أوس حسن : سأولد من حلمي قبل أن تقتلني ذبابة عابرة

aos hasanإلى أرواح الشهداء كاوه كرمياني وزردشت عثمان

“في عمق الشتاء البارد أكتشفت أن في داخلي صيف لا يقهر” البير كامو
………………………………………………………………………

شعورك بالجوع، ليس شعورا ً نابعا ً من احتياج جسدي غريزي،وإنما شعور عميق يشبه سقوطك في بئر سحيقة مليئة بالظلام اللامتناهي، ليس شعورا ً غريزيا ً، وإنما امتهان حقيقي لكرامتك ولفطرتك الإنسانية التي ولدت معك.

قبل أن يغسل الندى وجه الصباحات الشاحبة في مدينة السليمانية،وقبل أن يوقظ فيك المطر حواس العالم البعيد، سترى كيف يبدأ الباعة المتجولون يومهم، وكيف يبدأ العمال يومهم وسط المدينة.سترى المشردين واللاجئين والسكارى كيف تداعب ضفائر الشمس أهدابهم الحزينة، سترى المرضى والبائسين والفقراء، كُلٌ قد بدأ يومه الجديد بأمل جديد وأفق من الأحلام البعيدة.
وفي الطرف المقابل سترى دوائر الحكومة، المنظمات الحزبية، الأعلام الملونة، واللافتات الملصقة، سترى السيارات المصطفة على الركن.سيارات المسؤولين أو أبنائهم، سيارات الأغنياء أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، أو بالأحرى مصاصي الدماء. هذا هو اللقب الوحيد والمناسب لتلك الكائنات الهلامية التي تعيش على دماء البسطاء والمهمشين. مصاصو دماء بكروش منتفخة ومؤخرات مستديرة. ترى متى أصبح للذباب كروش في بلادنا؟؟، وهل تعاني الذبابة من وخزة في الضمير أو ألم في القلب؟ بين هذا وذاك كنت أنا، أو بالأحرى ولدت من جديد، من صوت يصدح عاليا ً في دمي،من وهج في عتمة القلب كان ينير الوقت المتلاشي في سراب الأيام.لا أذكر تحديدا ً متى، لكني أذكر في ذلك اليوم أني حصلت على نسختي من مجلة الثقافة الجديدة وقد نشرت لي المجلة في حينها قصيدة، كنت أتحدث فيها مع الله وعن أسئلتي الوجودية المحيرة،وعن خديعة حكمته القديمة. ترى هل كان الله يعرفني قبل ذلك؟ وهل قرأ تلك القصيدة قبل أن أكتبها؟. لا أدري وربما لن أدري أبداً، لكن الله في كل الأحوال هو صديق حقيقي للفقراء والمظلومين، نصير للثوار في الأرض. قد تراه وقد لا تراه أبدا ً،وأنا رأيت الله كثيرا،رأيته في دهاليز حزني وفي ملح دموعي،رأيته في انكساراتي،رأيته في قصائدي وفي نبوءتي المؤجلة. كان يبكي كثيرا،يتألم كثيرا ً، ويغيب كثيرا ً،لكن بين هذا وذاك عليك أن تخرج الله وملكوته اللامرئي من حساباتك اليومية الصغيرة؛لأنه أضعف من أن يقتل ذبابة.هل تذكرون الذبابة السمينة أيها السادة الأفاضل؟.
بدأ الشارع يعج بالسيارات والمارة، بدأ الضجيج يعلو. أصوات السيارات مع أصوات الباعة،خطب رنانة مجوفة لأحزاب لها تاريخ نضالي عريق، (ههههههههه) حتى الذباب له تاريخ نضالي، أية معجزة من معجزاتك هذه يالله؟،بل أنها من أكبر المعجزات التي تدعونا للتصديق بوجودك إنها أكبر من معجزات الأنبياء الخاسرين الذين قتلتهم أممهم.
“أصوات هنا…أصوات هناك”،لكن في الزقاق البعيد هناك مظاهرة حمراء،حمراء كالقلب،حمراء كأحلامنا التي صلبوها على قصورهم الرخامية البائسة،قصورهم التي تشبه شواهد القبور،وبين القصوروالقبوركلام كثير،لكنه باختصارهو ذباب أخضر سمين قد تناهش لحم أم شهد وأم كوثر وأم علي، بعد أن سرقوا أموالنا واستأجروا بيوتا ً فخمة لتلك الغانيات،إنهم يتاجرون بدمائنا وحياتنا، يتاجرون بدم ذلك الأعمى المريض على أرصفة الطرقات، بدم تلك الفتاة الشابة التي تبيع الحلوى في الصباحات الباردة وهي تحلم كقريناتها بأن تصفف شعرها المتناثر وأن ترتدي ثيابا أنيقة،وأن يكون لها فارس موعود تشاركه أحلامها البسيطة الصغيرة، إنهم يتاجرون بدم تلك الطفلة البريئة التي تمد لك يدها وهي تبتسم أمامك كدمية، وبصبر ذلك العجوز الذي يختصر وجع النهار ووجع المدينة بعكازه.

بدأت المظاهرة تقترب مني وأصوات الهتاف تعلو وتعلو.كل شيء كان نقيا ً كالماء، طاهرا ً كالثلج،واضحا ً كالشمس.اجتاحني ذلك الصوت البعيد : …”كلنا كاوه كرمياني”، نعم ..نعم لقد قتلوا كاوه كرمياني، يا إلهي قتلوا نبيهم الموعود.النبي المبتلى بحلمه الأحمر، النبي الفقير الذي ترك بابه مفتوحا ً للريح والفقراء،النبي الذي ترك وراءه عدة أرغفة من الخبز،وجعل من القمر قرص خبز كبير يأكل منه جياع العالم. النبي الذي ترك وراءه أغنية المنجل والمطرقة،ودماء من صمت الفصول المستباحة، النبي الذي كان يحلم بالمرايا والأغنيات البعيدة، صار أغنية للعالم الجريح.

بالأمس القريب قتلوا نبيا ً آخر كان مبتلى بعشقه وجنونه،النبي الذي عشق بنت السلطان وتزوجها وسافر معها إلى قصور ألف ليلة وليلة، هناك حيث الخدم والحشم والجواري،هناك حيث طبيب القصر سيعالج أمه من أمراضها وينقذها من الموت، هناك حيث الأَسِرة المطرزة بالفضة والذهب، هناك حيث كؤوس الخمر وأناشيد الزبرجد، هناك حيث طبق واحد من الطعام يكفي لأحلام جياع الأرض.

في هذه البلاد لا تستطيع أن تحلم، وأنت تحت سيف الجلاد، لا تستطيع أن تحلم دون تنهي حلمك ذبابة مناضلة،فالحلم ثورة،والعشق ثورة،الثورة حلم والعشق حلم، وكلاهما لا يكتملان في بلاد اللعنة والخطيئة الأزلية.
بدأ الشارع يخلو رويدا ً..رويدا، اجتاحني سكون عميق، أطبق الصمت على شفتيَّ، لكني ما زلت هناك على الرصيف مشردا ً،جائعا ً،أرتجف برداً والصقيع في دمي بارد وجارح كقلوبكم، مازلت وحيدا وغريبا ً عن هذا العالم، لكن بين هذا وذاك، بين الفتى الثائر المبتلى بحلمه الأحمر،وبين الفتى الأسمر المبتلى بعشقه وجنونه، وقبل أن تقتلني ذبابة عابرة، سأولد مرة أخرى، وفي دمي كلمات وكلمات، كلمات كالرصاص، كلمات حمراء تحرق الأصفر والأخضر من راياتكم، سأولد مرة أخرى وفي دمي حلم جديد ونبي جديد، سأولد مرة أخرى وفي دمي حكاية أخرى،أو بداية لنهاية قد تطول وتطول كثيرا ً،فأنبياء الله على الأرض يولدون فقط،أنبياء الله لا يموتون .

شاهد أيضاً

رفوفٌ ملتهبة
بقلم: أسيل صلاح.

يحتلني الدمعُ بلا مقاتلين أو خطاب تُمسكني الأربعون كقبلةٍ مائية جف عنها الصدى بين سطرين …

شاعرٌ يردُّ الوهمَ للوراءِ
بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

بعِشقِي هذا حينَ تكتملُ اللَّذاتُ.. سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ لتلِدَ الغَيْمة فجرًا ثمَّ.. فِي واضِحِ …

عادل الحنظل: ميتافيزيقيا

ألْقوكَ جسما عاريا تحتَ السماءْ أتُرى عرفتَ بما يخبّئهُ العَراءْ قالوا لروحكَ رفرفي.. واستأنسي علّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *