محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (الفصل العاشر/الأخير)

mohammad shaker alsabe-10 –
بمجيىء مهدي عباس مديرا عاما للدائرة العملاقة حلت بركة ولعنة تواترت أحداهما
وراء الأخرى على رأس أبي علي الغالب .بركة تمثلت بلجان تطوير العمل التــي لم
تستمر طويلا ، لتحل محلها حسرة رافقته طويلا جدا أعتبرها لعنة مزقت قلبه وأدمت
أعماقه . ثم جاءت اللعنة التــي أدمت أنفه وفمه وأسقطت أسنانه وملأت وجهه بكــــل
أنواع الكدمات في ذلك المساء المشؤوم .
في اليوم الرابع الذي تلا تلك المشاجرة العنيفة ،أجبرته زوجته علــى الذهاب الــــــى
صديقه طبيب صحة الطلاب ليعالج أسنانه . قال لــــه صديقــــه الطبيب بعـــد أن قام
بفحص فمه :
– ما هذا يارجل ؟ .. هل صدمك قطار ؟
– ما يشبه ذلك .
– سأعالج لثتك الممزقة أما تعويض الأسنان المفقودة فسأرسلك الــــى عيادة كلية طب
الأسنان ، لكي لا تدفع النقود للأسنان الصناعية التي سيضعونها لك .
بعد أسبوع تألقت الأسنان الجديدة في فمه ، لكنها لم تزل الدماء التي تخثرت فــي قلبه
جراء لكمات الرفيق علاء ، غير أن الأشد أيلاما من تلك اللكمات التـــي تشبه صدمة
قطار مثلمــا قـــال صديقه طبيب صحة الطلاب هـــو مشاهدة مهدي عباس مدير عام
الدائرة العملاقة لذلك الشجار مــن بدايته الى نهايته . خلال ذلك الأسبوع الذي أمضاه
في مراجعة العيادة الخارجية لكلية طب الأسنان ، لم يتوقف تفكيره عما حدث لــه في
مركزالشرطة ، وكيف هجم تلاثة من الرفاق على غرفة المفوض وأحزمة مسدساتهم معلقة الى أكتافهم ، وكيف أجبروا ذلك المفوض على غلق التحقيق، أو فـــــي الحقيقة
تمزيق أوراق الدعوى وكأن أحدا لم يقم أي دعوى ، فأحتج المفوض :
– وكيف سأرسله للمستشفى لمعالجته مـــن دون دعوى ؟. أنه مايزال ينزف الدم مــن
أنفه وفمه .. يعني أن لديه نزيفا .
قال الرفيق علاء :
– صدق أنه من أعز أصدقائي .
قال المفوض ساخرا :
– أذا كان من أعز أصدقائك وفعلت به كل هـــذا الخراب ، فماذا ستفعل به لو كان من
أعدائك ؟
قال أحد الرفاق الثلاثة الذين قدموا وأحزمة مسدساتهم معلقة الى أكتافهم :
– يا جناب المفوض أنه من أصدقائنا .
أصر المفوض على موقفه قائلا :
– يجب أن يذهب الى المستشفى للعلاج .
رد عليه احد الرفاق الثلاثة بحزم :
– نحن سنأخذه للعلاج في مستشفى مدينة الطب فأخي يعمل طبيبا هناك .
سحب أبا علي الغالب من يده خارجا به من غرفة المفوض ، فيمـــا سحب رفيق آخـر
أوراق التحقيق من تحت يد المفوض . هكذا أختطفوه من مركز شرطة الفضل لكــــي
يعالجوه في مستشفى مدينة الطب ، ثم أرضوه عنوة بنقود وضعوها في جيبه لم يمرفي خاطره أنه سيبيع أسنانه ودمه ويعقد الصلج مع من تسبب في كل ذلك،أيقن أنهم أهانوه
ومرغوا كرامته وشرفه في الوحل أمام أهـــــم وأكبر رجل فـــي الدائرة العملاقة . بم
يتعلل بعد أن قبل النقود التــــــي وضعوها فــــي جيبه كما لـــــو تلك النقود هـــــــــي
القضاء ةالقدر الذي لا يمكن رده . قال له الكثيرون أن قبوله تلك النقود هــــي الأهانة
الأشد مضاضة من أسقاط أسنانه وأسالة دمه . لكنه نظرالى الأمر مــــن زاوية أخرى
تختلف تماما عما نظر اليه الآخرون ، أذ أعتبر تلك الأهانات التي ترادفت عليه فـــي
ذلك المساء هو الأنتقام الذي نفذه الحزب جزاء ما فعله ضده في عام 1963.
غير أنه فـي أوقات أكثر صفاء لفكره كان ينكر ويرفض هذا الرأي ، لأنه يعرف جيدا
أن الحزب لو أراد الأنتقام منه عما فعله فـــي الماضي لأنتقم بطريقة أخرى ، وأتضح
له أنه فكر بعقل طفل وليس بعقل أبي علي الغالب المترع بالسم .أحس أنه يقف وحيدا
أمام عالم ينظر اليــه بعدوانية وأحتقار بسبب تمتعه بذكاء خارق يفتقده ذلك العالم . ثم
بدأ يضفي على نفسه أهمية جعلت الكثيرين من حوله يضجون بالغيرة والحسد، وهـذا
ما حفزه للأعتزاز بنفسه . كانت قناعته بأهميته تكبر كل يوم على الرغم مـــن أن تلك
الكدمات لم تختف مــــن وجهه بعد . ذات يوم سمع أحدهـم يحدث صديقه فــــي حافلة نقل الركاب قائلا :
– الناس ترمي الأشجار المثمرة بالحجارة .
نال هذا القول أعجاب أبي علي الغالب لا لأنه مغرم بالأقوال التي ترشح منها الحكمة
وأنما وجد أنه هو مـــن الأشجار المثمرة التــــي رماها الآخرون الحاقدون الحاسدون
بالحجارة لأسقاط ثمارها . ألا أنه تذكر أنهم لـــــم يضربوه بالحجارة وأنما بالأحذية ،
وكعادته دائما برر ذلك بــأن لا فرق بين حجارة وحذاء عندمــــا يلجأ الــى أستخدامه
أحد كارهيه أو حساده . غير أن مثل هذه الحالة يمكن أعتبارها مـــــن النوادر ، أذ أن
سوداويته هي الطاغية عليه في أغلب الأحيان ، وكانت تملأ روحه بالمرارة التي يجد
أن عليه أن يسمم بها حياة الآخرين القريبين منـــه ، لأن لديه الأيمان بأن لا يدع أحدا
منهم يعيش مرتاحا وسعيدا ، وأنه يرى أن من واجبه أن يجعله يتجرع الغصص .هذا
الأيمان هو الذي دفعه فــي ذلك المساء الدامي الى الأنتقاص مـــن الرفيق علاء تحت
غطاء المزاح .
وعلى الرغم من كونه يشقى في كثير من الأحيان مــن حرمانه مما يتمتع به المنتمون
الى الحزب فأنه كان يمني النفس بمتع ومكاسب قادمة عمـــا قريب ، كان بذلك التمني
يحاول وقف الأنهيار الـــذي يوشك أن يحدث في داخله . غير أنـــه كان يدرك في كل
وقت أن ما يجري لاهثا لنيله قد أصبح وراءه . يئس مـن كل المسؤولين الذين ضحى
بكرامته وسمعته مـــــــن أجلهم ، أذ أنهم يمتلكون كلابهم الخاصة المدربة تدريبا جيدا
على الدس والكذب والتآمر والنميمة ، وهكذا ما عاد أحد مــــن رجال الطليعة بحاجة
اليه ، بل كانوا يبعدونه عنهم خشية من أن يعض أيديهم مثلما فعل بعلي الحسني .
كل يوم كان ينظر فـــي المرايا التـــي في بيته ، وتلك التي في المرافق الصحية فـــي
الدائرة العملاقة ، وقد راعه منظر وجهه المليىء بالكدمات والهالات حول عينيه التي
تحول لونها من الأزرق الى أحمرارممزوج بلون بنفسجي . وكل يوم أيضا يشعربأنـه
وحيد في هذا العالم الذي يحاصره من كل الجهات . في لحظة قهر وحزن عميق تذكر
أن أباه السيد قال له يوما :
– لا تحزن أبدا أذا شعرت بأنك وحيد في هذا العالم وتذكرأن الله وحيد في هذا الكون .
وأننا من سلالة تعودت على العيش في الوحدة لأننا لا نتبع عواطفنا أبدا بل نتصرف
ما تقوله عقولنا . هذا ما يجعلنا غرباء عن هذا العالم ، وربما نحن جئنا مـــــن عالم آخر، من كوكب آخر .
بهت من قول أبيه هذا الذي غاب عنه طويلا . تساءل : هل شعوري بأنني وحيد يعود
الى كوني غريبا عن هذا العالم ؟.. هل قدمت من كوكب أخر الى هذا المكان ؟. آمـــن بهذا الذي توصل اليه .. آمن أنه من جنس آخر من المخلوقات .
– أنتهت –

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.