آمنة محمود : في شخصيات جليل القيسي القصصية (ملف/12)

aminah 5إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة :

إن الحديث عن قصص الكاتب الستيني المبدع جليل القيسي لا يخلو من مغامرة وصعوبة , لما تحمله القصص من مزايا متعددة تجعلها موضوع قراءات متعددة ومختلفة ايضا , ولما تثيره من علامات استفهام لدى القارىء , وتنطلق وأياه نحو افاق أخرى , وتمده بصور تبلغ في عديد من القصص ذروة الدقة في التعبير عن الصراعات النفسية والتي تسهم بدورها في ظهور نماذج فنية متطورة , وشخصيات على الرغم مما تعانيه من عوارض نفسية وصراعات محتدمة فأنها غنية فكريا ومتخمة بالمعرفة في مجالاتها المختلفة . هكذا هم شخوصه , وعلى لسان احدى شخصياته (( أنهم ممتلئون بالحماسة , ومن اجل حقائقهم يلتهبون .. مسالمون , لكن عندما تحاول أي قوة خارجية أن تشظي سكينتهم بطريقة لا اخلاقية يقفون بعناد صلب لا يخدعون في مثلهم ومصيرهم )) .
ولانه مشبع روحيا مع مودة خاصة للتاريخ الاغريقي , كان لا بد ان يكون مؤمنا ومطبقا لقاعدة سوفوكليس المثلى التي ترى الانسان مقياس كل شيء . لذلك كان الانسان في قصصه قيمة عليا وهدفا اسمى لابد من معرفة ما يؤرقه , وما يكون سببا في احداث تلك الصراعات النفسية التي تكون مدمرة أحيانا .ولأهمية هذا الموضوع ارتأيت ان الج هذه الارض التي تحتاج الى متخصص نفسي ونقدي أكثر كفاءة واعلى قدرة على التحليل . وربما بعض
المساحات غير مضاءة في اول قراءة لتلك القصص , لذلك فهي تحتاج الى دقة وتان من القارئ . من اجل الاحاطة بما يريد القاص أن يثبته لقارئه المختلف (( الكاتب الاول يجد له قارئا في كل عصر , اما الكاتب الثاني فلا يلائم عينة دون غيرها من قراء عصره فقط , ومن دون ان يتجازو هذه العينة الضيقة من القراء ))2 . لكن القاص جليل القيسي استطاع ومنذ اول مجاميعه القصصية والمسرحية ان يكون كاتبا اول , متجاوزا creative حدود الزمان والمكان , ينبع ذلك من امتلاكه ( الشخصية الخلاقة ) ومنطلقا منها نحو تحديد ملامح شخصية ومراعاة اختلافاتهم ,مع personality استخدامه للطباق الاختلافي 3 في تصعيد الحوار , حيث يعرض القاص شخصياته الادبية التي يبين من خلالها فهمه للظواهر النفسية , وهو ما يسمى علم النفس . وقبل التعرف على هذه الشخصيات psychologist in literaerature الادب لابد من الاشارة بين الفرق من الاعراض والامراض النفسية (( فالاعراض النفسية من قلق , وفكر تسلقي , واضطراب في المزاج , والشعور بالتعب متوفر في جميع الناس بصورة طبيعية وبدرجات مختلفة )) 4 أما الظواهر النفسية فهي ما يهمنا في هذا المبحث . وقبل التعرف الى تلك الظواهر في كل شخصية لابد من الاشارة الى انقسام العرض الى نوعين من الشخصيات تلك :
أولا : الشخصيات الجاهزة :
وهي عبارة عن شخصيات تاريخية أو روائية يدخل معها البطل القصصي في حوار يكشف فيه عن خفايا تلك الشخوص , ويتجه القاص فيها الى سبر اغوارهم والتحليل النفسي الدقيق لهم , مؤطر عرضه بأطار قصصي , في قصص .
