يوظف الشاعر التاريخ عبر الحكاية الدرامية التاريخية بشخوصها الممثلين لرموز الخير أو الشر مؤكداً انتماءه لهم ولفهمهم للدين ، مستهجناً في الوقت نفسه النماذج المنطفئة فيقول وهو يستوحي شخصية (أبو ذر الغفاري): (وأرى تاريخ الشام ملياً / وأكاد أقلب أوراق الكرسي الأموي / وتخنقني ريح قرة / تنفرط الكلمات / وأشعر بالخوف وبالحسرة / تختلط الريح بصوت صحابي / يقرع باب معاوية / وينادي بالثورة / ويضيء الليل بسيف / يوقد في المهجة جمرة)(54 )، وهكذا نجد أن طريقة الأداء بالشكل التراثي لدى النواب تجعله (بعيداً عن الفهم المسطح للثقافة التراثية لأنه من أكبر المحرضين على غربلة اللغة الشعرية وتنقيتها من الشوائب والحشو وجعلها أقرب إلى الجماهير)( 55).mothaffar 3
ولم يكن طلب الشاعر للحرية انفلاتاً من الدين و”اغتراباً عنه” ، وإنما نجد الأدلة تتعاضد لدى الشاعر لتؤكد أن ما يفعله هو الرؤية الصحيحة للدين ، فالارتباط بين المخلوق والخالق لايستدعي واسطة أو طقوس ، وإنما هو رؤية صوفية ، ويؤيد ما يذهب إليه مواقف بعض الرموز والشخصيات التاريخية المتميزة في تاريخ الدين الإسلامي ، أما الأداء الفني فينتهج توظيف الحدث التاريخي ويفيد من كثافة إيحائه الذي تقدمه الحكاية يقول : (أنا أنتمي للجموع التي رفعت قهرها هرماً / أنا أنتمي للجياع وإلى من سوف يقاتل / أنا أنتمي للمسيح المجدف فوق الصليب / ….. وظل به أمل ويقاتل / لمحمد شرط الدخول إلى مكة بالسلاح / لعلي بغير شروط / أنا أنتمي للفداء لرأس الحسين)( 56)وهذا ما يتعلق بالمحور الأول الذي تحدثنا عنه ، وهو محور الانتماء الفكري والعقائدي الذي يدور بين “الحرية” و “الاغتراب” .
فإذا انتقلنا إلى المحور الثاني المتعلق بوجهة نظر الباحثين في “الاغتراب عن” و”الاغتراب في” ، فسنجد أن أحد الباحثين يجعل من “الاغتراب الديني” سبباً للاغتراب الأول الذي عرفه التاريخ الانساني ، وقد تمثل بطرد الإنسان من الجنة ، حيث انفصل الإنسان عن جوهره وعالمه الإلهي( 57)، في حين رأى بعض الباحثين : أن مفهوم الاغتراب الديني جاء عندما حاول الإنسان نسبة كل ما هو سامٍ إلى قوة تقع “خارج ذاته” ، وبذلك نشأ ما يسمى بـ “خضوع الانسان” وانقياده إلى سلطة تقع “خارج سلطة عقله”( 58).
ومن المدهش أن نجد في “الوتريات الليلية” اغتراباً قوياً “في الدين” ، أي اغتراب التماهي والانتماء وليس “اغتراب الانفصال” ، فالشاعر ينتمي إلى الدين بصورته المثالية الصادقة ، ويصل هذا الانتماء إلى حد التصوف والانصهار والذوبان في الذات الإلهية ، وهذا لم يكن أمراً متوقعاً من شاعرٍ ينتمي إلى الحزب الشيوعي , وهكذا نجده يجعل الدعوة إلى الله والحب والثورة شيئاً واحداً لا فرق بينها فيقول : (أنا في هذي الساعة بوح أخرس / فوق مساحات خرساء / أتمنى عشقاً خالص لله / وطيب فمٍ خالصَ للتقبيل / وسيفاً للثورة)( 59).
وتتجسد فكرة “الاغتراب في الدين” لتصل إلى لحظات صوفية خالصة ، فكأننا إزاء أحد شعراء الصوفية الذين يؤمنون بنظرية الحلول ، فنسمعه يقول : (أنا مطلقك الكامن في الإنسان / توجهت إلى المطلق في ثقة)( )، أو قوله وهو يشير إلى أحد رموز الصوفية محاولاً الامتزاج به :(هنالك في أقصى قلبي / دفنوا رابعة العدوية / وبكيت وشب الدمع لهيباً / وكشفت مقابر عمري في غسق / لتراني شوكي الشفتين غريباً)(60 ) .
وفي أحيان أخرى يظهر الانتماء الديني أو “الاغتراب في الدين” كما أسماه الباحثون على شكل دفقات من الدعاء الصادق والتضرع لله طلباً للنجدة والنصرة ، فيقول : (ناديت آله البر سيكتشفوني / وسأقتل في البر الواسع / والريح على أفق البصرة تذروني)(61 ).
ومن الصور الأخرى المظهرة للاتحاد بالدين ، ما يظهره من حرص في تكوين لون من الالتصاق أو المزاوجة بين مظاهر القدرة الإلهية والأشياء الجميلة المحببة لنفس الشاعر ، مظهراً بذلك لمسات الجمال في كليهما فيقول : (تعال لبستان السر / أريك الربَّ / على أصغر برعم وردٍ / يتضوع من قدميه الطيبُ / قدماه ملونتان / بشوق ركوب الخيل)( 62)، ومنها أيضاً (صنعتني أمي من عسل الليل بأزهار التين / تركتني فوق تراب البستان الدافئ / يحرسني حجر أخضر)( 63) .
وانطلاقاً مما (للقرآن من تأثيرٍ بالغٍ في لغة النواب ، ألفاظاً ، وقصصاً ، وإشاراتٍ ، ومصطلحات)(64 )، فالشاعر يتقمص بعض أساليب القرآن الكريم ، كاقتباسه أسلوب “آية المشكاة” من “سورة النور” [الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ….](65 ) فيقول النواب محاكياً هذا الأسلوب :(فوراء محيطات الرعب المسكونة بالغليان / هنالك قلعة صمتٍ / في القلعة بئر موحشة / كقبور ركبن على بعض / آخر قبر / يفضي بالسر إلى سجنٍ / السجنُ به قفصٌ تلتف عليه أغاريدٌ ميتةٌ / ويضم بقية عصفور / مات قبيل ثلاث قرونٍ / تلكم روحي / منذ قرونٍ دفنت روحي)( 66)، وعلى الرغم من احتشاد روح التشاؤم في المقطوعة السابقة وبعدها عن تفاؤل الثوري المبشر بالتغيير ، إلا أن محاكاة الطريقة القرآنية وتوظيفها يظهر لنا حالة من حالات التأثر بالنص القرآني ، وهو ما يدعم جمالية الأداء لديه وتخليصه من التقريرية والمباشرة وإدخال المتلقي في مساحات إدهاش جديدة تغير إيقاع الصور المألوفة لديه .
رابعاً : مواجهة الاغتراب :
كان لابد للشاعر من وسائل يواجه بها ألوان اغترابه المختلفة ، لأنه لو سلّم لها لانتهى وتلاشى ، و(هناك نقطة تجمع الشعراء المغتربين سياسياً ، هي رفضهم للقسر السياسي بمختلف مراحله وأنواعه ، ومحاصرة الشاعر جعلت حبه للوطن مقرونة بالموت المفروض من الخارج ، فتتعالى أزمته النفسية وهو ما يؤدي به إلى اليأس والقنوط ، فالاغتراب هو رد فعل على العجز السياسي لمجتمعه)( 67).
ولقد كان من بين الوسائل التي واجه بها النواب اغترابه “المجون” ، وقد تمثل ذلك عبر ولع الشاعر ببعض سلوكيات الفوضويين وشذاذ الآفاق ، ويعد ذلك ردة فعل على واقعه الرديء ، إذ يقول : (أنا قلت بذيء رغم بنفسجة الحزن / وإيماض صلاة الماء على سكري / وجنوني للضحك بأخلاق الشارع والثكنات / ولحس الفخذ الملصق في باب الملهى)( 68).
وأول آليات المجون التي يواجه بها الشاعر اغترابه ، هي ولعه بـ “الخمر” تخلصاً من خوفه القدري ، يقول :(مادام هنالك ليلٌ ذئبٌ / فالخمرةُ مأواي) (69 ) وتتحول “الخمر” لديه إلى أنيس للوحدة وعالماً قائماً بذاته ، يصفه : (وبقيتُ / أحدقُ في الخمرة وحدي / وغمست يديّ / وبصمت على القلب / سأسكر … أسكر …. أسكر… أسكر / فالعالم مملوء بالليل)(70 )، ونحن نرى تكرار إيقاع لفظة “أسكر” ، وخفوت الإيقاع عند الوصل إلى حالة “السكر” الذي يقترب من الوصول إلى حالة “الاغتراب الكامل” ، الذي مثلته عبارة “العالم مملوء بالليل” .
ويبين النواب أنه لجأ إلى هذا الحل مذ وطأت قدماه أرض المنفى بعد أن خيّب الأخير أمله ، فيقول : (فرشت كرامتي البيضاء / في خمارة لليل / صليت الشجى / وقرأت فاتحة على الشهداء / بالعبرية الفصحى / فضجّ الحان)(71 )، والشاعر لا يتمنى أن يترك حالة “السكر” التي توفر له راحة مؤقتة تكسر حدة الشعور بـ “الاغتراب” ، فهو “ملتصق” بالخمر كالتصاق الأشياء الجميلة التي يعرضها بأداء فني بارع عبر احتشاد صور “النورس” ، و “وعطر المرأة الجميلة” ، و “جمال إبداع الخالق” ، فيقول : (فكيف تعاتبني فأتوب / هل تاب النورس من ثقل جناحية المكسورين / وهل تاب الطيب الفاغم في فرع امرأة خاطئة فأتوب / هل تاب الخالق من خمر الخلق / ومسّح كفيه الخالقين / لكل الأوزار الحلوة في الأرض / فتلك ذنوب )(72 )، وعلى هذه الشاكلة يقدم الولع بالخمر في صور متلاحقة فذة تثير الإعجاب.
أما ثاني وسائل المجون التي يصرح بها الشاعر في “الوتريات” فهي “المرأة” ، التي مثلت أول محطة لجأ الشاعر إليها محاولاً طمأنة اغترابه ، يصرح بذلك شعرياً قائلاً : (ناداني صوت … والصوت كذلك أنثى / والغربة حين احتضنتني أنثى)(73 )، وهنا نرى : أن ألوان اغتراب الشاعر المختلفة فضلاً عن المكانية قد فرضا عليه تشرداً وسياحة إجبارية أخذ الشاعر يئن من ضغطها ، ونراه يبتكر حيلاً نفسية منها جعل المرأة مرفأً للخلاص يصرح بذلك قائلاً : (وغسلتُ فضائك في روح أتعبها الطين / سيرحلُ هذا الطين قريباً / تعب الطين / عاشر أصناف الشاعر في الليل / فهم في الليل سلاطين / نام بكل امرأة / خبأ فيها من حر النخل بساتين)(74 )، وفي “الوتريات” إلحاح في طلب المرأة ، بوصفها مستقر للذة و”المخلص الوقتي” من حالة الاغتراب ، وهنا لا يشترط فيها أن تكون بمواصفات روحية عالية ، بل هي امرأة تطفئ غائلة الجسد فحسب يقول : (يا أي امرأة في الليل / تداس كسمكة تمر بالأقدام / تعالي / فلكل امرأة جسدي)( 75).
وهكذا تتكرر عملية التتابع في حضور صور المرأة بوصفها مصدر اللذة والدفء والجنس وما يتبع ذلك من إشارات ينبني عليها استمرار الحياة بشكلها الفطري والبدائي الأول فتتعالى صرخاته :(أريد امرأة دفئاً فأنا دفء / جسداً كفئاً / فأنا كفء / تعرق مثل مفاتيح الجنة / بين يديّ وآثامي)( 76)، بل تعلو المخيلة الجنسية لديه وتتجسد صفات المرأة المرادة فتظهر ملامح جسدها وغنجها ، ويتمحور حضورها في جو القصيدة التخييلي حول مركز اللذة فحسب يقول : (وأوسد فخذ امرأة عارية / بئران من الشبق الأسود والسكر بعينيها الباردتين / وجمرة ريا / تقطر نوماً وردياً / تهرب كالعطر وأمسكها / فتذوب بكفيا / وأدس أنفي المتحفز بين النهدين / يضكان عليا …. لماذا ؟ من هي؟ لا أعرف شيا)(77 ).
ومن الوسائل الأخرى ـ اللافتة للنظر ـ التي واجه بها النواب “اغترابه” هو “استعمال ألفاظ الشتيمة” التي اشتهر الشاعر بها إلى أن أصبحت ملمحاً أسلوبياً مميزاً لشعره وقد أفرغ الشاعر فيها كل طاقة الحقد الثوري لديه ، ولم يكن ذلك شتائم شخصية موجهة من أجل التنابز بين الأفراد ، بل مثلت صوت طبقة شعبية مسحوقة تحاول أن تنتقم من ظالميها فهي شتائم تحمل معاني التفاوت الطبقي والأمراض الطبقية بين فئات المجتمع تارةً ، وترتدي سمة الصور الساخرة المضحكة تارة أخرى ، لذا نرى الشاعر يحرص على أن يجعل ألفاظه قريبة من السائد الشعبي واليومي المألوف أي أنه يقترض من المعجم اللهجي الشعبي و(والاقتراض من اللهجات والاقتراب من المتن العامي اليومي يعد من أبرز الظواهر اللغوية في شعر النواب)(78 )، وللتمثيل على هذه الطريقة نراه وهو يشتم الزعماء العرب قائلاً : (أتهم الماموس بنجد وتابعه / ديوث الشام وهدهده / قاضي بغداد بخصيته / ملك السفلس حسون الثاني / جرذ الأوساخ المتضخم في السودان / والقاعد تحت الجذر التكعيبي على رمل دبي / مشتملاً بعباءته ….)(79 )، وتتكرر الشتائم لديه في مواضع كثيرة من مطولته ، بل أن الأمر يتعداها ليصل جميع شعره ، كما أنه يركز على رسم الصور المضحكة للزعامات العربية التي هي رأس الهرم للدول الرجعية المرتبطة بمصالح الدول الرأسمالية التي يعاديها الشاعر ، ونجد مثل هذه الصور في وصفه لأحد اجتماعات القمم العربية :(نزل الأشراف من القمة / بالعورات علانية / بينهم الصامت بالله يغطي عورته / أكثرهم خجلاً كان الماموث / جماهير الصمت تغطي الأبصار)(80 ).
ومن الوسائل الأخرى التي اعتمدها الشاعر طريقة للتخلص من حالة “الاغتراب” هي محاولة العودة إلى الطفولة واستحضار صورها ، وذلك لأن المراحل الأولى من الحياة لم تعانِ انفصالاً لدى الشاعر ، بل كانت سعادة ممزوجة بحنان المرأة ، كما يذكر :(صنعتني ليلة حب أمي / أقطر في الليل / وأسأل ثلج الإنسان / متى سيذوب)(82 )، ويقول أيضاً (صنعتني أمي / من عسل الليل بأزهار التين )(83 ).
أما استحضار التاريخ المشرق للأمة والشكوى لأحد رموزه المؤثرة فكانت إحدى الوسائل التي ينتهجها الشاعر للتخلص من اغترابه ، فعن طريق الارتماء في أحضان التاريخ يحاول مد الجسور بين أحداث الماضي وأحداث الحاضر ، لتخفف كثيراً من حدة توتر الشاعر عند كشفها عن قوانين متشابهة للزمن ، فليس التاريخ إلا لأخذ العِبرة ، وليست المساوئ حكراً على زمنٍ دون آخر ، وفي هذا الصدد نرى الشاعر يبثُ شكواه من الغدر الاجتماعي المتأصل لدى بعض شرائح الأمة إلى الإمام “علي بن أبي طالب” [عليه السلام] فيقول : (أنبيك علياً / مازلنا نتوضأ بالذل / ونمسح بالخرقة حد السيف / مازلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف / مازالت عورة عمر بن العاص معاصرة / وتقبح وجه التاريخ / مازال كتاب الله يعلق بالرمح العربية / ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء / يؤلب باسم اللات العصبيات القبلية …..)(84 ) وربما كان ما ذكرناه هو أهم الآليات الدفاعية الشعرية التي واجه بها الشاعر اغترابه ومنحه قدرة الاستمرار في الأداء الشعري .
الخاتمة :
قام البحث بمعالجة القضايا الآتية :
• محاولة الاقتراب من مفهوم الاغتراب وملاحقة أهم المفاهيم التي بيّنت حدوده على وفق معطياتها المعرفية ، كما حول تحديد أهم أنواع الاغتراب وألوانه ودرجاته .
• حاول البحث اكتشاف مقولة الاغتراب في إحدى مطولات النواب ، وهي مطولة ذات أهمية خاصة بين قصائده الشعرية ، وأرجع الاغتراب إلى العامل السياسي بالأساس وقام بتفسيره حسب الفلسفة التي اعتنقها الشاعر.
• تناول البحث اكتشاف أهم أنواع الاغتراب التي ظهرت في المطولة الشعرية ، وهي الاغتراب السياسي ، والاجتماعي ، والديني ، وقد كان الاغتراب السياسي هو الأساس الذي انبنى عليه الاغترابان الآخران ، فيما تميز الاغتراب الديني بانتماء خالص إلى الأجواء الصوفية ، والشخصيات والمواقف المبدئية ، وقد مثّل اغتراب “التماهي” و “الذوبان” لا اغتراب الانفصال .
• حاول البحث اكتشاف وسائل الدفاع الشعرية أو الطرائق التي واجه الشاعر بها اغترابه الخاص ، وقد توزعت بين المجون ، والولع بالخمر والنساء ، وبين استحضار صور الطفولة ، والإكثار من توظيف ألفاظ الشتيمة والسخرية ، وكذلك استحضار الرموز التاريخية المتميزة .

الهوامش :

(1 ) ينظر : بناء السفينة “دراسة في شعر مظفر النواب” , د محمد طالب الأسدي , دار الشؤون الثقافية العامة , بغداد , ط1 , 2009 , 34.
( 2) ينظر : مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ إعداد وتقديم مؤمن المحمدي , دار الحياة , القاهرة , ط1 , 2011 , 17 .
( 3) تاج العروس مادة (غرب) .
( 4) لسان العرب مادة (غرب) .
( 5) الموسوعة الفلسفية العربية مج1 , معن زيادة , معهد التاريخ العربي , بيروت ط1 , 1986 , 39 .
( 6) الاغتراب في النص المونودرامي العراقي , نهى عباس جواد , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , كلية الفنون الجميلة , جامعة بابل , 2006 ,6 .
( 7) الاغتراب في الشعر النسوي في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي , جنان خير الله مرعي , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , كلية التربية للبنات , جامعة تكريت , 2003 , 8 .
(8 ) الفلسفة الوجودية عند يقولا برديائيف ، د نبيل رشاد سعيد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ، 2006 ، 166 .
( 9) ينظر : غربة المثقف العربي ، د حليم بركات ، مجلة المستقبل العربي ، ع2 ، تموز 1987 ، 106 .
( 10) ينظر : دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي ، حسين مرّوة ، دار الفارابي ، بيروت ، ط2 ، 81.
( 11) الاغتراب في الفكر الماركسي د شاكر نوري , مجلة الثقافة , بغداد , ع4 , 1983 , 55 .
( 12) الاغتراب في شعر الشاعرين محمود درويش وشيركو بيكه س “دراسة تحليلية فنية” كيلاس محمد عزيز العسكري , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , جامعة بغداد / كلية التربية للبنات , 2005 , 21 .
( 13) الاغتراب في الشعر الجاهلي , أحمد صالح الرعيبي , أطروحة دكتوراه مرقونة على آلة الحاسوب الجامعة المستنصرية / كلية الآداب, 2004 , 3 .
( 14) طرفة بن العبد بين الانتماء والاغتراب في نصه الشعري , د محمود عبد الله الجادر , مجلة التراث العربي , بغداد , ع85 س 1988 , 155 .
( 15) الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر “مرحلة الرواد” د محمد راضي جعفر , منشورات اتحاد الكتاب العرب , دمشق , 1999 , 6 .
( 16) بناء السفينة …(م.س) , 27 .
( 17) ينظر مظفر النواب …. (م.س) 11ـ12 , 31 .
( 18) نفسه , 21 ـ 22 .
( 19) نفسه ، 26 .
( 20) ينظر : الموسوعة الفلسفية العربية (م.س) , 83 .
( 21) مظفر النواب الأعمال … (م.س) , 89 .
( 22) نفسه 159 ـ 160 .
( 23) نفسه 156 ـ 157 .
( 24) الاغتراب في الفن , عبد الكريم هلال خالد , منشورات جامعة قار يونس , بنغازي , ط1 , 1998 , 152 .
( 25) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ 157 .
( 26) نفسه ، 140 .
( 27) الاغتراب في شعر الشاعرين …. (م.س) 40 .
( 28) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ 112 .
( 29) نفسه , 111 .
( 30) ينظر : الاغتراب في الفن (م.س) ، 147 .
( 31) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ ، 162.
( 32) نفسه 145 ـ 146 .
(33 ) نفسه ، 163 .
( 34) نفسه ، 166 .
( 35) نفسه ، 152 .
( 36) نفسه ، 168 ـ 169 .
( 37) نفسه ، 117.
( 38) نفسه ، 124.
( 39) المصدر والصفحة نفساهما .
(40 ) الاغتراب والتغريب في مسرحيات ألفريد فرج ، وجدان توفيق حسين الخشاب ، أطروحة دكتوراه مرقونة على الآلة الحاسبة ، جامعة الموصل / كلية التربية , 2004 , 49 ـ 50 .
( 41) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ ، 174 .
( 42) نفسه ، 158 .
( 43) الاغتراب وأزمة الإنسان المعاصر ، محمود رجب , منشأة المعارف , الإسكندرية , د.ت , د.ط , 63 .
(44 ) مظفر النواب ـ المجموعة الكاملة ـ , 115 ـ 116 .
(45 ) نفسه ، 115.
( 46) بناء السفينة (م.س) ، 89 ـ 90 .
( 47) مظفر النواب ـ المجموعة الكاملة ـ ، 123 .
( 48) نفسه , 168 .
( 49) مرايا المعنى الشعري “أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود الى القصيدة التفاعلية ، د . رحمن غركان ، دار الصفاء للتوزيع والنشر عمان ـ الأردن ط1 , 2012 م , 388 .
( 50) ينظر : بناء السفينة (م.س) ، 165 .
( 51) ينظر : الاغتراب وأزمة الإنسان المعاصر (م.س) ، 112 .
( 52) نفسه ، 86.
(53 ) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ ، 119 .
( 54) نفسه ، 141 ـ 142 .
( 55) نفسه ، 148 .
( 56) نفسه ، 121 ـ 122 .
( 57) بناء السفينة “دراسة في …” (م.س) ، 136 .
(58 ) مظفر النواب ـ المجموعة الكاملة ـ ، 126 ـ 127.
( 59) ينظر : الاغتراب في الفن (م.س) ، 142 .
( 60) ينظر : نفسه ، 143 .
( 61) مظفر النواب ـ المجموعة الكاملة ـ ، 125 .
( 62) نفسه ، 185 .
( 63) نفسه ، 133 .
( 64) نفسه ، 137 .
( 65) نفسه ، 129 .
( 66) نفسه ، 127.
( 67) بناء السفينة “دراسة ….” (م.س) ، 138.
( 68) القرآن الكريم , سورة النور , الآية 35 .
(69 ) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ ، 135 ـ 136 .
( 70)الاغتراب في شعر الشاعرين محمود درويش وشيركو بيكه س “دراسة تحليلية فنية” (م.س) ، 40 .
( 71)النواب ـ الأعمال الكاملة ـ 167 .
( 72) نفسه ، 129 .
( 73) نفسه ، 128 .
( 74) نفسه ، 146 .
(75 ) نفسه ، 129 .
( 76) نفسه ، 144 .
( 77) نفسه ، 108 .
( 78) نفسه ، 158 .
( 79) نفسه ، 108 .
( 80) نفسه ، 119 ـ 120 .
( 81) بناء السفينة “دراسة في …..” (م,س) ، 136 .
( 82) مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ ، 149 ـ 150 .
( 83) نفسه , 148.
( 84) نفسه ، 13 .
( 85) نفسه ، 127 .
( 86) نفسه ، 109 ـ 110.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع :
ـ القرآن الكريم
ـ الاغتراب ، محمود رجب , منشأة المعارف , الإسكندرية , د.ت , د.ط .
ـ الاغتراب في الشعر الجاهلي , أحمد صالح الرعيبي , أطروحة دكتوراه مرقونة على آلة الحاسوب الجامعة المستنصرية / كلية الآداب 2004 م .
ـ الاغتراب في شعر الشاعرين محمود درويش وشيركو بيكه س “دراسة تحليلية فنية” كيلاس محمد عزيز العسكري , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , جامعة بغداد / كلية التربية للبنات , 2005 م .
ـ الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر “مرحلة الرواد” د محمد راضي جعفر , منشورات اتحاد الكتاب العرب , دمشق , 1999 م.
ـ الاغتراب في الشعر النسوي في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي , جنان خير الله مرعي , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , كلية التربية للبنات / جامعة تكريت , 2003 م .
ـ الاغتراب في النص المونودرامي العراقي , نهى عباس جواد , رسالة ماجستير مرقونة على آلة الحاسوب , كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل , 2006
ـ الاغتراب في الفكر الماركسي د شاكر نوري , مجلة الثقافة , بغداد , ع4 , 1983 م .
ـ الاغتراب في الفن , عبد الكريم هلال خالد , منشورات جامعة قار يونس , بنغازي , ط1 , 1998 م .
ـ الاغتراب والتغريب في مسرحيات ألفريد فرج ، وجدان توفيق حسين الخشاب ، أطروحة دكتوراه مرقونة على الآلة الحاسبة ، جامعة الموصل / كلية التربية , 2004 م .
ـ بناء السفينة “دراسة في شعر مظفر النواب” , د محمد طالب الأسدي , دار الشؤون الثقافية العامة , بغداد , ط1 , 2009 م .
ـ تاج العروس من جواهر القاموس , محمد مرتضى الحسيني الزبيدي , سلسلة التراث العربي (16) وزارة الإرشاد ـ الكويت ـ ط 1 , 1965 .
ـ دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي ، حسين مرّوة ، دار الفارابي ، بيروت ، ط2
ـ طرفة بن العبد بين الانتماء والاغتراب في نصه الشعري , د محمود عبد الله الجادر , مجلة التراث العربي , بغداد , ع85 س 1988 م
ـ غربة المثقف العربي ، د حليم بركات ، مجلة المستقبل العربي ، ع2 ، تموز 1987 م .
ـ لسان العرب , أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي , دار صادر بيروت , د.ط , د “ط .
ـ مرايا المعنى الشعري “أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود الى القصيدة التفاعلية ، د . رحمن غركان ، دار الصفاء للتوزيع والنشر عمان ـ الأردن ط1 , 2012 م .
ـ مظفر النواب ـ الأعمال الكاملة ـ إعداد وتقديم مؤمن المحمدي , دار الحياة , القاهرة , ط1 , 2011 .
ـ الموسوعة الفلسفية العربية مج1 , معن زيادة , معهد التاريخ العربي , بيروت ط1 , 1986 م .
ـ الفلسفة الوجودية عند يقولا برديائيف ، د نبيل رشاد سعيد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ، 2006 م.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. ا.د كاظم فاخر الخفاجي

    دمت مبدعا د. محمد ، النواب غيمة ماطرة من الافكار ، كان للمفردة عنده حضورا متميزا ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.