مقداد مسعود: ليلة زفاف الزعيم عبد الكريم قاسم

الفصل ألأول:
شهادة ..من الطرف المعادي للزعيم عبد الكريم قاسم

*لابد أن نشير الى ظاهرة تستحق النظر،وهي ان الجمهور العراقي العريض ظل منذ رحيل قاسم ولحد اللحظة الراهنة ،حذر من تأييد كل الحكومات التالية. وظلت ذاكرة عبد الكريم مثيرة للأهتمام أكثر من غيرها وطيبة  في أذهان كثيرين .بل ان قاسم ظل يضيق على كل الحكام بسبب أدمان الشعب على مقارنتهم به.وبعد قاسم لم تأت سلطة تمتلك نفس الشعبية والبساطة بل عاشت السلطات اللاحقة عزلة حقيقية خصوصا بين أبناء ألأحياء الفقيرة وفي أوساط الفئة المثقفة..وبسبب شعبيته حرصت القيادة الجديدة، بعد مقتله وجماعته على عرض جثته على شاشة تلفزيون بغداد كي تتيح لكل مواطن ان يتحقق من وفاته، لكن مارافق العرض التلفزيوني كان أمرا مؤسفا، أنحفر في ذاكرة  الغالبية الساحقة من العراقيين،عندما نفذ احد الجنود أوامر صدرت اليه من القيادة بشد
..شعر الزعيم عبد الكريم قاسم الميت،ورفعه..ثم البصق بفم ممتلىء في وسط وجهه أمام شعب جلس كله متسمرا يشاهد تلك الشاشة البائسة،ولم يعرف القادة الجدد أنهم بما فعله الجندي،قد أظهروا وكأنهم يرسلون رسالة رعب لشعب أدعوا أنهم ثاروا، من أجله فجاءت تلك رسالة أستفزاز همجية لاتنتمي لحضارة انسانية عمرها سبعة آلآف سنة وكأن الرسالة تقول:ان الحكومة الجديدة قاسية
كان ذلك المشهد التلفزيوني،أسوء اللقطات المسجلة في تاريخ العراق المعاصر،فلم يكن قاسم أسوأ العراقيين حتى يمييز بهذه المعاملة عن غيره؟ بل ربما كان صراعا لعب فيه قاسم دور أكثر المتصارعيين وداعة وتسامحا وأقلهم همجية وأقلهم أدلجة وتشريعا للقتل، فقد سن عمليا قاعدة(عفا الله عما سلف)وكان فيها أقرب الى عقلية العراقيين البسطاء قبل عصبية ألأيديولوجيا الواردة.

*طالب شبيب/حاشية ص103/
د.علي كريم سعد/من حوار المفاهيم الى حوار الدم/ مراجعات في ذاكرة طالب شبيب/ط1/1999/دارالكنوزألأدبية/بيروت

-1-

الثورة كلما جاءها المخاض ، هزتها فوهات العسكر، الزعيم عبد الكريم قاسم، ينظر ساعته اليدوية،  يرى الثورة ،   أشجارا وأنهارا ،تتدفق بالمصانع والمزارع والجامعات، ويرى أزهار الحدائق ،أقمشة توزع مجانا على المرأة العراقية،
الزعيم ،يرى الثورة في ساعته اليدوية
نحن في مرايا جرحنا الثوري نراهاو لم نتلفت ، وهي تنزف أشجارنا كلها ، لذا صعقتنا المباغة  ونحن نرى صلعة ثورة المغدورة ؟ ولم نندم  حين صيرت الفاشية بطبعتها العربية المنقحة،فوهات القناني :مقاعدنا الوحيدة ، واصلنا الغناء بحناجر نازفة في حمامات دم الأقبية لندرب بقية أجسادنا على الطيران ،ولننتج مرايا حصريا للجلادين ليتعرفوا على حجومهم الطبيعية  ،يومها اتحد المختلفون  ونضدوالحلم في  ستراتيجية شعار واحد :يا أعداء زهرة الرمان أتحدوا , فأنتشرت خناجر الاغتيالات لعدم توفر الفوهات الكاتمة،يومها

الزعيم  في ساعته اليدوية ،يرى :
العافية تكلثم خدود الجياع
الشمس : خضراء خضراء  \الحمامة  :تعلم قمصاننا على الهديل
النخلة :فيئنا  ………من صخور زاخو   حتى ملح الفاو
وسيكور  النفط قبضتنا ، و السيادة  للقمح والفقراء
-2-
في ساعة سلام عادل اليدوية ..نرى :
*12تموز مابعد ال12 ظهرا..نرى ثابت حبيب العاني،يتوجه الى بيت معين في الكاظمية..في ذلك البيت،ينتظره صالح دكلة،وهما يحتسيان الشاي،يهل عليهما
جمال الحيدري..يبشرهما بشفرة نصف مفتوحة نصف مغلقة،عرفا منه ان هناك حدثا عظيما يتطلب منهما جهودا مكثفة،وتحشيد اصدقاء الحزب والجماهير كافة،وعلى المستوى الثاني،طلب منها تنظيف البيوت من ألأدبيات،ثم اضاف في حالة قيام الحدث العظيم،علينا المساهمة وألألتزام بتوجيهات الحزب، وعدم اطلاق شعارات متطرفة
ثم سلمنا نشرة داخلية تأريخها 12 تموز.
*12 تموز عصرا ..تغادر بيتهم في حي المغرب ،وتتوجه نزيهة الدليمي الى ذات الوكر في الكاظمية،يستقبلها صالح دكلة بأبتسامة ترحب وأستكانة شاي،تبادلت التحية مع عضوين من لجنة بغداد للحزب،مارأت جمال الحيدري،فقد رتبت المواعيد،بحيث لايلتقي أكثر من ثلاثة في بيت واحد.،هذا ما أخبرتنا به ثمينة ناجي /ص208-209/الجزء ألأول/سلام عادل-سيرة مناضل/الطبعة الثانية منقحة ومزيدة/2004/دار الرواد المزدهرة.
*12/تموز/1958..أعتقال فاضل البياتي،مسؤول التنظيم العسكري،يتسبب ألأعتقال في
أيصال التوجيهات للرفاق العسكرين الذين كان البياتي مسؤولا عنهم
لكن تحرك الضباط الشيوعي كان يتدفق الى مهامه من ساعة يدوية واحدة
*قوة حسن خضر…صوب ألأذاعة .
*وصفي طاهر ومن معه …صوب بيت نوري السعيد
*علي شريف……………..:وزارة الدفاع.
*سعيد مطر………معسكر الرشيد.
*مصطفى عبدالله وعبد الرزاق غصيبة …نحو قصر الرحاب
*قاسم أمين الجنابي…………..مهمته أعتقال قائد الفرقة الثالثة