1- جروشكناه وفي هذه القصة يعرض الكاتب ويحلل ثلاثة شخصيات من رواية الاخوة كارامازوف لديستويفسكي عن طريق الذهاب اليه والالتقاء بهم , وهذه الشخصيات هي :
أ-/ جروشنكا : وهي شخصية متسلطة هستيرية , سريعة التقلب من النقيض الى النقيض ((عندما رأتني جفت الضحكة على وجهها , وانقلب ذلك الوميض في عينيها الى عتمة لحظتئذ رأيت دموعا يسح على خديها , دموع ضحكتها الهسترية )) ولاسباب عدة يعرضها القاص على لسانها تتحول الى شريرة وماكرة ((- لكني ماكرة , متهورة , شريرة احيانا , وسافلة عند الظرورة احيانا –اعرف كل شيء عنك بل انت فاسدة جدا احيانا )) . لكنها ورغم كل ذلك لاتخلو من الخير , لذلك احيطت بشخصيات نموذجية وهما الاخوان اليوشا وايفان كارامازوف .jalil alkaisi 7
ب -/ اليوشا : شخصية كئيبة Depressive يميل الى التشاؤم والانعزال , لايجد في حاضر الحياة متعة , عظيم التحسس بالمسؤولية , يتمتع بضمير قوي , ويصفه القاص بالقوي (( انت حزين ..حزين جدا ..أتعرف يا أيوشا انت تنقصك الحاسة التي تنبيء الانسان عن اشياء دقيقة في الوقت المناسب . أو بالاحرى أنت شذبت تلك الحاسة هناك في الدير , ووجهتها لمسائل كنسية محدودة )) . أي أن سبب تلك الكآبة هي الانطوائية Introvert التي قادته الى الدير , فعاش صراعات نفسية مختلفة قادته اخيرا الى الركون للتامل وتجنب الالتماس مع الواقع , وتفضيل الاعتبارات النظرية والمثالية على النواحي المادية .
ج-/ أيفان : إن القول بأن اليوشا وإيفان شخصيات نموذجية لا يصفها ومطلقا من التشظي النفسي , بل وربما كانت تلك الشخصيات اكثر تقبلا لمثل هذا النوع من الصراعات النفسية Mentsl conflict لذلك يراه الآخرون غريبا ومعقدا (( لوكان لديك مثلا نفس معاناته (ايفان ) وعذاباته وفكره وهلوساته , والاكتئاب الدوري الحاد الذي يأتيه فجاة بسبب رهافة مخيفة في مشاعره واحاسيسه النارية )) . ما الذي يمكن بعد ان يقال هذا الوصف الدقيق من لدن القاص , الا يكون بذلك قد أحاط بالشخصيات نفسيا وفكريا وقارن بينها برؤية صافية ودقة باللغة في التعبير ؟
2- أمسية قصيرة مع الامير 6 : وهنا يتعرض لشخصية الامير شكين بطل رواية – الابله – لديستويفسكي يتولاها ( عن طريق اللقاء المباشر الذي توصل اليه بالاستبصار Claievoyance بالتحليل عن طريق الحوار الذي نكتشف فيه جوانب كثيرة في شخصية ذلك الامير حيث كان مرضه الشديد من طفولته سببا في تكوينه الفكري (( صحيح أنني مريض, بل كنت اشد مرضا منذ صغري وثقافتي محدودة , لكن فراستي قوية .. في حالات معينة أبدو مثل البوهيمي الذي يطلق العنان لحواسه حيث يزيح الفواصل بين الواقع والخيال )) فكان متحصنا ضد كل الاستفزازات ويمتلك الهدوء في أعماقه ويرى في ذلك جبنا (( أعترف أنني جبان . بسبب طفولتي الصعبة , مرضي , يتمي المبكر , وحياتي الخالية من التوجيه والحنان , بسبب الاهمال الشنيع الذي لحقني ,والصراع الذي أعاني منه )) الاتكفي هذه الاسباب لخلق شخصية متغيرة الأنا Altered ego تمتلك حساسية عالية ومخيلة حالمة وتلجا الى التبرير Rationalization من اجل اقناع نفسي بصواب سلوكها لكي يحضر بأمان مؤقت .
3- توهج بلازما الخيال 7 : وفي هذه القصة يلتقي البطل- القاص بالروائي ديستويفسكي كاتب الروايتين الانفتي الذكر ( الاخوة كارامازوف – الابله ) وربما كان لهذا اللقاء علامة في اكتمال صور القصتين السابقتين ( جروشنكا – امسية قصيرة مع الامير ) , ويتعرف الروائي في هذه القصة (( أنت تعرف , أنا رجل مزاجي للغاية سوداوي في الكتابة , أتنبأ بالاحداث بالمصادفة وأحيانا بالاستبصار )) ثم يمضيان في حوار تحليلي حول عدة شخصيات روائية .
إن هذا اللقاء يعكس اليات عمل فكر الروائي وكيف يتم له توجيهها وصبها ( على تناقضها ) في أطار واحد ومن ثم كيف أستطاع الروائي التوفيق بين أطواره وامزجته وبين أطوار وأمزجة تلك الشخصيات التي طالما كان يكثر الاختلاف معها على سير الاحداث .
4- صورة نادرة لفرانس كافكا 8: وفيها ينتقل القاص الى مدينة براغ وتحديدا الى بيت الروائي كافكا . ومن خلال لقاء بوالد الكتاتب ( اولا ) يعرض شخصيته القاسية والشكاكة والتي كانت أكبر مؤثر على حياة ولده الكاتب الشهير ((عيناه المريبتان اللتان كانتا دائما تخيفان كافكا الابن )) و (( كان الله في عيون فرانتس الطيب الذي اشتكى كثيرا من عنجهية وغضب هذا الابن الصعب اكيسوب , لا غرابة كتب عنه بقسوة في مذكراته )) ولم يكن تطرق القاص لهذه الشخصية مزاجيا أو اعتباطيا , بل كان ضروريا وأساسيا لما له من الدور الاكبر في صنع شخصية كافكا ذات الوجه الحزين المعبر , الكئيب الشكاك الذي يسمي الادب جنونه الاحادي الذي ترك كل شيء ومن اجله (( ولآن سليقته تاملية يكثر لا أراديا من التدقيق في كل شيء )) . إن درجة الوعي العالية من قبل القاص بتلك الشخصيات انما تعكس مدى ارتباطه نفسيا وروحيا بها . والدليل على ذلك تحليله العميق لنوازعهم ورغباتهم .
5- فوبيا 9 : كان لابد للقاء القاص مع كافكا أن يتمخض عن قصة اخرى وحل أحدى شخصيات هذا الروائي الدقيق في تصوير النفس البشرية (المحبطة بالذات ) . لذلك فأن القاص أصاب حين أختار شخصية غريغوري ساما بطل رواية المسخ . ذاك الشيزي العاطفي الذي تحول بسبب عصابة المزلزل الى حشرة ورغم لا معقولية الحدث لكنه كان بالنسبة للروائي قصيدا لنموذج اصلي ( وربما شخصي ) كامن في اعماق الروائي اللاواعي الذاتي ( له بالذات ) , فكانه يحتمي بتلك الشخصية او ينتفخ بها ليخفي وجها اشد عذابا والما وورفضا مكبوتا للواقع الكابوسي المؤطر بالهدوء . وربما لآن القصة كانت تدور حول الصراعات النفسية وأن القاص استخدم ( المسخ ) كنموذج مميز لها لا غرابة أن يكون عنوانها phobia أي الفزع من الاخر .
ملاحظة : كان بالاماكن الاستفادة كثيرا من الحوار الفلسفي العميق بين الروائي وغريغوري ساما .
ثانيا : الشخصيات المختلفة :
وهي الشخصيات التي كانت من صنع الكاتب جليل القيسي , والتي يعرض لنا انهيارها الروحي وتشظيها النفسي من خلال قصص :
1- الرجل الذي كانت روحه عارية 10: وبطل هذه القصة شخصية عصابية , غير قادرة على مواجهة الحياة فكان من الصعب تحديد اهداف , وبالمقابل كان من السهل عليه التأثير لما يقال له , خاصة تشبيهه بالمسيح , لذلك يلجأ الى ازالة الفروق البسيطة بينهما , من أجل ايجاد مطابقة ظاهرية , ولم تردعه دراسته للاهوت عن ذلك التقمص , حيث كان يجد لنفسه الاسباب المقنعة لذلك . وكان بالاضافة لعصابة شخصية متفجرة Explosive , ينفعل بشدة حين لا تتلائم المواقف مع مزاجه (( كان يعاني من أزمة نفسية ملغومة بارتيابية جذرية كل شيء ماعدا موقفه الاني )) ومن عنوان القصة نستطيع ان نستشف المدلولات النفسية لتلك ((الروح العارية )) الذي يلجا الى التعويض Compensation عن النقص المتوهم في شخصيته , والاحتجاج على شقائه بإيذاء الاخرين تحت أي ذرائع (( كنت أريد ان أقتلك بدفاع الحب العميق )) ويصبح السلوك العدواني انعكاسا لتلك الشخصية مع تناقض واضح في ردود الافعال (( رأيت في وجهه حزنا غريبا ظل يتكاثف كلما اطال التحديث بي )) وبكر الدقائق تشنج وجهه , وتحول الى بؤرة من الغضب لذلك كانت قراراته كانت غير محسوبة ومدفوعة بسلوك عدواني في ايذاء النفس اولا , حيث يعمل بعد طرده من الكنيسة ميكانيكيا . لكنه رغم ذلك لا ينفع عن هلاوسه وهذيانه .(( لم أنقطع عن الحلم في ان اصبح الها .ولكن من نوع اخر فكان فقدان الانية 11Depersonalization وهو النتيجة الحتمية لتلك السلسلة من الاضطرابات .
2- العراف انتي 12: وفي هذه القصة المفارقة على التدليل على الشخصيات حيث أن الراوي مدرس لغة انكليزي يتوهم مضيفه ان العراف الذي كان عليه أن ياتي في نفس الموعد . والمضيف شخصية سادية , وبرجوازي تافه ( كما يصف نفسه ) متناقض وجدانيا Ambivalent , ويصفه الضيف (( أنه متناقض غريب , مليء بحماسة ومرارة وخيبة وندم )) مؤمن بفابية فرويد , جزمي Dogmatic(( إن من عادة هذا الانسان عندما يذهب شخص ما اليه للعمل , أو طلب مساعدة يستفزه غاية في القسوة وبكلمات جافة )) . ولآنه متوتر وشديد الانفعال تظهر عليه الاعراض المتلازمة Tourette (( مرض يصيب شخص بحركات متكررة بالطريقة نفسها )) . لكن جميع هذه الصفات والاعراض النفسية لم تأت من فراغ , حيث كان لشقيقته التي كانت تعاني من مشاكل نفسيا سببا في الاضطرابات التي يعيشها هو . فالعملية انعكاسية وبالتالي مستمرة فقد صنعت تلك الشقيقة لنفسها عذابا وعاشته بمازوكية وسادية (( أنا اعاني من الظلم والفشل الذي صنعته بيدي )) لكن تطور هذه الحالة سبب لها عقدة Complex (( وكبت العقدة في أبعادها عن مجال الوعي لا يفقدها قوتها المستمدة من طبيعة العوامل التي حركتها في البداية بل تظل فعالة تحت ستار ظاهري من الهدوء 13)) وهي برغم الهدوء الذي تلف بها نفسها , سرعان ما تنفجر في نوبات من غضب عارم (( تقبلت واقعها بعقل مستسلم غير أنها وفي حالات نادرة تتمرد وتثور )) وعلى الرغم من الفروق الواضحة بين هاتين الشخصيتين الا إن القاص استطاع الجمع بينهما في صفات مشتركة (( لا حظت ان هذين الكائنين يعيشان حياة مليئة موتا حقيقيا , ومتعلقا مع ذلك بالاوهام بالاضافة الى حالات العذاب , والفصام , والكآبة , والخلط الذهني , والحزن العميق )) ورغم إن الراوي لم يكن عرافا بالمعنى الذي تمنته الشخصيتان لكنه كان عارفا نفسيا ومحللا موضوعيا لغرابة وتناقض هاتين الشخصيتين .
3- أمم من الفرح 14: قصة تعرض شخصيتين الاولى , الموسيقي عبد الرحمن الناصري , وهو شخصية متزنة نقية تحمل صفات الفنان السامي الاصيل . والشخصية الثانية هي السيدة هند ,التي تزوج الفنان وتطريه , وتحاول عقد صداقة معه بدافع الاعجاب بفنه . وهي شخصية جريئة , ذكية , مستقيمة النظرات , شديدة الحساسية وانفعالية (( لقد تهيجت لرؤيتك , وانا بالمناسبة , احيانا انسانة مزاجية وعرة جدا )) . وربما تؤدي شدة الترابط النفسي داخليا وتماسكها الى التصدع Pissoction اخيرا ,فشخصية هند , كمنطقية و واعية وسريعة في اتخاذ القرارت حين تكون في أتم وعيها الذاتي , لذلك تتصرف حسب منطقها الخاص حين تنهي حالة التناقض الذي تعيشه بين حياتها كزوجة عالم كيمياء , وبين امنياتها الشخصية . فتضع نهاية سريعة , حين تصدم سيارتها بمركبة طويلة لتموت فورا .
4- صباح الخير يا قلبي 15: والشخصية المحورية في هذه القصة هي ماجد السعدي : شاعر (( مثقف يمتلك براعة ساحرة في استعمال المفردات الدقيقة)) وهي شخصية تحلل وضعها النفسي بذاتها (( روحي وحدها تعرف .. الا تعتقد إن الروح هي أكثر الحقائق علما بنفسها )) وربما بسبب الوعي المتصاعد بالذات وبالاخرين , هو الذي قاده الى هذا التشظي الذي يكون واعيا له (( كل شيء في يسير الى ضرب من الانشطار القسري )) الذي يؤدي به الى تعدد الشخصية Multiple personality حيث يعتقد في احدى هلوساته الواعية انه بطل رواية المزدوج لديستويفسكي . ثم ينير اكثر المناطق ظلمة في شخصيته (( أنا غريب الاطوار , لنقل صعلوك غير منسجم البتة مع مجتمعي .. واعاني احيانا من وسواس قهري )) ثم يصبح تعدد الشخصية لدي أوضح من ذي قبل (( قال لي بوسعه ان يصبح ما يتمناه في لحظات ))وبعد ذلك يصاب بحمى دماغية حادة ثم يموت .
5- متعة غامضة 16: على الرغم من بطلة هذه القصة هي احدى شخصيات الكاتب نفسه لكنه لم يكن قد رآها سابقا . بالاضافة الى إن صفاتها التي تظهر في هذه القصة لم تكن واضحة المعالم في قصته تلك . انها بطلة قصة ( الميثوبي ) التي اعتمد على سردها على الرسائل التي تبعثها (هـ . م ) الى القاص , وتلك هي مفارقة هذه القصة ( متعة غامضة ) . إن شخصية ( هـ .م ) كثيرة الشبه بـ ( هند ) في قصة امم من الفرح , من حيث الذكاء والفطنة والثقة العالية بالنفس , بالاضافة لكونها ذات اخيلة وفضاءات مختلفة عن الاخرين ( ربما بسبب الثقافة العالية ) , فحين تسمي نفسها (هاملت انثى ) فهي بذلك تختصر الطريق امام القارىء من اجل فهم الكثير من طبائعها . ويضفها الكاتب بالقول (( لديها عواطف مضخمة , وحارة , وميل مهوس للعثور على نفسها في انا )) أي إن جميع صفاتها , وكل خفايا وظواهر سلوكها قائمة اساسا على العاطفة التي تكنها للكاتب , وهي حتما شخصية انفعالية Irritable peronيمكن لها ان ترتكب جريمة من اجل تلك العاطفة اللا متبادلة (( غير أنني مثل عاشقة , أنسانة منفعلة , مضطربة , متهورة .. ثق لو عاد ليقول كلمة اخرى لرميته بهذا المسدس بعدة طلقات )) أي تحاول التثبت بما ليس من حقها مقابل أي ثمن ولو كان حياة الاخرين وذلك حتما نتيجة Hallucinaion التي كانت تؤثر فيها , على الرغم من كونها مخلوقة مكررة اذا ( جاز لنا التعبير ) . ان الكاتب في هذه القصة يصل بين قصصه بروابط متينة ويمارس الكتابة بطريقة تفاعلية مما يسمى بـ ( وعي الذات المبدعة ) .
6- نجمة ميديا المتوحشة 17 : وفي هذه القصة يعرض القارىء شخصيتين متداخلتين :
أ‌- الملكة ميديا : وهي بطلة لاحدى مسرحيات يوربيدس , حيث يعرض الشخصية بطريقة التقنص لكن الحديث أولا سيكون عن الشخصية الاصلية التي تمتلك نفس الثراء الروحي الوجداني والفكري لشخصيات جليل القيسي كأساس , لكنها كانت ملكة يونانية أعاد تشكيلها بطريقة عصرية دون المساس بدراما الحدث الاساسي . والملكة ميديا شخصية عاطفية Emotional تتعامل مع الحياة بعاطفتها اكثر من عقلها لذا تتسم أقوالها وافعالها بمزاجية واندفاع (( أضرب انما لا تاتلف الاشياء التي احبها مع بعض , نعم اضرب من غير شفقة )) . وهي بسبب هذه الطاقات العاطفية المتفجرة , مليئة بالغضب الذي لا يستطيع السيطرة عليه وربما لا تريد ذلك , لكنها واعية تمام لما تفعل , وتوكد ذلك بالقول (( البشر وحدهم ملتقى الاضداد , ومجمع التناقض .. مظهرنا شيء ..وحقيقتنا شيء اخر , نحن ازواج دائم بين الحياة والادراك )) وهذا اعتراف منها بانشطاراتها العاطفية Dessociated emotions , وعصابها Neurotic , وتتصاعد اضطراباتها حتى تلتقي اربع جرائم قتل بما فيهم ولديها , من اجل ان تنقذ حلما مخذولا , فتخسر كل شيء دون ان تندم , فكان وصفها دقيقا حين تقول (( اعاني من مشاعر لا شريعة لها )) .
ب‌- الممثلة التي تتقمص دور الملكة : وهي شخصية تمتلك من البراعة ما يؤهلها للعب أصعب الادوار , لكنها هذه المرة بالغت في تقمص الدور وتماهت معه للدرجة التي لم تستطيع التخلص منها ( الملكة ميديا ) مما اصابها بحالة أستمرار الزمان Rerseveration , دون سيطرة الارادة الواعية , فكان الجنون هو النتيجة الحتمية لمثل هذا النوع من الشخصية (( بعد انتهاء عرض مسرحية ميديا باسابيع , ادخلت تلك الموهبة الذهنية مستشفى المجانين )) . وبذلك استطاع القاص ومن خلال هذه القصص تحويل دوافعه ورغباته الى نتاجات ادبية تعرض الصراعات النفسية الداخلية بطريقة التصعيد Sublimation . أي انه دور انفعالات النفسية الخاصة في عرض شخصيات قصصية تعيش انواعا من الصراعات , ليش من الضروري مطلقا ان تكون مطابقة لاضطراباته الخاصة .
ملاحظة :- جميع المصطلحات النفسية مأخوذة عن :
1- الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث / العصاب والامراض الذهنية بيير داكو . ت : رعد اسكندر , اركان بيثون , دار التربية , بغداد 1988 .
2- انشطار الذهن , بيير ماكلير . ت : د. حلمي نجم , دار الرشيد , بغداد 1988 .
الهوامش :
1- مملكة الانعكاسات الضوئية , جليل القيسي , الميثوبي , دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1995 .
2- فصام الناقد , فصام الكاتب , د. مهند يونس , الموقف الثقافي , عدد3 , 1996 .
3- الطباق الاختلافي : مجموعة الاراء والاحاسيس التي تعانيها الشخصيات القصصية والروائية او دافع الشعور بها , ولا يستخدم هذا الطباق لتقريب المحادثات وانما لابراز الجنون في كل محادثة : د. عبد اله ابراهيم , الرواية ونظرية التمثيل , عمان عدد 76 تشرين الاول 2001 .
4- النفس : انفعالاتها امراضها علاجها , د. علي كمال .
5- مملكة الانعكاسات الضوئية , جليل القيسي , جروشنكا .
6- نفسه , أمسية قصيرة مع الامير .
7- نفسه , توهج بلازما الخيال .
8- صورة نادرة لفرانس كافكا , جليل القيسي , الجمهورية 28/12/1994 .
9- فوبيا , جليل القيسي , الاقلام عدد 5 , 1999 .
10-زليخة البعد يقترب , جليل القيسي , مطبعة الاديب , بغداد 1974 .
11- فقدان الانية : هو اضطراب بالذات و احساس المريض بانعدامه , أو بعدم واقعية وجوده , أو أصبح شخص مختلف عما يعهده في نفسه , انشطار الذهن : 87 .
12- سر الالوان وطبيب الاعصاب , اوليفر ساكس , ت : طارق حيدر العاني , الموقف الثقافي , عدد 13-1988 .
13- النفس , د. علي كمال .
14- أمم من الفرح , جليل القيسي , الموقف الثقافي , عدد 32 -2001 .
15- صباح الخير يا قلبي , جليل القيسي , الموقف الثقافي : عدد3 , 1996 .
16 – متعة غامضة , جليل القيسي , الاقلام, عدد2 ,1998 .
17- نجمة ميديا المتوحشة , جليل القيسي , الاقلام , عدد 3 , 2000 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *