ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (23) ألمتحدثون بأسم الشريحة الثقافية !

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة : 
لابد من الإقرار بصعوبات جمة يمكن ان تقف بوجه حديثي هذا ( وقد عزمت فيه ان أنير كشافا يضيء ” ولك ان تقول يفضح ” الأعداد المهولة للمنضوين في عناوين مشرعة لأية إضافة ( اسمها الاتحادات والنقابات والجمعيات ) والتي انوي الاقتراب من عددها في حديثي الثقافي هذا ، لاسيما أن توقيت هذا الحديث يتزامن مع ( المنحة السنوية المخصصة من الدولة لأعضاء الشريحة الثقافية في الشهر القادم) ، وأفاجأ بسؤال مدبب : ما أكثر المنضوين وما أندر المتصدين لحصرهم ؟! لكنني أرى المهمة ليست مستحيلة للجادين أمثالي بل هي يسيرة وممكنة طالما ان الهدف كان نبل المقصد والشريحة المستهدفة هي الوسط الثقافي باتساعها وتاريخها ، وإذا فرغنا من هذه التوطئة جئنا الى القصد مباشرة فنرى ان هناك كثرة في العناوين التي تكاد تمسك المفاصل الثقافية وتتصدى بالمواقف والأحاديث عن هذه الشريحة او تلك الى حد إننا لا نكاد نعرف الشريحة الثقافية بل نعرف المتصدرين والمتحدثين باسمها !.
ولست في حال جيد لأعّدد هذه المسميات العجيبة والغريبة اللواتي تتوزع على العناوين كافة : فالجمعيات والاتحادات والنقابات كثيرة بل ومتنافرة ومع إنها تمثل وسطا ثقافيا واحدا ( او يجب ان تكون كذلك ) إلا إنها في الواقع تتضاد فيما بينها وتنقلب الى أهوائها والبيئات التي قدمت منها او البرامج الخاصة التي تعبر عنها أكثر من مصالح الشريحة التي يفترض بها ان تمثلها ، هي كثرة يمكن السماع بها والتثبت من وجودها بكيفيات عدة فهناك من يتحدث باسم الصحفيين او باسم الأدباء والفنانين وعناوين أخرى تمثل الموسيقيين والإذاعيين والتشكيليين والإعلاميين وسواها الكثير مما لا يمكننا من الإحاطة به في مقال واحد !.
ولغرض الإيجاز وحده سأتوقف هنا – سراعا – على الأبرز والأكثر حضورا وتردادا عند الوسط الثقافي فاحصر الحديث بثلاثة عناوين فقط هي حسب ثقلها : اتحاد الأدباء / نقابة الصحفيين / نقابة الفنانين ، ولا مندوحة لي الا ان اثبت عدم رضاي او حتى امتعاضي الشديد من القائمين على هذه العناوين لعدم تجسيدهم مبادئ وغايات ومصالح الذين يمثلونهم وصعدوا فوق هياكلهم وأصبحوا يجهرون بأقوالهم ، وبرغم عشرات الألوف – او حتى مئاتها – من المنتسبين ( كرها او مصلحة او تحايلا ووجاهة ) لهذه العناوين الا أنني لم اعثر على موقف حقيقي تم تجسيده او التفاخر به على كثرة المواقف المحكية والعلنية او التي تم تسريبها بعناية وتكتم شديدين !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

وكوني متابعا ثقافيا واعي تداعيات الأمور الا أنني لا أحبذ تفسير أسباب انضمام هذا العدد المهول – والذي هو في تزايد يومي – الى تلك العناوين او تفرعاتها برغم إدراك الجميع ان تلك العناوين هي فارغة تماما بل هي مضللة وهاربة من الشعارات والبرامج التي ترفعها وكثيرا ما نجد ادارات المنظمات والاتحادات وهي تلوذ بالصمت والتعليل بالكذب او تنسحب من ميادين الاستحقاق والمواجهة لتترك المنتسب ( المبدع هنا ) وحيدا في معركة خاسرة حتما وما أكثر الأمثلة التي تصدم الذاكرة قريبة او بعيدة !.
ولكنني أقف حائرا وآنا ارى الآلاف المنضوين لاتحاد الأدباء والكتاب” فانا من ضمنهم واحمل هوية هذا الاتحاد ” لأتساءل بغرابة : لماذا انتسب هذا العدد المهول الى ذلك العنوان برغم معرفتهم المسبقة بخواء وعدم مقدرة ما انتسبوا إليه؟ّ! وانتهك الحيرة لأجيب : انهم لم يفرقوا او ( تحقيقا للتوصيف )التبس الأمر على المنتسبين ( بله المتابعين ) ان كانوا ينضوون في مؤسسة إبداعية ام في تنظيم نقابي؟ وهناك فرق واضح بينهما : فالمؤسسة الإبداعية تهتم أساسا بالجوانب الإبداعية : إبرازا ونشرا وتوزيعا ومثاقفة .. بينما تنحصر هموم التنظيم النقابي بالدفاع عن حقوق الهيئة العامة ( وليس الهيئة الإدارية فحسب ) وتوصيل أصواتهم واستحصال مستحقاتهم واخذ الامتيازات وتيسيرها للمنضوين وتنويرهم بما لهم من مطالب مشروعة والدفاع عن قضاياهم وحقوقهم وما عليهم من التزامات تفرضها الثقافة والمواطنة . . وأكاد أتقلب من العجب وأنا استذكر كم هم الذين فارقوا هذه الحياة وهم يشكون الوحدة والمرض والخيبة ؟ كم عدد المرضى والفقراء والراحلين بلا حقوق او كرامة يتشبثون بها؟!.
المشكلة التي اعرفها منذ سنوات تتمثل في ان ( اتحاد الأدباء والكتاب ) يعيش بين ناري الانتماء ويكاد يضيع بينهما : فلا هو من منظمات المجتمع المدني التي نعرفها” ليكون منفتحا وخزينته مشرعة على هذه الجهة او تلك ” ولم ينتم الى إحدى الدوائر الثقافية الرسمية فيحصل على تمويل مركزي لمنهاجه وأنشطته التي تستمر طوال العام وبأشكال مختلفة ، لكنه فضل ان يكون عائما ودفع الثمن من استقلاله وهويته وفروعه المتناثرة على المحيط .. ثم هناك المئات من المنتسبين الذين ملوا من الكتابة والطلب من ان تردهم سوى الوعود !.
ولكن هل يكتفي ” الاتحاد ” بوجهه الإبداعي ومؤجلا شطره النقابي حتى تتيسر الظروف ؟! .. وما زال السؤال مطروحا !!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.