*13/تموز………..
الى بيت مطبعة الحزب…يتوجه سلام عادل،ينتظره عضو المكتب السياسي
جمال الحيدري….:بين دخان السكائر وأحتساء خمرة الفقراء (الشاي)يتناقشان
حول اللمسات ألأخيرة لما يجب عمله غدا كانت ام فاضل منشغلة بأعداد الطعام وفاضل يقرأ رواية بوليسية ونظمي شبه نائم ووجيهة في المدرسة وانا سليم أسماعيل البصري في غرفة تنضيد الحروف..دار النقاش بينهما بهدووء كان النقاش طويلا وحين تغدينا كان سلام عادل وجمال الحيدري يتبادلان النكات ولم تبد عليهما اية مظاهر غير عادية ،سلماني بعد الغداء بيانا لطباعته، كان الليل يزحف بظلامه بعيدا ليكشف بزوغ فجر جديد صعد الرفيق سلام عادل وسلم علي ونظر الي طويلا..نعم نظر لي وليس لمؤلف هذا النص ..تريدون تعرفون من أنا؟ زين أنا سليم اسماعيل البصري وما تقرأونه آلآن هي الصفحة 195 من كتابي الصراع/مذكرات شيوعي عراقي….شعرت ان نظراته غريبة ثم خرج كأنما يريد ان يقول شيئا…………………..في الساعة الخامسة صباحا يرن جرس التلفون وكان المتحدث كمال عمر نظمي ممثل الحزب في الجبهة لينبىء الرفيق جمال الحيدري بنجاح الثورة دون مقاومة كبيرة
…في يوم الثورة :14 تموز
*مساء 13 تموز مساء..يتوجه سلام عادل الى بيته، يبلغ زوجته ثمينة ناجي
:فجر غد…أنتظري الفجر..لافجر ياثمينة يشبه فجر غد
تتامله ثمينة  ترى الفجر آلآن وليس في الغد تراه في أبتسامة سلام عادل وفي همسات صوته وترى الشمس مشرقة في عينيه..تتشابك أكفهما فيتسع الكون ويتسع ولاساعة تضيق،الشمس خضراء،تتدفق من اعلي زاخو حتى الطريق الى ملح الفاو…
لم يخرق تعاليم الحزب وهو يخبرها،فهو أخبر الرفيقة التي في التنظيم الرفيقة ثمينة
ناجي التي سوف تحتمل الكثير الكثير الكثيروحين يغيب سلام عادل فأن ثمينة ناجي تستيعد من خلال مواصلت الغناء الطبقي في حضرة الرمان… ثم بعد أكثر من ثلث قرن
ستغني المكتبة العراقية بكتاب من جزئين عن سيرة الحزب الشيوعي العراقي،وهي تروي للخيرات والخيرين سيرة مناضل من اسمائه الخالدة:سلام عادل………..
في تلك اللحظة من مساء 13تموز 1958، يعطيها سلام عادل ،التعليمات التي يجب ان تنفذها:
*تبليغ بعض الشخصيات ومنهم والدها ناجي يوسف بعدم المبيت في بيوتهم
*وأن تكون على صلة به تلفونيا،يسلمها ارقام مجموعة التلفونات التي تجعلها في تواصل معه……………..
*يقوم سلام عادل بتبليغ ماتبقى من الخطوط التنظمية الحزبية بتوجيهات الحزب الخاصة بالثورة.

*منتصف ليلة الثورة: يتفقد سلام عادل شوارع بغداد السلام،برفقة كمال عمر نظمي
يتمهل كمال بسياقة السيارة، في المناطق الحساسة..تمهيد للتحرك العسكري للجيش
تلوح الطمأنية على وجه سلام عادل:ليست ثمة تحركات مقلقة.
*فجر الثورة: تسمع ثمينة البيان ألأول من ألأذاعة..تنظر الساعة السادسة حيث تبدأ حركة الباصات،تصعد الباص المتوجه الى منطقة باب المعظم،تصطدم بثقل الصمت الذي يزاحم راكبي الباص،يستمر الباص بالحركة وثقل الصمت،يتوقف يصعد عمال مبتهجين يحيون الركاب كافة:عيدكم مبارك ياجماعة …
لاتتمالك ثمينة نفسها،تزغرد وهي جالسة في الباص..يفوح عطر الفرح بين الركاب.\
تترجل ثمينة في الكسرة…اتصل بسلام عادل ..لم أجده في البيت،تمنيت سماع صوته
لأنقل له فرحة الجماهير…أمواج امواج امواج الجماهير تأخذني معها تحولني ألأمواج الى ميرابو الثورة الفرنسية…هاهي الجموع الحاشدة من باب المعظم حتى شارع الرشيد.

*شهادة هاني الفكيكي:
صبيحة يوم ألأثنين 14 تموز سمعنا النبأ، وراجت في وقت لاحق أخبار أشك فيها عن دور عسكري لحزب البعث،أذ أنه لم يكن يملك أية قدرة على هذا الصعيد،وقد تأكد لي
لاحقا ان ما ذكره بعض الكتاب عن أسناد الحزب للحركة بألأسلحة والعتاد ليس صحيحا
أمتلأت شوارع بغداد بالناس الهادرة،أستجابة لنداء عبد السلام عارف عبر الراديو والتلفزيون.ففي عام 1956 أقيم معرض بريطاني في بغداد أستدعى نقل محطة للبث التلفزيوني من لندن،وحين أنتهى العرض قدمت بريطانيا:المحطة هدية للعراق،ولم تعرف يومذاك ان الهدية ستتحول بعد عاميين الى وسيلة مؤثرة في نقل نداء ثوري.
عبد السلام في ندائه يوجه الجماهير الى القصور الملكية وقصور المسؤولين لدكها على رؤوس أصحابها وتسليم الفارين من رجالات العهد السابق.

*أوكار الهزيمة/هاني الفكيكي/ص85

*السجين زكي خيري و14تموز:
أصبحنا فوجدنا المذياع صامتا صمتا مريبا.والحال كنا نسمع صوتا مهيبا متواصلا يبثه مذياع بعيد عنا وسرعان ما بشرنا أحد الحرس بالثورة،فلبثنا قليلا
بأنتظار الخبر اليقين.فأنطلق المذياع في جناحنا كاسرا الصمت الذي فرضه علينا جلاوزة حلف بغداد.سمعنا البيان ألأول ، فأطبقنا أفواهنا لتنبجس الدموع الغالية,
جاءجلادنا ليطلق ابواب الزنزانات فتمازجنا مع رفاقنا جميعا وتعانقنا في جو طافح بالسعادة ولم يكن مكوثنا بالسجن عبثا،كنا قدوة للتضحية والفداء ونكران
الذات..يقيت أبواب السجن الخارجية موصدة بأوجهنا ودماؤنا تغلي كان السجن بعيدا عن البلدة.
زكي خيري/صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم/ص183

*أحمد باني خيلاني….أيها ألأنصاري البطل أين كنت حين قامت الثورة؟
يلتقط سؤالي ،وما أن يلتقط المصور،صورة فوتوغرافية له ،في الذكرى الخمسين لميلاد الحزب الشيوعي..حيث يجلس كاكا احمد في مقدمة الحاضرين الجالسين على ألأرض..ليلقي محاضرة من خلال ألأوراق التي امامه،يظهر في الصورة كاكا فائق توفيق وكاكا نادر هورامي وكمال حسن…والحشد الجماهيري كله يحتمي في كهف كرزال..
يلتقط شص السؤال ويلقي به في نهر دجلة في قلعة صالح حيث نفته الحكومة عام 1955 ولمدة ثلاث سنوات، بعد ان رفض تقديم براءة من الحزب الشيوعي،بعد ان انهى عاما كاملا في سجن السليمانية ،……………
ينهض كاكا احمد فجرا مثل كل يوم، في السادسة صباحا يفتح دكان البقالة،يتناهى الى سمعه ضجيج حنجرة حماسية . كأنها منطلقة من اذاعة صوت العرب تنطلق من راديو ابراهيم الخياط، ..يهرول صوبه ابراهيم وهو يؤشر على مؤشر الراديو:كاكا أحمد افتح الراديو هذه اذاعة بغداد…يبتسم كاكا احمد ثم يصيح
ا…برا….هيم هذه ثورة  هذا انقلاب ..انقلاب في بغداد….
يبتسم ابراهيم ويقول:والله كنت أعرف ذلك،ولكنني لم أتجرأ على قوله..
الناس في قلعة صالح مترددة،أحشد الناس  انا وطارق عبد الرحيم والمعلم خضر
وحده طارق يقود جماعته ويهجم على دوائر الدولة ينزل العلم الملكي ويمزق احد ألأعلام ويمسح حذاءه به……في يوم 15تموز انطلقت الجماهير بعد ان سمعت من ألأذاعة القاء القبض على نوري السعيد.

•    شهادة الشاعر فوزي كريم:
نعم كنا جميعا خارج حركة التأريخ..فجأة حلت أمام البيت ضوضاء..دفغتنا جميعا الى الباب المشرع دائما..هناك رأت رجلا محتقن الوجه مبحوح الصوت بفعل صراخ لم ينقطع،يخرج من كيانه كله هذا ماتبقى من جسد خائن الشعب…)،يتوقف ثم يسكب قطرات من النفط من تنكة بيده على ألأستطالة اللحمية…ومع الدخان المتسارع تتسارع رائحة اللحم والدهن والعظم من جسد ابن آدم..كان نوري السعيد قد أختفى ..جاء أخي الكبير
في عصرية اليوم الذي قتل فيه، يحمل بنشوة قصاصة صغيرة من قماش
العباءة السوداء تلك.قال: نحتفظ بهذه القصاصة للذكرى،أحتفى بها البيت بحماس مرتبك متوتر،وأحتفظ بها في ركن خاص .ولكن القصاصة تلاشت
بفعل ألأحساس الدفين بالذنب والخوف من ركنها الخاص ومن الذاكرة .
طمرالقصاصة  وحكايتها وذكرها في تربة روحه..كنا جميعا نشتم رائحة اللحم تدخل مسام أجسادنا،فنستثار عائذين بالحيوان الرابض في أعماقنا.
وكأن 14تموز صمام أمان فتح فجأة ليتيح فرصة في داخلنا لأتون حبيس منذ قرون،أتون متحرق للطلاقة الفالتة والفوضى والهمجية الذي حاولت مرحلة
بناء الدولة وأقامة المؤسسة،مع مطلع القرن العشرين حبسه والضغط عليه وعقلنته.

فوزي كريم/العودة الى الكاردينيا/ص181-182

*أتساءل انا المؤلف مقداد مسعود ،يومها كان فوزي كريم (على اطلالة الثالثة عشر من العمر/ص183) وهذا يعني ان الذي يسرد علينا آلآن ليس ابن الثالثة عشر ،بل المثقف فوزي كريم بوعيه الثقافي وألأجتماعي الذي عمقته تراكم الخبرات بتنويعات، واذا كان العنوان(ينطوي على معنى العودة الى الذاكرة،)حسب ماجاء في قفا كتاب فوزي كريم،فأن المؤلف اي مؤلف لايفلح بالعودة منسلخا عن وعيه آلآن.أنتهى المؤلف من كتابة العودة الى الكاردنيا في سنة2000 وهذا يعني ان بينه وبين 14 تموز اكثر من نصف قرن من تراكم خبرات لدى المؤلف وهذا يعني ان الذي يسرد لنا فوزي وهو على مشارف الستين اطال الله بعمر شاعرنا فوزي كريم،وليس فوزي بثلاث وزدن عشر حسب قصيدة للشاعر صلاح عبد الصبور,.

-2-

فجأة تنفتح ، شاشة بيضاء ،فيرى الزعيم فوهات الثورة ،   تنضد العائلة المالكة وهي بثياب النوم ،أمام جدار  في قصر الرحاب ، ثم يلقي النقيب  (……….) في تمام السابعة والنصف  صباحا ،  من فوهة رشاشته  ، تحية الثورة المضرجة على : الملك فيصل الثاني ، الوصي بعد ألأله ،الملكة نفيسة ، ألأميرة عابدية عمة الملك ،.
الزعيم يضغط فكيه وهو يرى المشهد الدموي يلطخ قميصه مخترقا الشاشة البيضاءفي،   تشرين الاول  1960 ، سوف يلقي الزعيم اللوم على عبد السلام عارف ، وقبل ذلك سيؤكد الرائد محمود سبع البياتي لوكالة الشرق الاوسط ، في 19 تموز 1958 ، ان عبد السلام عارف ، يتحمل مسؤولية دم العائلة المالكة ،  في 16 اب ، سيدلي النقيب عبد الجواد حميد بتصريح مشابه لمجلة (كويك) الألمانية ، بعد ان طارت شهرته  كمنفذ  لأمر صادر له من عبد السلام عارف. …………. الزعيم يضغط فكيه ،ويغسل يديه من قتل العائلة المالكة، الأميرة هيام  المتخفية في الطابق الاعلى من قصر الرحاب والتي لم تمتثل لأمر عسكر ،هي وخدمها ،تشاهد الجريمة من كوة وترتجف هلعا ، ثم تتكوم في الارض مثل ثوب لم يثبت في مكانه ،………على الشاشة يرى عبد الكريم غابات غابات من الايدى والارجل ويسمع صراخا وزعيقا  ، ثم يرى الباشا (نوري سعيد) أعني ما تبقى من الباشا ، تتنازع عليه مخالب الرجال……..هاهو الباشا يسحل في شوارع بغداد ، تنتقل الكاميرا  سريعا على كومة من الرجال الصاخبين وهم يسحلون جثة
الوصي عبد ألأله ……………….الكاميرا تركز على أقدام حافية ،أقدام بأحذية مطاط  ،أقدام مغطاة بوحول الشوارع ……..أقدام تهرول تهرول تهرول ثم تتوقف قرب وزارة  الدفاع ، هاهي الايدي  تتناوش جثة الوصي   العارية لتعلقه على عمود النور قرب وزارة الدفاع .،………..صمت الكل صامتون ، ذلك الصمت ألأبيض ،  الواقفون كلهم لايرون جثة الوصي ، يلتفتون  صوب موضع قدسي دام على مقربة الجثة المدلاة ،يرون ذلك الشاعر الثائر النجفي الجميل ،وهو يعتلي المشنقة في شباط من عام 1949
وقبل ان يلتف حبل المشنقة على رقبته، يخاطب الجلادين :أنكم اليوم تعدموني وغدا سيعدمكم الشعب في نفس المكان

-3-

على الشاشة البيضاء تكبر تكبر تكبر صورة الزعيم الاوحد ، وهو يتفقد احوال الرعية في بغداد، يدخل مخبزا ، يتأمل الرغيف النحيل ويتأمل صورته في واجهة المخبز، يقترب من صاحب المخبز ويخاطبه بصوت هادىء :لتكن صورتي صغيرة،والرغيف كبير كبير.

-4-
يغادر المخبز ،تباغته الجماهير وتحمله على أكتا فها وتشير بأصابعها نحو القمر، لير ى الزعيم صورته مطبوعة على وجه القمر ، الجماهير تواصل الصخب والزعيق

*كان أعضاء قيادة الفرقة الحزبية جميعهم في الكاظمية شيعة وكذلك كان حال أعضاء التنظيم،ولاازال اذكر منهم: عبدالله المشهداني وعزيز المسقطي وعدنان ألأدلبي،حتى ان عملنا الحزبي كان يتوقف في شهر محرم ويوم عشرة عاشوراء،ولم يشذ اعضاء الحزب عن غيرهم من أبناء الكاظمية،وليس من دون دلالة ان اشهر هؤلاء كان الشيخ كاظم نوح الخطيب،حيث كان ولداه معز ومحي رفيقين في البعث

*هاني الفكيكي/ص83/اوكارالهزيمة

-5-
الزعيق والصخب ،يترجم في كركوك والموصل الى عنف دموي مسلح ، على الشاشة يرى الزعيم نفسه ،في حيز أسطواني، ويتهاطل عليه ليل أصفر أصفر أصفر ،يتراكم ليل أصفر كثير في رئتي الزعيم ،  يتدحرج الزعيم في بئر عظيمة ،البئر مغطاة بمنارة مجوفة ،يشعر الزعيم ،بأوجاع الدحرجة بجسمه كله, شراسة الظلام ترغمه على رؤية المكان بقدميه وكفيه ،القدمان تقوده الى السلالم ، الكفان الى الدرابزون ، تقوده أطرافه  الى حيز ضيق لايسعى الجسد الأ وهو مكبوبا على وجه ، وكلما غادر حيزا ، تلقفه حيزا أخر ،فأذا به يصرخ جزعا : أين أنا نا نا نا نا ، ؟  فأذا بسوط يجيبه ثم ينبح صوت أثقل من مياه ثقيلة ، ياهذا انك في (حبس بستان موسى ) في عهد أمير المؤمنين
الخليفة المعتصم بالله العباسي ،يرى الزعيم نفسه، في أحدى غرف ألأذاعة،العراقية، يتعرف الزعيم عليها أنها غرفة الموسيقى الشرقية،وهاهم معه: فاضل عباس المهداوي/طه الشيخ أحمد/ كنعان خليل..يقف في مواجهتم: طالب شبيب/حازم جواد/علي السعدي/أحمد حسن البكر/مهدي صالح عماش/عبد الستار عبد اللطيف/عبد السلام عارف/ عبد الستار الدوري…
الشباطيون كلماتهم محتقنة دما، علي صالح السعدي،يهين ويشتم الزعيم ومن معه،لعله ينتزع من الزعيم،أسم الشخص الذي أبلغه بسر هذا ألأنقلاب،الزعيم يتحلى بقوة الصمت،يحور السعدي سؤاله:هل الخائن الذي أخبرك موجود هنا في الغرفة؟
الزعيم:لا.
في تلك اللحظة الخازوق،كان كل مايهم عبد السلام عارف،هو أنتزاع اعتراف من الزعيم،بأهمية دوره في ثورة 14 تموز،وهاهو عارف يخرج من جيبه مصحفا ،ليقسم الزعيم عليه،بأن عارف ..لا قاسم هو من كتب البيان ألأول للثورة.
الزعيم مايزال في صمته،ثم يوجهه كلامه بكل هدوء،مطالبة بأجراء محاكمة له ولمن معه،كالمحاكمة التي أجراها لعارف…
ثم يزجر طالب شبيب عبدالسلام،مبينا له ان البيان رقم واحد بأستطاعة أي واحد ان يكتبه؟ وما ان يسكت عبد السلام،حتى تنهال ألأسئلة على الزعيم
لماذا…؟هل…؟ كيف…؟ متى..؟ وصل ألأمر ان ألأسئلة صارت محض اهانات لشخص الزعيم
وحسب طالب شبيب: كنا نتكلم جميعا، وفي آن واحد، وبصورة متوترة وتختلط ألأسئلة مع بعضها ومع همهمات واجابات أسرانا،ولم يرد قاسم ألأ بأنني أريد محاكمة /ص103
لم يكن هناك أي شىء يمكن ان تسميه محاكمة /طالب شبيب…
يتقدم كل من النقيب المظلي منعم حميد والملازم نعمة فارس المحياوي،تتقدمهما فوهاتهما…يتضرج العراق بزهرات الرمان المنبجسة من ألأجساد ألأربعة:الزعيم عبد الكريم/فاضل عباس المهداوي/طه الشيخ أحمد/وكنعان خليل/

،ثم يركل الزعيم..مخترقا شاشة تلفزيون العراق. ليواصل التدحرج، الزعيم يتدحرج ، في كركوك الرؤوس تتدحرج  بين أنصار السلام والعشائر العربية المسلحة بالسلاح السوري وزعيق المذيع المصري أحمد سعيد :الموصل تتدحرج        ، وبعد حركة الشواف  ،يظهر الجواهري الكبير على الشاشة نفسها وهو يخاطب الزعيم الركن :
فضيق الحبل وأشتدد من خناقهم
فأن في ترخائه الضرر

والضباط وضباط الصف والجنود يهتفون :اعدم اعدم ، بعيد فشل حركة الشواف في الموصل، وتصدر الاوامر لجلب الضباط ذوي الميول القومية لمشاهدة عملية الاعدام ،وفي الحرب العراقية الايرانية سيرغم الجنود الهاربين من الحرب والمحكومين في السجون العسكرية، على مشاهدة عمليات الاعدام رميا بالرصاص ،للمسجونين معهم ، ومن ثم عليهم رزم المعدومين في أكيايس نايلون،،،،،،،و علي ذوي المعدومين ان يدفعوا ثمن الطلقات النافذة في أجساد اولادهم ………….وشاهد  طالب شبيب  عملية الاعدام وهي تنفذ في:العقيد عبدالله ناجي\ العقيد الركن ناظم الطبقجلي \ العقيد الاحتياط رفعت الحاج سري\ الرائد داوود سيد خليل\النقيب قاسم العزاوي\ الملازم احمد عاشور\الملازم فاضل ناصر\المقدم علي توفيق\ المقدم يوسف كشمولة\ النقيب  هاني الدبوني\النقيب صديق علي \الملازم حازم حطاب\ النقيب اسماعيل هرمز \الرائد

ا
الرائد مجيد الجلبي \فاضل الشكرة \نافع داوود \محمد امين\ سالم حسين \ مظفر صالح\محسن اسماعيل\ عزيز شهاب

———————————————————————————

كان شعورنا مزيجامن الخوف وألأشمئزاز واصبحنا لانفرق بين البقاء على قيد الحياة
او الموت في مثل ذلك الجو من الخوف وألأرهارب ،لذلك عندما المرحوم فؤاد الركابي لأجتماع القيادةالقطرية وأقترح خطة لأغتيال عبد الكريم قاسم وافق عليها  أكثرية القيادة القطرية الحاضرين،:فؤاد الركابي \خالد علي الصالح\ واياد سعيد ثابت \ومدحت ابراهيم جمعة\ وانا\ اثناء التصويت ،انا ومدحت كنا رافضين، مقابل ثلاثة موافقين على الاغتيال……………ص26\ من حوار المفاهيم الى حوار الدم \ مراجعات في ذاكرة طالب شبيب\ تأليف:د.علي كريم سعيد\الطبعة الاولى\1999\دار الكنوز الادبية \بيروت

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *