كمال لطيف سالم : شعر يتعطر برائحة (ملف/2)

kamal latif salemmahfoz dawod 2محفوظ داود سلمان شاعر ينتمي في بدايته إلى جيل نهاية الستينات. أي انه تعطر برائحة القصيدة العربية العمودية وحافظ على عطره في الغوص إلى قعر التجريب الشعري الذي شيد ضفافه بدر السياب الأكثر لمعاناً في تنويع القصيدة روحاً، وشكلاً وتجديداً، فكان هرمه الشعري قد شيده بقصائد عمودية تقع مع شوامخ ما كتب الجواهري. لهذا نجد ملامح السياب قد كست تلك المرحلة، فكان صوته الأكثر وضوحاً في مسار التجريب الذي دفعت بوابته نازك ومن بعد شعراء ولجوا مغامرة القصيدة الحديثة وصولاً إلى قصيدة النثر. الشاعر محفوظ داود كان قد أصدر ديوانه الأول ” صلاة بدائية ” عام 1976 ثم ديوانه مملكة الأنهار، 1987 حتى صدور ديوانه ” حافة المقبرة ” عام 2012 وصولاً إلى ” الهبوط إلى أور ” عام 2013 الشاعر الذي ولد في العمارة عام 1942 حيث ينتم إلى مدينة البحيرة في ميسان تشبعت روحه بمودة في هذه المدينة التاريخية بأهوارها وقصبها ومشاحيفها. وبكل الموروث الحضاري والتراثي لتلك المدينة وقرية الشاعر ” لايبال ” التي يذكرها في قصيدة ” طائر الجنوب” في بلدة يدعونها مملكة الظلال ترقد بين النهر والتلال في بلدة يدعونها الايبال محمود كان مثل طائر الجنوب نازفاً على الجريد والكرب يستلهم ويوظف الشاعر محفوظ داود في كتب التراث والتأريخ المعرفي لحضارة العرب، مستلا صفحات ملونة ومشعة من ألف ليلة وليلة وليالي الرشيد وسندباد معي كان يقرأ في كتاب العشق هارون الرشيد وهو كغيره من شعراء تلك المرحلة التي طغت بها ظاهرة السياب في أجواء جيكور، فهو يستعيد مثله الأساطير السومرية والبابلية ويجعل منها شعارات براقة صادقة لتلك الحقبة من التاريخ على نهر الفرات تقوم مدينة بابل من بعيد تضيء مشاعل المحاربين الصحراء الممتدة خارج اهوارها بينما يحفر حمورابي شريعته على مسلة من حجر ان الشاعر محفوظ داود مسكون بالوطن بالجذر الحضاري فهو يجوب المحاريب المقدسة لوطنه ويستنطق كل آجرة فيه عشتار يا سيدة النخيل يا أميرة الاهوار يا مليكة التلال يقـــــال ان الحب في بلادنا محاصر فليس تسقط النجوم في السلال هي نفس وروح سيابية تنبض فيها قصائد الشاعر الجنوبي الغربي توسمتkh mahfoz dawod 10 مفرداته بروح ميسان ورائحة طلع النخيل البصري ففي قصيدة ” البلبل والوردة ” نلمس ذلك الحب الذي تركه شاعر جيكور في روح شاعرنا ومن الغيم يضيء البرق تنثال شآبيب المطر ومن الشمس سهام الضوء تقبض سداة الورد تنشر من جراحات الثمر الحب عند الشاعر حظ خيط واهن ولقاء عابر ونظرة خجلى وأرتباك محسوس، ذلك الضوء البعيد لا نكاد نمسكه إلا في أبيات تبدو مرتعشة مترددة، ففي قصيدة “بيني وبينك ” نقرأ: ليس ما بيننا في المساء سوى مطر غامر ينثر الآن أجراسه في الشجيرات يقطع عنا الدروب ليس ما بيننا في الصباح سوى الباص يجمعنا وازدحام الرؤى في المحطات عابرة تذهبين لحلم بعيد الشاعر ينتقل في هيا مه في حب يكابده غير ذات محصلة ولكن أشواقه للوطن وللأماكن التي مر بها في ميسانه وفي بصرته ظلال تزرع هنا وهناك تخلف جواً مفعماً بخصوصية الشاعر لغة ودلالات. ” الهبوط إلى اور” ديوان ينفض الغبار عن بعض الوجع أو كله في شعر نراه مرمياً هنا يشكو وجعاً قد نعرفه.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *