د . محمد عبد الحسين هويدي* : الاغتراب في شعر مظفر النواب “الوتريات الليلية أنموذجاً” (2/1) (ملف/8)

mohammad abdulhussein mahdiإشارة :
إذا كان نزار قباني قد ألبس القصيدة الغنائية قميصا وبنطلونا وجعلها تتجوّل في الاسواق، فإن شاعر العراق والعرب الكبير مظفر النواب قد جعل – أوّلاً – القصيدة السياسية شريانا يمتد بين قلب الإنسان العربي وقضيته. كان أشرس من مرّغ أنوف الملوك والرؤساء المتخاذلين بلا هوادة. وثانياً فإن ثورة النواب العامية هي ثورة إبداعية كبرى لم تبزها حتى اليوم أي ثورة أخرى في الوطن العربي. وثالثا، فإن النواب هو الأنموذج العملي الجسور للشاعر الشجاع الثائر الذي حمل قضية أمته من العراق إلى ظفار فأرتيريا ففلسطين حيث قلب القضية. أعاد مظفر للشعر كرامته النضالية المهدورة. فتحية له في محنته. تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح زمنيا بالدراسات والبحوث والصور والوثائق.
الدراسة :
*كلية التربية / جامعة المثنى
الخلاصة :
ارتبطت ولادة الفن الشعري الحديث في العراق والوطن العربي بمجموعة شروط تاريخية ، وقد تم ذلك بمستويين : فردي بحث فيه الأدباء عن الاستثنائي المميز ، وجماعي أظهر فضولاً في شهية الثقافة العربية للتلاقح الفكري وتبادل المعطيات الحضارية الجديدة مع ثقافات الأمم الأخرى .
وكل ذلك تعلق بما شهدته مرحلة الولادة من جدل ثقافي وفكري التي كانت اشتراطاتها التاريخية في منطقتنا العربية تدور ضمن ثنائية الصراع بين “التحرر والرجعية” ، الأمر الذي جعل الأديب يعيش ضمن مجموعة من الإشكاليات المترابطة ، وقد كانت مقولة “الالتزام” احدى نتائجها التي أصبحت ـ فيما بعد ـ رافدا جديداً يقوي التجربة الشعرية ويميزها ، إلى جانب إضفاء طابعي الخصوصية واللون المحلي وهو ما تحاول آداب الأمم نشره ليشكل لأدبها خصوصية عن سواه ، وضمن هذا الإطار جاءت الدراسة ، لتتنقل بين الفقرات الشعرية لواحدة من أهم قصائد النواب وأطولها وهي “الوتريات الليلية” ، لتبحث عن تجليات تجربة الاغتراب الحياتية بين ثنايا الأبيات الشعرية ، وتحاول الربط بينها وبين ما ألزم الشاعر نفسه به من التزام نضالي .
المقدمة :
تعد “الوتريات الليلية” أطول القصائد الشعرية التي كتبها مظفر النواب ، وقد أطلق بعض الباحثين عليها تسمية “ملحمة صغرى” أو “قصيدة الطويلة” (1 ) ، وقد نظمت القصيدة في مدة خمس سنوات من 1970 إلى 1975( 2)، مما يعني أن هناك مدة اشتغال شعرية كافية لإنجازها نتيجة لاختمار فكرة القصيدة ، واستيعاب مجمل القضايا التي أُريد أن تكون محوراً لمضمونها وهذا ما يبرر مقدار الطول ، ونتيجة لما ذكرناه فقد تعددت المراحل التاريخية التي تناولتها المطولة عبر الانتقالات بين صور الماضي والحاضر ، وظهر النفس الدرامي الذي اعتمده الشاعر أسلوباً في عرض محطات من تجربته الحياتية والحزبية ضمن تقنية التداعي الحر للأفكار ، ولذلك جاءت الأحداث المتضمنة في المطولة طويلة مما جعلها قمينة باحتضان تجربة الغربة والاغتراب على السواء .

أولاً : الاغتراب تطور المفهوم :
جاء في معجم “تاج العروس” : أن (الاغتراب) و (التغرب) هو البعد(3 )، كما ورد في “لسان العرب” (نقول غرب الرجل أي انكح من الغرائب … والتغرب هو النفي عن البلد)(4 ).
وقد عرفت الموسوعة الفلسفية (الاغتراب) اصطلاحياً بأنه :(عدم التوافق بين الماهية والوجود ، فالاغتراب نقص وتشويه عن الوضع الصحيح)(5 )، بينما يجعل التعريف النفسي لمفهوم “الاغتراب” أساساً واقعياً ملموساً نعرف من خلاله الأسباب الحقيقية التي تؤدي الى هذا السلوك فيوصف بأنه :(انفصال الانسان عن القيم السائدة لعدم امتلاكه زمام ذاته ، فهو حالة من الشعور بالضعف وسيطرة الآخرين عليه ، مما يؤدي إلى صراع الانسان مع نفسه من أجل تجاوز أخطائه وإسقاطاته)(6 ) .
وقد ورد مفهوم “الاغتراب” في مقاربات كثيرة ضمن رؤى باحثي العصر الحديث، فمنها ما يعود إلى الانفصال المعرفي عن كيانات أو عناصر مهيمنة في الحياة ، ومنها ما يعود إلى الانتقال المكاني والتخلي عن حقوق الملكية ، ومنها ما يعود إلى فقدان غاية ملموسة يحققها الفرد في حياته أو انعدام مغزاى الحياة(7 )، والى جانب هذه المقاربات التي يمكننا أن نرى أنها تمثل مصاديق لمفهوم الاغتراب ، فقد تبنى بعض الفلاسفة الوجوديين ومنهم (نيقولا برديائيف) مفهوماً مأساوياً لمصطلح “الاغتراب” ، وأطلق عليه تسمية “العزلة” ، وعرفها بأنها :(ظاهرة اجتماعية بمعنى من المعاني ، لأنها تفترض الشعور بالذات الأخرى ، وإن أكثر أشكال الاغتراب تطرفاً وكآبةً هو ما تعانيه وسط المجتمع في العالم الموضوعي)( 8).mothaffar 5
ومهما وجدنا بين المقاربات السابقة من تباين فأن هنالك اتفاقاً في كون حالة “الاغتراب” لاتأتي دفعة واحدة من دون مقدمات ودوافع ، فما دام الاغتراب هو ممارسة اجتماعية تجري ضمن أطر المجتمع وأنساقه ، لذا ينبغي عليها أن تمر بمرحلة زمنية هي مرحلة “الاختمار والنضوج” ، ومن هنا يرى بعض الباحثين : أن “الاغتراب” يمر بثلاث مراحل : أولها متعلق بوضع الفرد في بنائه الاجتماعي ، وثانيها : بوعيه لوضعه في البناء الاجتماعي ، ويتمثل ثالثها : في الانعكاسات التي تظهر لدى الفرد على وفق الخيارات المتاحة أمامه في المجتمع( 9).
وعلى أساس فكرة “الاختمار والنضوج” اللازمة لولادة مرحلة “الاغتراب” التالية ، يأتي معنى “القصد والتصميم” ليميز معنى “الاغتراب” عن معنى “الغربة” لأن “الغربة” تتضمن معنى “العقوبة” المنبثقة من واقع التجربة في أغلب الأحيان ، أو تتضمن معنى الانفصال التلقائي عن الواقع( 10)، وهنا يؤكد أحد الباحثين أن :(الغربة تعني الشعور بالابتعاد المكاني عن الوطن ، أي الإحساس بالغربة جاء بسبب المسافة التي تفصل الإنسان عن مجتمعه ومعارفه وعالمه ، أما الاغتراب فيختلف عن الغربة اختلافاً جوهرياً ، فهو يعني فقدان القيم والمثل الانسانية والخضوع لواقع اجتماعي يتحكم بالانسان ويستعبده ، وحينئذٍ يشعر الانسان بالانفصال والانعزال عن الآخرين ، وحتى العالم ذاته ـ كذا ـ)(11 ) .
وهناك أنواع من “الاغتراب” عانى منها الإنسان في تاريخه ، ومنها “الاغتراب التكويني” : الذي تضمن شعور الأفراد بضياع حياتهم الفردية بعلاقاتها وروابطها بشكل لا يسمح بإعادتها ، ومنها ما يسمى بـ “الرفض الكوني” : وهو نوع من أنواع الطرد في المجتمعات العنصرية ، وهناك نوع ثالث ينشأ من تبدل القيم والعادات يسمى بـ “الافتقار التاريخي أو الزماني” ، حيث يشعر الأفراد فيه بالاغتراب نتيجة حسهم التاريخي بضياع القيم السلفية التي ألفوها أو تأثروا بها ، وفضلاً عما ذُكر فهناك أنواع أخرى كثيرة(12 ) .
ومن أهم مظاهر الاغتراب أنه يولد حالة من الانفصال المستعصي التي لا يمكن معها أن تعود الأمور سيرتها الأولى ، بينما يمكن لـ “الغربة” التي تضمنت معنى البعد المكاني أن تعيد حالة من التوافق مع وضعها الجديد ، لذلك (يكون المثقف أكثر وعياً وإدراكاً للواقع المعيش ، وهو يسعى جاهداً لتغييره على وفق فلسفته تجاه الحياة والأحياء ، ولا يتولد الرفض لديه إلا بعد وعيه الواقع بصوره جيدة ، فقد يحس من يشعر بالغربة باختلاف الواقع ، لكنه يحاول الاندماج معه بغية تحقيق التوازن النفسي)( 13).
وتأتي خصوصية الأديب في ظاهرة “الاغتراب” ، لأنه أكثر عرضة واستعداداً لئن يمر بها ، وهذا ما يؤكده الدكتور محمود عبد الله الجادر بقوله : (إن الأديب مغترب عن زمانه ومكانه ومجتمعه ، منتمٍ إلى ذاته وحدها في همه الإبداعي …. فذاته هي محور صياغة التجربة النفسية ، وتشكيلها تجربةً إبداعيةً ، ولولا تلك الغربة وذلك التفرد لعاد الأدب كلاماً من الكلام)(14 )، والى جانب هذا اللون من “الاغتراب القدري” الذي تستوجبه طبيعة التجربة الإبداعية الفنية ، فإن هناك عوامل أخرى مساعدة يقدمها المحيط تزيد حدة الاغتراب ودرجته لديه ، وتُظهر الفرق بين التجارب المختلفة للشعراء ، وهو مايؤكده أحد الباحثين بقوله :(لقد انعكس الاغتراب على الشاعر العربي المعاصر وتناسب طردياً مع تعقيد الحياة ، والشاعر أسرع إلى غيره في الإصابة بهذا الداء ، لأنه يتمتع بقدر عالٍ من الحساسية والتوتر والرهافة ، ولهذا فقد عاش في اغتراب مركب ، فردي ، واجتماعي)(15 ).kh mothaffar 1
ثانياً : أسباب اغتراب النواب
ما دمنا نبحث موضوعة الاغتراب في مطولة النواب “الوتريات الليلية” فتجدر الإشارة في هذا الموضع إلى أن كثيراً من الدلائل تذهب إلى أن شعر مظفر النواب مرتبط بالناس ، وأن الشاعر وشعره يحرصان على الحضور وسط الجماهير محرضاً ومعلماً ومشاركاً (وقد بدأ النواب شاعراً شعبياً ، وعرف شاعراً شعبياً قبل أن يكتشف فيه الناس شاعر الفصحى الموعود ….. ومجموعته الشعرية “الريل وحمد” أصبحت أشهر ديوان شعر شعبي عراقي)( 16)، وهذا يعني إن مقولة الاغتراب عن الناس ورفض التواصل معهم اجتماعياً لم تكن موجودة لديه ، على أننا يجب أن نوضح أن هناك مسارين للاغتراب أولهما : “الاغتراب في” أي اغتراب “التماهي والذوبان” في الآخرين ، فالشخصية الفردية تذوب في الشخصية الجماعية وتصبح جزءً منها ، أما النوع الآخر فهو : “الاغتراب عن” وهو اغتراب “الرفض والانفصال” عن الآخرين ، وكلا الاغترابيين يبعدان الذات عن جوهرها أو يفقدانها استقلاليتها المنشودة .
وإذا عدنا إلى البحث عن اللون الذي سلكه النواب في اغترابه فسنجده قد مارس اللونين فقد “اغترب في” وسط الجماهير الكادحة وذاب فيها وتحول إلى ذرة في كيانها حتى كاد أن يفقد خصوصية متطلباته الخاصة ، وهو قد “اغترب عن” الطبقة الرأسمالية المستغلة والسالبة لحقوق الفقراء ، وانطلاقاً مما سبق يمكننا القول : أن السبب الرئيس لاغترابه هو الانتماء السياسي ، نتيجة لكونه قد حُرِمَ من تشييد الأنموذج السياسي الذي يؤمن به ، وهذا ما تدل عليه الأحداث الحياتية التي مر الشاعر بها ، فقد هرب الشاعر من العراق إلى إيران عام 1963 بعد المصادمات الدموية التي جرت بين القوميين والشيوعيين ، ليلقى القبض عليه في إيران ، ومن ثم جرت عملية تسليمه للعراق ، ليحكم عليه بالإعدام ، لكنه يستطيع الهرب من سجن الحلة ، ويستطيع أيضاً التواري عن الأنظار ، أما مكان الاختباء فيكون بغداد أولاً ، ثم يتوجه بعد ذلك إلى الجنوب ، وتحديداً “الأهواز” ، فيعيش مع الفلاحين ، ومن ثم يغادر إلى بيروت ، ودمشق ، والعواصم العربية والأوربية (17 ).
ونستطيع أن نلمح اتحاداً بين “أنا الشاعر خارج القصيدة” و”أنا الشاعر داخلها” ، لأن “الأنا الوجدانية” للشاعر في القصيدة هي “أنا الشاعر الغنائي” المعبرة عن انفعالاته وليست قناعاً لشخصية أخرى ، ومن شأن ذلك أن يضيق المسافة بين الذاتيين أو يلغي المسافة بينها تماماً ، أي أن أنا الانسان الواقعي الشاعر ، وأنا أسلوب الأداء الذي يظهر في القصيدة هما أنا واحدة ، وهنا يأتي رأي بعض من أرخوا لشعر النواب مبيناً :(أنه منسجم حياتياً مع شعره أنه مشرد مطارد ، وشعره شعر مطارد ، شعره يرفض المواقف السياسية المشبوهة ، ويرفض العطاء الذي يمكن أن يقدم إليه من الجهات صاحبة هذه المواقف …. لا نعرف له شعراً يمدح حاكماً ، ولا نعرف له تملقاً لنظام)( 18)، هذا فضلاً عن تحول الشعر لديه إلى وثيقة لمعظم الأحداث السياسية التي مرت بالعراق والمنطقة العربية .
ويتضح مما سبق أن للنواب مشروعاً سياسياً وظف الخطاب الشعري فيه ، علاوةً على تحول الشعر لديه إلى ترجمان حالته النفسية والفكرية :فـ (لابد للشاعر المنتمي أن يتطلع إلى تحقيق أمنيته السياسية الكبرى في رؤية المرحلة القادمة الواعدة بالتغيير …. عبر استشفاف مظفر أفق المستقبل البعيد الذي ترسم ملامحه وقسماته النظرية السياسية ، وهذه المرحلة لا يمكن أن تأتي أو تحدث من الفراغ ، بل من خلال الجهد الواعي للتغيير الذي يسعى إليه الشاعر المسيس ، ليست لكونه كتلة ثقافية مستقلة في الحزب ، بل كمفردة تنظيمية فيه)(19 ) .
ومادام الشاعر يبشر بنظرية حزبية لها أهداف مشتقة من “النظرية الماركسية” التي يعتنقها ، فلابد من معرفة مفهوم الاغتراب حسب تلك النظرية ـ ومن الجدير أن ننوه أن أدبياتها تستعمل مفردة “العامل” وتقصد به “الانسان” ـ حيث ترى تلك النظرية : إن اغتراب العامل [الانسان] لدى الشيوعيين يقع في مستويات أربعة هي :
1 ـ اغتراب في معنى العمل : حيث لا يقوم العامل بالعمل الذي يعبر عن رغبته ، إنما يقوم بالعمل الذي فرض عليه .
2 ـ اغتراب في نتاج العمل : فلا يملك العامل الموضوع الذي أنتجه ، لأن هذا الناتج يذهب إلى الرأسمالي الذي يملك أدوات الإنتاج .
3 ـ اغتراب في تقسيم العمل : إذ لا يعمل العامل مع نظرائه ، ولا يحقق حضوره الذاتي في العمل فيفقد العمل طابعه الاجتماعي ، وتنحصر علاقة العامل مع آلته وفقاً لعلاقات ميكانيكية ، كما يتجلى الاغتراب في فراق عمل العامل اليدوي عن عمله الذهني .
4 ـ اغتراب عن أدوات العمل : حيث لا يعمل العمل بأدوات هي ملك له ، بل أدوات تنتمي إلى آخر ، وبذلك يخضع للأدوات أيضاً ، وبذلك يكون العامل حالة من اغتراب العمل المركب الذي جرده ذاتياً واجتماعياً واقتصادياً وعقلياً (20 ).
وإذا كانت النظرية السابقة هي من يحدد أنموذج فهم النواب للانسان ، فهذا يعني أنه سيبقى مغترباً مادامت حالة التباين السياسي قائمة مع النظام “الرأسمالي” ، وبعبارة أخرى يبقى الشاعر منتمٍ إلى مجموعة من الناس المؤمنين بنظريته وهو شاعرهم ، أما الآخرون الممثلون للدولة الرأسمالية التي لا تنسجم مع نظريته فأنه مغترب عنهم ، ومادام الآخرون المناقضون هم الذي يمثلون السلطة السياسية الحاكمة في أغلب المناطق التي سافر إليها وعاش فيها ، فأن ذلك يستلزم شعوراً دائماً بالغربة في مدن الآخرين وفي تفصيلات علاقاتها ، وفي هذا الصدد تقول الناقدة المصرية “صافيناز كاظم” :(إن جمهور النواب يعرفون أن شاعرهم لا ينحني لحاكم وليس بينه وبين الحكام إلا شرخا متجدداً ، على مدى تاريخه الأدبي الذي شهدت له الساحة الثقافية العربية أينما حلّ أو ذهب ينشد المحضور من الشعر ، الذي يعد وثيقة لمجتمع محاصر قتلته ، لهموم ملاحقة السجان وممارسات الجلاد اللاانسانية بحق أبنائه)(21 )، ومن هنا فقد أضحى شعر النواب ولاسيما القصيدة التي نحن بصدد بحثها مستوعباً للصراع الطبقي والاجتماعي ، وهو المعيار الذي يحدد مدى انتمائه أو اغترابه عن محيطه .kh mothaffar 2

ثالثاً : ألوان الاغتراب في شعر النواب :
الاغتراب السياسي :
نلمح الاغتراب السياسي جلياً في مطولة “الوتريات الليلية” بحكم اشتمالها مدد زمنية طويلة نسبياً ، وكذلك بفضل البنية الدرامية لسيرة الشاعر الذاتية ، حيث تظهر الأحداث السياسية دوافع مهمة وأصيلة مؤدية إلى الاغتراب ، وتأتي أزمنة الاستبداد السياسي دخل الوطن من جملة الأزمنة التي تعالج القصيدة أحداثها ، وهي أحداث الهرب من الوطن ومن ثم الوقوع في قبضة أعداء الوطن وأعداء الشاعر في الوقت نفسه ، ناهيك عن أحداث جرت في أزمنة تاريخية أخرى يستنجد الشاعر بها وينتمي إلى أبطالها ويتوحد معهم لتشابه ظروف الأزمة السياسية والروحية بينهم .
وفي البداية نجد أن العامل الاقتصادي هو من يؤدي بالشاعر إلى الاغتراب عن واقعه السياسي ومن ثم يفضى به إلى “الغربة” المكانية و”الاغتراب الزماني والروحي” معاً ، وهذا ما نلمحه في قول الشاعر وهو يعرض الصراع “اليساري” مع مصالح الدول “الرأسمالية” الكبرى ، : ( يا بلدي يا سوق اللحم / لكل الدول الكبرى / يا بلداً يتناهشه الفرس / ويجلس فوق تنفسها الوالي العثماني / وغلمان الروم …..)( 22)، ويأتي الأداء الفني بلغة تقريرية قفزت في بعض الأحيان إلى مرحلة التخييل الشعري عندما وظفت بعض الرموز والأحداث التاريخية وحاولت مد الجسور بينها وبين الراهن ، ويقول أيضاً منوهاً بالعامل الاقتصادي:(بلادي / كصناديق الشاي مهربة / أبكيك بلادي …. آلام ستبقى ياوطني / ناقلة للنفط / مدهنة بسخام الأحزان / وأعلام الدول الكبرى / ونموت مذلة)( 23)، ومن المقطوعتين السابقتين نلمح الهاجس الأصلي للاغتراب وهو وجود مشكلة مع “الرأسمالية” ، ومع جميع مظاهرها التي تلخصها عبارة “الدول الكبرى” ، ولذلك تلمح تبرير “الاغتراب” برؤيته التي سبق وأشرنا إليها والملخصة بـ “اغتراب العامل عن رب العمل وعن أدوات العمل التي لا يلمح إلا مظاهرها متمثلاً بـ “ناقلة النفط” فحسب ، (لأن الدولة الرأسمالية تتعامل مع الانسان بوصفه أداة من أدوات الإنتاج التي تضمن في النهاية تحقيق الربح من دون أن تعير أهمية لمصالح الأفراد الخاصة ، وهو ما يخلق الاستلاب الكامل للحياة الانسانية)(24 ) .
وعلى الرغم من تبني الشاعر لـ “لإشارات الإجمالية” عند تحميله نظام الحكم سبب اغترابه واغتراب الجماهير ، فأنه ينتهي إلى نتيجة مفادها إن بلاده وقعت تحت وطأة النظام الرأسمالي وأتباعه ولم يعد باستطاعته إلا أن يبكيها وكأنه يقدم بذلك دعوة لليأس والحزن لجماهيره العريضة ، وربما يكون هدف استزراع الشعور السابق هو استصراخ الجماهير عندما يصدمها بتلك النتيجة المخيبة ، فيقول (أبكيك بلاد الذبح / كحانوت / تعرض فيه ثياب الموتى)( 25)، وفي بعض صور الأداء يتجه الخلق الشعري إلى تجسيم الاغتراب وتشكيله وعرضه صورياً وجعله معادلاً لحركة الشاعر وهو ينشد الخلاص الفردي في انتقاله من بغداد إلى المنفى ، (غادرت الفردوس المحتل / كنهر يهرب من وسخ البالوعات حزيناً / أحمل من وسخ الدنيا / أن النهر يظل لمجراه أميناً)(26 )، وهنا تظهر غربته المكانية فالفردوس يتلوث والنهر يغادر ويظل أميناً لمجراه الأول الذي يعادل انتماءه السياسي ، ولقد زاد (إحساس الشاعر بالضياع والقهر ، الناجمين عن استمرارية الاستبداد السياسي في ظل غياب المساواة والعدالة الاجتماعية)( 27).
وتُظهر المعالجة الدرامية في القصيدة تأثير الاستبداد في ولادة الاغتراب السياسي عندما تحتشد مجموعة صفات سلبية بأداء شعري أقرب إلى التقريرية فيقول :(متى تنتهي كل هذي الفوازير / والنشرات الرخيصة / والمخبرين الغلاظ الوجوه / كأنهم مؤخرة لمريض يوسخ من تحته)( 28) ، وفي نهايات بعض المقاطع تنتقل الصفات السلبية إلى مستوى آخر ، فتتحول إلى شتائم مباشرة تقترب من لغة السباب اليومي السائد لدى العامة ، أما أساليب الأداء فتقتصر على الوظيفة الإبلاغية للنص الشعري ، فنراه يقول : (أبول على الشرطة الحاكمين / أنه زمن البول / فوق المناضد / والبرلمانات / والوزراء)(29 )، لقد جعل الشاعر مفردة “البول” بمستوى خطاب “الدولة الرأسمالية” لبيان مقدار تهافته ، وازدراء الدولة بهذه الطريقة يأتي احتجاجاً على دورها الكبير في تطويع الفرد والسيطرة عليه ، وبحسب الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) يتبين تأثير الدولة يمكنها أن تكون سبباً في اغتراب الفرد ، لأن الأخير مجبر بالتنازل عن جزء من حقوقه للدولة كي تضمن حقوق بقية الأفراد ، وهو ما يجعل الفرد مستلباً ، لأنه يؤدي دوراً مرسوماً له سلفاً ، من قبل الآخرين أو “الدولة”( 30) ومن الجدير بالإشارة أن حديث “روسو” السابق جاء توصيفاً للدولة الناضجة التي يسيرها القانون ، فكيف إذا كان الشاعر يعيش ضمن دولة الاستبداد والقمع التي من أبسط سماتها أنها لا تعنى بتوفير أدنى شروط المواطنة لأفرادها ؟!!.
وهكذا يُسلّم كره “الدولة المحلية” الشاعر إلى دول أخرى ، وهنا يأتي السؤال : هل استطاع حضور الشاعر في الدول الجديدة أن يتجاوز حالة اغترابه ؟ أم إن حضوره عمّق حالة الانفصام وزاد من حدة الاغتراب لديه ؟! .
وعند الإجابة عن هذا التساؤل لابد من ملاحقة مرحلة الانتقال شعرياً حيث تظهر حالة اغتراب الشاعر التامة عندما وطأت قدماه أرض الشام ، وقد صرح بذلك من دون مواربة قائلاً :(ألقيت مفاتيحي في دجلةَ أيام الوجد / وما عاد هناك في الغربة مفتاح يفتحني / ها أنا أتكلم من قفلي)(31 )، وقد حاول الشاعر وهو في حالة اغترابه السابقة التأقلم والاندماج مع المتغير السياسي الجديد ، ومن ثم محاولة إعلان مشروع الثورة الذي آمن به الشاعر وترك بلده بسببه ، ولكنه يفاجأ أن وضعه في البلد الجديد لم يتغير كثيراً عما ألفه سابقاً من واقع مأزوم ، وكترجمة شعرية لما يعانيه يظهر التفوق في الأداء الفني فيفلح الشاعر في تصعيد عملية التخييل ليخلق التوتر الحرج للصورة عبر اللجوء إلى استعارة الصور التاريخية الحافلة بالزخم والتكثيف ، وتظهر طريقة أداء جديدة مغايرة للتقريرية المعتادة فيقول:(أتيت الشام / أحمل قرص بغداد الكبيرة / بين أيدي الفرس والغلمان / مجروحاً على فرس من النسب / قصدت المسجد الأموي / لم أعثر على أحد من العرب / فقلت أرى يزيد / لعله نَدِمٌ على قتل الحسين / وجدته ثملاً / وجيش الروم في حلبِ)( 32) .
ونتيجة لذلك يتساوى الحال بين خارج الوطن وداخله ، إلا أن “الداخل” يكون أكثر وطأةً على الشاعر لأنه كان يعاني فيه واقعاً مأساوياً أيسره تصفية الشاعر الجسدية ، لذا نجده يستنجد بالوطن “المثال” ، ويأتي ذلك عبر تقنية تشكيل صور جزئية عديدة ، منها ما ينتمي إلى صور وطنه التقليدية ، ومنها ما ينتمي إلى المقدس التاريخي ، ومنها ما يمثل الواقع الرأسمالي الكريه لديه , وعن طريق احتشاد هذه الصور مجتمعة يتولد شعور الاغتراب التام الذي يأن تحت وطأته فيقول : (وطني أنقذني / رائحة الجوع البشري مخيفة / وطني أنقذني من مدن سرقت فرحي / أنقذني من مدنٍ يصبح فيها الناس / مداخن للخوف وللزبل مخيفة / من مدنٍ ترقدُ في الماء الآسن / كالجاموس الوطني / وتجتر الجيفةْ)(33 ) فمادام المكان الأمومي الأول مستباحاً فكل صور المدن الأخرى تتحول إلى أنموذج واحد ، لا فرق بين حديثها وقديمها .
ويبرز الاستبداد السياسي عاملاً مشتركاً دافعاً إلى “الاغتراب” في جميع تلك المدن لذا تأتي صوره متتابعة متلاحقة مادتها الأساسية هي العادي واليومي بل وحتى الحميمي الممثل للأمل كـ “الأطفال” يقول مخاطباً أنظمة الاستبداد السياسي العربية : (في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي / في كل زقاق أجد الأزلام أمامي / أصبحت أحاذر حتى الهاتف حتى الحيطان وحتى الأطفال)( ) ولهذا تتخذ هذه الأنظمة صورة نمطية واحدة تجمعها لفظة “شتيمة” (قردة / سلطات القردة / أحزاب القردة / أجهزة القردة / كلا … أشرف منكم فضلات القردة)(34 ) .
وبعد أن يقدم الشاعر اغتراباً عن كل الصور السابقة ، فأنه من ناحية أخرى ينتمي إلى الاشتراكيين في العالم كله ، ومن نافلة القول انه يلجأ إلى مهاجمة مؤسسات الدولة الرأسمالية ومَن تحالف معها من الأنظمة الرجعية وإلى مناصرة الحركات التقدمية ، وقد كانت هذه المفاهيم مألوفة في أدبيات مرحلة الخمسينيات والستينيات وكذلك السبعينيات ، ويحقق الشاعر بذلك نوعي الاغتراب التي تمت الإشارة إليهما وهما “اغتراب الانفصال” و “اغتراب التماهي” يقول :(هل أرض هذي الكرة الأرضية أم وجر ذئاب / ماذا يدعى القصف الأممي على هانوي / ماذا يدعى سمة العصر وتعريص الطرق السلمية / ماذا يدعى استمناء الوضع العربي أمام مشاريع السلم / وشرب الأنخاب مع السافل روجرز / ماذا يدعى أن تتقنع بالدين وجوه التجار الأمويين / ماذا يدعى الدولاب الدموي ببغداد / ماذا تدعى الجلسات الصوفية في الأمم المتحدة / ….. ماذا يدعى أخذ الجزية في القرن العشرين / ماذا تدعى تبرئة الملك المرتكب السفلس / في التاريخ العربي / ولا يشرب إلا بجماجم أطفال البقعة)(35 ) .
وفي جميع الصور التي عرضت نلمح شكوى وعدم انسجام وتوافق ، وهي تحدث في راهن الشاعر المعيش ، مثلما حدثت سابقاً في التاريخ الذي استعان بأحداثه و وشخصياته المشرقة كشخصية الإمام “علي بن أبي طالب” [عليه السلام] فنراه يبتدؤه شاكياً (قتلتنا الردة يا مولاي / كما قتلتك بسيف في الغرة / هذا رأس الدولة يحمل في طبق ليزيد / وهذي البقعة أكثر من يوم سباياك / فيالله / وللحكام / ورأس الثورة)( 36)وهو يجمع الأسباب المؤدية إلى الاغتراب على مر العصور فأسباب مشابهة انتهت باغتيال الإمام تعيد انتاج نفسها لاغتيال الشاعر تتمثل هذه المرة بتشويه نظام الدولة الحديث وتجييره لمصالح الأغنياء والرأسماليين وبالتالي استغلال الفرد وبقاء الظلم ولذا نراه يشكو بمفردات الراهن إلى مقام التاريخ المقدس متمثلاً “بشخصية الإمام [عليه السلام]” قائلاً : (أنبيك …. تلوث وجه العنف / وضجّ التاريخ دعاوى فارغة / وتجذمت ليليه / يا ملك الثوار / أنا أبكي بالقلب / لأن الثورة يزنى فيها / والقلب تموت أمانيه)(37 ) .
وكل ما سبق ذكره أجمله الشاعر بإعلانه عن اغترابه الكامل عن واقعه السياسي الراهن ، أما الأداة التي وظفها لذلك فهي تحقيق التوحد مع شخصية تاريخية كانت مثالاً للاغتراب عن الواقع الرديء في زمنها والذوبان في الذات الإلهية :(يا ملك الثوار / أنا في حل / فالبرق تشعب في رئتي / وأدمنت النفرة)( 38) .
الاغتراب الاجتماعي :
ربما يبدو الاغتراب السياسي أساس كل اغتراب آخر ومنه الاغتراب الاجتماعي الذي يتولد عن تجاوز الفرد لبعض محطات التفكير التي يقف الآخرون عندها ، أو عندما يتمسك المجتمع بمواقف نفعية جديدة بعيداً عن الحقيقة الفطرية للفرد ، ومن هذا المنطلق يحدد الباحثون ذلك بقولهم أن (جوهر الاغتراب الاجتماعي يتمثل في أمرين ، الأول : جمود المفهوم الفكري الاجتماعي في مقابل تطور العقل الانساني ، والثاني : انجراف المفهومات الاجتماعية إلى مفهومات منحرفة عن سياقات التعامل العرفي والتقليدي مما يحدث فجوة بين الذات والمجتمع ، هذه الفجوة تتعاظم كلما كان الصراع مؤججاً لمواقف التناقض بين المبدئية والموقف الالتزامي وبين الرجعية والسلوك الانتكاسي وذلك أن غياب المعيار يهدم الثقة ويعزز القلق في ذات الفرد الذي تصبح أهدافه وتطلعاته في منأى عن اهتمام مجتمع يعيقه عن القيام بأي مشاركة اجتماعية )( 39).
وعند البحث في موضوعة الاغتراب الاجتماعي لانجد إشارات إلى التاريخ العائلي مثلما لانجد محطات للحياة الوجدانية الخاصة في العشق أو التعلق بامرأة ما ، لكننا وجدنا شاعراً ملتزماً يتخذ اغترابه الاجتماعي هيأة “التماهي والانفصال” أي “الاغتراب في” أو “الاغتراب عن” وربما أزعم أن الملاحظة السابقة تتعدى “الوتريات” لتنطبق على الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر.
ومن بين مظاهر الاغتراب الاجتماعي في المطولة ما يبدو من إظهار الشعور الحاد بـ “الوحدة” الذي يصل لدى الشاعر إلى الإشفاق على نفسه ومواساتها فضلاً عن إدراكه لصعوبة مهمة التغيير السياسية التي كان يسعى لتحقيقها ، وعند ذاك يبدو الشاعر وحيداً حزيناً مغترباً :(ياهذا البدوي المسرف بالهجرات / لقد ثقُل الداء / قتّر ريقك لليل / فلابد لهذا الليل دليل / يعرف درب الآبار / ويفتح بالحدو الناقة والصحراء / يا هذا البدوي تزود واشرب ما شئت / فهذا آخر عهدك بالماء)(40 )، وهذا هو اغتراب الثوري “الأنموذج” الذي يحاول التغيير والمبني على أساس سياسي ، وهو ما يجعل الشاعر يبحث عن عطف يأتيه بأية صورة وهنا يبرز دور المرأة ، لكن المفاجئة تظهر في كون المرأة التي يلتمسها في الغربة تبدو مختلفة تماماً ، ويبدو حضورها بارداً يحمل رائحة الثلج وما يعنيه ذلك من انطفاء جمرة الحياة فيقول :(إن الغربة ياقاتلتي / جرب في جلدي / أتشهى القطط الوسخة في الغربة / لكن نساء الغربة أسماك / تحمل رائحة الثلج)( )، ففقدان التواصل جاء مع إشارة البرودة الدالة على هذا الانطفاء وهو ما يؤكده محمود رجب في رأيه : أن موضوع الاغتراب يعكسه الفرد في السياق الاجتماعي على علاقته مع الآخرين وما ينتابها من فتور وجفاء( 41) .
ويسلط الشاعر الصورة المشهدية الشاملة ـ البانورامية ـ على المجتمع فيرى أن أدوات الرأسمالية ومصارفها تنهش لحم الفقراء وتضاعف ثروات الأغنياء وهو يعبر عنها بمباشرة تامة ليس فيها أي لون من تقنيات التخييل الشعري :(وتفتك بنا المصارف / خشية دين قديم / على الأغنياء / ودين الفقير على آكلي لحمه / ثورة تعتلي كل دين)(42 ).
وتمثل الصراعات الدموية بين الأفراد والهيئات الاجتماعية المدعومة من الاحتلال والحكومات أحد المظاهر التي ترصدها القصيدة (ويفتح فيها الرصاص / منابزة بين آل فلان / وآل فلان / ويسند هذا بقصف العدو / ويسند هذا بقصف الحكومة / والحكم للاحتكار المنسق / ما بين …. / بين وبين / ومستزلَمون / ومستخنَثون / وبعض توزع في الجانبين)( 43) ولعلنا نلحظ التقريرية والمباشرة في الأداء الجمالي للنص السابق ، لأننا نرى أن الشعر يُؤدى ضمن مفاهيم الوظيفة الثورية الملتزمة وهو ما يحكم طبيعة الأداء بهذا الشكل (فتتراوح سيرورة المعنى في شعر النواب بين المباشرة التقريرية التي تقترب من الاستعمال اليومي للغة وبين الرمزية المتشحة بالغموض والبعد الروحي …. أن هذا المستوى المباشر من التركيب اللغوي لايبقى للقارئ فسحة إعمال الرأي وتفعيل التأويل لأنه نص مفسر بذاته يقع كل معناه في بنيته الظاهرة)( 44).
وعلى الشاكلة نفسها تعرض أمراض المجتمع وخواؤه وهو يبحث عن التسلية الرخيصة في أوقات أزماته فيقول :(هل عرب أنتم ؟ / وأراكم تمتهنون الليل / على أرصفة الطرقات الموبوءة / أيام الشدة)( 45) ويعاضدها بقوله : (ياجمهوراً في الليل / يداوم في قبو مؤسسة الحزن / سنصبح نحن يهود التاريخ / ونعوي في الصحراء بلا مأوى)(46 ) .
ولعل ما سبق يمثل أهم محطات الاغتراب الاجتماعي التي تمكنا من رصدها في مطولة “الوتريات” ، فاللغة السهلة اليومية تكشف مشاعر الرفض لبعض السلوكيات التي يستهجنها الشاعر من مجتمعه ، وربما يتميز النواب عن الشاعر التقليدي بأنه لا يهاجم في لغته ممارسات فردية لمجموعة من المنحرفين أو الظالمين ، بل أنه يتحول إلى ذرة في نظام فكري أو فلسفة معينة يؤدي دوره ضمنها ، (ومظفر النواب الشاعر العراقي الصلب تنتهج لغته نهج الإدهاش باليومي ذي البوح السياسي والهم الاجتماعي وقد تشظت إلى ألفاظ ذات إيقاع شعري خاص ، يستلهم اليومي ولا يفارقه ، ويغلب السياسي ويحاربه ، ويتمثل الهم الجمعي البسيط في اللحظة نفسها التي يعيد اكتشاف بساطة اللغة اليومية اكتشافاً شعرياً يقوم اللفظ مقام الحياة ، والرمز مقام المباشرة ، والإيحاء بالصوت مقام الدلالة الصامتة ، وفي كل ذلك يؤدي شكلاً شعرياً جديداً عبر معجمه الخاص أكثر مما يؤديه عبر المكونات الأخرى التي تتناسب لغوياً لإبداع النص الشعري)( 47) .
والنواب لم يكن مبتعداً عن الناس بأي شكل من الأشكال بالطريقة التقليدية المتعارف عليها ، فترجمة حياته تعرفنا أنه منحدر من طبقة ثرية لكنها غير منفصلة عن محيطها ، كما تذكر المصادر أن بيت العائلة في الكاظمية كان مسرحاً تقام فيه طقوس عاشوراء وتمر بباحته الواسعة مواكب الخيول والأعلام والمشاعل( 48).
وهناك أشارة أخيرة في موضوعة “الاغتراب الاجتماعي” تتلخص بأن مظاهر الاغتراب الاجتماعي التي شهدتها هذه المطولة ، كانت الأكثر وضوحاً مقارنةً بقصائد الشاعر الأخرى ، لما شملته من تجارب وتموجات زمنية.

*عن الشابكة (الإنترنت)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.